Define your generation here. Generation What

مشاهد وكوابيس للعام الجديد

قبل أيام قليلة تجمعت أمامي مشاهدٌ ثلاثة، بدت الختام الأمثل لعام شحيح المسرات. مضى ينوء بصنوف القهر، وبفيض مِن الهزل، لا يستجلب حصاده إلا الأسى على ما صارت إليه الحال، والغضب إزاء ما  خلفه مِن مؤشرات تنبئ بمواصلة الانحدار. أبطال المشاهد صحافيٌّ صديق، وطبيبٌ زميل، وفكهانيّ التقيته للمرة الأولى مصادفة، وتمنيت من قلبي أن تكون الأخيرة.

المشهد الأول: عن الفكهانيّ الشريف

واقفة في مَحَلّ متواضع يُصلِح أجهزة المحمول ويعرض مُستلزمَاتها، صادفت رجلاً ضخم الجثة يرتدي جِلباباً، دلف مُتمايلاً مُنتشياً وأمامه بطن مترجرج، ألقى السلام فأجابه الموجودون؛ كهلٌ جالسٌ ينتظر شحن جهازه، وبائع شاب أنهى في الحال طعامه، وأخيراً أنا. التفت الضخم ناحيتي دون سبب واضح ورفع صوته زاعقاً: “قال بيقول لك نازلين في يناير تاني.. قال نازلين قال”. حدَّقت في وجهه والتزمت الصمت التام رغبة في سماع المزيد، فكرر عبارته أكثر مِن مرة، ولما يأس مِن الحصول على استجابة مني، راح يدير عينيه في المكان ويصرخ: “اللي نازل 25 يناير هانقطعه هاننزل عليه بالمواسير هاندهسه تحت رجلينا.. هانخلي الشوارع دم”. استأنف: “أنا باحب السيسي.. باشوف في عينيه الوطنية كل ما يطلع في التلفزيون”. لم ينطق أحد الموجودين دهشة مِن الموقف ومِن حوار يجري كما المونودراما على لسان بطل وحيد، بينما استمر البائع الشاب في مزاولة عمله وكأن شيئاً لا يجري. بدا الرجل عدوانياً، كانت حركات جسده تنطق بالشراسة، وتعلن أنه قادر على تنفيذ ما يقول حرفاً لا مجازاً.  دخلت فتاتان في العشرينيات تسألان عن جهاز تركتاه للإصلاح لكن الرجل لم يُعطهما فرصة وأعاد عباراته واستفاض، فتسمرتا في مكانيهما تتلقيان بدورهما التهديد والوعيد. استدار نحو الكهل إذ فجأة، صوب إليه عيناه الضيقتان ووجه سؤالاً مباشراً: أنت مش بتحب السيسي؟ أجابه الكهل على الفور: طبعاً باحبه.

المشهد الثاني: عن الصحافي المطعون غدراً

صحوت صباح اليوم التالي على خبر مفاجئ. الصحافي الصديق الذي كنت أحادثه بالأمس وأتفق معه على لقاء قريب، سقط تحت طعنات رجلين فراً بعد إسالة دمائه.

قال أحمد أمام النيابة إن شخصاً توجّه ناحيته وهو سائر بالقرب مِن مترو جامعة القاهرة، وأمسك بعنقه ودفعه إلى أسفل، ثم وصل آخر مُصوباً نحوه بندقية ذات فوهتين. مع المقاومة التي أبداها انهال أحد الشخصين على جسده بمطواة، وأصابه بطعنات خمس. ولم يوقف الرجلين عن الإجهاز عليه سوى ظهور بعض المارة قادمين نحوه. برغم الطعنات النافذة التي أصابت صدره ويده وساقه، وبرغم سقوطه أرضاً، لم يتعرض أحمد إلى عملية سرقة، بقيت متعلقاته كافة سليمة محفوظة. ذكر أحمد فيما ذكر أن مُهاجمه بادره قبل أن يعتدي عليه: “أهلا أنت وصلت”.

قبيل هذا الحادث قضى أحمد فترة معتقلاً، وبعد أن خرج راح يكتب عن أحوال السجون وأهوالها. قليلون هم مَن كتبوا عن الأمر بعد مُعايشة طويلة، وقليلون هم من أصروا على كشف المسكوت عنه. الزملاء والأصدقاء والصديقات متأكدون أن أحمد تعرض إلى محاولة اغتيال، والملابسات جميعها تشير إلى صحة الاعتقاد، وسواء أثبتته التحقيقات أو لم تثبته، وسواء جيء بالجناة وحُوكموا، أو استقرت الأقوال والأوراق في ملفات الحِفظ وأدراج النسيان، فإن كثيراً مِن المتابعين رأوا في هذا الاعتداء إيذاناً ببداية مرحلة جديدة يدشنها النظام مع انتهاء عام وبداية آخر؛ مرحلة التصفية الجسدية للخصوم في الشوارع وعلى مرأى ومَسمَع مِن الناس.

قال لي صديقٌ إنه ليس مندهشاً مما جرى لأحمد، إذ هو صورة مما تعرض له -ولا يزال- المنتمون إلى بعض الجماعات الإسلامية، وأظنه على حقّ. التصفية على هذه الشاكلة ليست أسلوباً مُستحدثاً وإنما مجرد تمدُّد واتساع لرقعة المواطنين الذين تطالهم. ولكن يفجعنا اليوم أن نشعر باقترابها مِن دوائرنا اللصيقة، ومِن أجسادنا نحن وأنفسنا نحن، ومِن وجودنا ذاته. أن يخرج المرء مِن باب منزله أو عمله فينتظر في كل خطوة سكيناً وفي كل إيماءة أو لفتة فوهة بندقية تنسف رأسه أو تخترق رصاصاتها قلبه، لأمر جدٌّ مُحزِن ومُخيف، لكنّا قد نصبح مُرغَمين في هذه اللحظة على التعايُش معه.  

المشهد الثالث: عن الجرَّاح الحبيس

رسالة مِن النظام الحاكم إلى المصريين المغتربين أن لا وطن لكم بعد اليوم. بلادكم هي حيث أنتم، لا يفكر أحدكم في العودة ولا يحلم حين يغلق عينيه بوطن حرٍّ مُعافى.

تواصلت في اليوم التالي مع أخت الطبيب الجراح أحمد سعيد الذي عاد مِن ألمانيا لزيارة عائلته، فإذا به مُعتقل في سجون النظام،أسيراً لجنون الجلادين. الاتهامات التي يواجهها تتلخص في تكدير السلم العام وقطع الطريق وتعطيل المرور بمنطقة وسط المدينة. أما عن “تكدير السلم العام” فتعبير مَطاط فِضفاض يعلم ما وراءه الجميع، وأما عن قطع الطريق وتعطيل المرور فقد شهدت الدولة نفسها بأن تلك أمورٌ مُتوَهَّمة، لم تحدث مِن الطبيب ولا مِن غيره في المكان والزمان المقصودين. الجريمة الحقيقية التي ارتكبها أحمد أنه تضامَن مع حفنة شباب وقفوا صامتين على رصيف كوبري قصر النيل في التاسع عشر مِن نوفمبر؛ وما أدراك ما التاسع عشر مِن نوفمبر. إنه ذكرى معارك محمد محمود التي تركت أثراً غائراً على وجه الشرطة المصرية بل ووزارة الداخلية بمختلف قطاعاتها. الذكرى التي يسعى النظام -منذ أن خاب الحراك الثوريّ- إلى طمسها بكل ما أوتي مِن وسائل وبكل ما يملك مِن أدوات، حتى ولو اضطر إلى اتخاذ إجراءات فجَّة يعوزها المنطِق، ولو لطخ وجهه بمزيد مِن الأوحال.

سنتان مِن السجن المُشَدَّد وأيام من الحرق والصعق، وأسابيع من الإضراب عن الطعام، وتجديد للحبس وزنزانة تأديب. وحِرمان من التدفئة ومِن الدواء ومِن ضوء الشمس وحتى مِن الهواء. طالبت نقابة الأطباء بنقل أحمد سريعاً إلى مستشفي السجن بعد تدهور حاله، لكن رغبة المسؤولين في وأد الذكرى ومنع مَن صنعوها مِن الاحتفاظ بها -ولو في عقولهم- تفوق الاعتبارات كلها. محمد محمود كالشوكة المغروسة في قدم السُلطة، تسبب لها عرجاً وتُفقِدها صوابها.

أيام قليلة تمضي وتتصاعد حملة الاعتقالات؛ يغيب شاب وراء الآخر، هناك مَن يؤخذ مِن بيته، ومَن يُختَطَفُ مِن كنيسته، الكلام ممنوع، والوقوف ممنوع،  والكتابة خطرة، أي فعل مُعارِض صار محفوفاً باحتمالات واسعة للردع والتنكيل والتصفية أيضاً.

أعود بذاكرتي إلى المشهد الأول؛ استمر الرجل الضخم في أداء وصلته لدقائق حسبتها في حينها دهراً، كرر خلالها تهديدات القتل للخارجين إحياءً لذكرى الثورة، وأطل مِن عينيه شرر قبل أن يطمئن تماماً إلى أنه أوصل الرسالة، ويخرج من المكان. عرفنا مِن البائع الشاب أن الرجل يحتل مساحة مِن الأرض في الجوار ويصُفُّ فيها بضاعته مِن الخضروات والفاكهة، يسيطر على المنطقة، يتشاجر مع كثيرين، ويقتحم المكان مِن حين إلى آخر بالطريقة ذاتها، ويردد الكلمات والعبارات عينها. قال الكهلُ مُستاءً إنه اضطر إلى الردّ عليه، تضاحكت الفتاتان:  دا ماله ده؟ قلت أنا في صوت خفيض: مواطن شريف.  

تلك هي بعض مشاهد وكوابيس نحملها معنا إلى العام الجديد؛ أصوات تكافح الانكسار تحت وطأة الضربات، وأصوات تناضل للخروج مِن حناجر أصحابها، بينما أخرى عالية فجة، تصمُّ الأذان وتُعجِزُ الألسنة. ربما يمرُّ يناير هذا العام والشبان والشابات مِلء السجون، لكن ألف ألف يناير قادم على الطريق.

اعلان
 
 
بسمة عبد العزيز