Define your generation here. Generation What

على اليسار تقبل جذوره الغربية الراديكالية (2)

كتب المفكر السلوفيني الأصل، سلافوي چيچيك، يوم 16 نوفمبر الماضي، في موقع IN THESE TIMES مقالاً بعنوان “في أعقاب هجمات باريس، على اليسار تقبل جذوره الغربية الراديكالية“، ينتقد فيه اليسار الأوروبي وميله الحالي لتبني نظرة إنسانوية ليبرالية فيما يتعلق باللاجئين العرب والمسلمين، مع إهمال الأبعاد المتعلقة بالصراع الطبقي في الوضع العالمي الآن. المقال الذي ترجمته إلهام عيداروس، وتنشره “مدى مصر” كاملاً على حلقتين، نُشرت الحلقة الأولى يوم الأحد الماضي، وهذه هي الحلقة الثانية. كُتب المقال بالأساس في أعقاب هجمات باريس الإرهابية ولكن يمكن أيضاً قراءته على ضوء الاعتداءات الجنسية الجماعية التي قام بها أناس، يشتبه في كونهم عرباً ومسلمين، في مدينة كولونيا الألمانية.

*****

من أين يأتي التهديد؟

لا يعني الاستماع لمخاوف الناس العاديين بالطبع، بأي حال، أن على المرء قبول أساس موقفهم، أي فكرة أن تهديد نمط حياتهم يأتي من الخارج، من الأجانب أو من “الآخر”. وتتمثل المهمة الأساسية في تعليمهم أن يدركوا مسئوليتهم عن مستقبلهم. ولشرح هذه النقطة، دعونا نأخذ مثالاً من جزء آخر من العالم.

فيلم أودي ألوني الجديد (Junction 48) الذي سيعرض في 2016 يتعامل مع المأزق الصعب لشباب من فلسطينيي إسرائيل (الفلسطينيون المنحدرون من عائلات بقت في اسرائيل بعد 1949). تتضمن حياتهم اليومية نضالاً مستمراً على جبهتين: ضد قمع الدولة الإسرائيلية وأيضاً ضد الضغوط الأصولية من داخل مجتمعهم. الدور الأساسي يلعبه تامر نفار، وهو مغني راب فلسطيني إسرائيلي معروف، يسخر في موسيقاه من تقاليد جرائم الشرف التي تُقتَل بموجبها الفتيات الفلسطينيات على أيدي عائلاتهن الفلسطينية. حدث لنفار موقف غريب أثناء زيارته مؤخراً للولايات المتحدة. في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس، بعد انتهائه من أداء أغنية تعترض على جرائم الشرف، وبخه بعض الطلاب المناهضين للصهيونية لأنه  يروج وجهة النظر الصهيونية عن الفلسطينيين، والتي تصورهم كبدائيين برابرة. وأضافوا أنه لو كانت هناك جرائم شرف فالمسؤول عنها هو إسرائيل، وذلك لأن الاحتلال الإسرائيلي يُبقي الفلسطينيين في ظروف بدائية ورديئة. وها هو رد نفار القوي: “حين تنتقدني فإنك تنتقد مجتمعي باللغة الإنجليزية لتُبهِر أساتذتك الراديكاليين. أما أنا فأغني باللغة العربية لأحمي نساء منطقتي”.

هناك جانب مهم في وضع نفار، وهو أنه لا يحمي فقط الفتيات الفلسطينيات من إرهاب العائلة، وإنما يسمح لهن بالمحاربة من أجل أنفسهن – بأخذ المخاطرة. في نهاية فيلم ألوني، بعد أن تقرر الفتاة الغناء، في حفلة ضد رغبة أهلها، ينتهي الفيلم بإشارة مظلمة لجريمة شرف.  

في فيلم سبايك لي عن مالكوم إكس هناك تفصيلة رائعة: بعد أن يُلقي مالكوم إكس خطبة في إحدى الكليات، تقترب منه طالبة بيضاء وتسأله ماذا يمكنها فعله لمساعدة نضال السود. فيجيبها: “لا شيء”. مغزى إجابته ليس أن البيض لا يجب أن يفعلوا شيئاً، وإنما أن عليهم أولاً القبول بأن تحرر السود يجب أن يكون عمل السود أنفسهم، وليس أمراً يمنحه إياهم الليبراليون البيض الطيبون. انطلاقاً من هذا القبول فقط، يمكنهم فعل شيء لمساعدة السود. وهنا يكمن مغزى ما يفعله نفار: الفلسطينيون ليسوا في حاجة لتفضل الليبراليين الغربيين بمساعدتهم، وبالتأكيد لا يحتاجون للصمت على جرائم الشرف كجزء من احترام اليسار الأوروبي لنمط حياة الفلسطينيين. ففرض القيم الغربية باعتبارها حقوقاً إنسانية عالمية من جانب، واحترام الثقافات المختلفة، بغض النظر عن الفظاعات التي تكون أحياناً جزءاً من هذه الثقافات من جانب آخر، هما وجهان لنفس الخداع الأيديولوجي.

من أجل القضاء حقاً على العداء المرضي للأجانب الذي يسم مناهضة التهديدات الأجنبية في بلادنا،  يجب أن يرفض المرء الافتراض الذي يقوم عليه هذا العداء أصلاً، ألا وهو أن كل جماعة إثنية لديها Nativia  [موطن أصلي يخصها]. في 7 سبتمبر 2015، أجرت سارا بيلين مقابلة في قناة  Fox News مع مقدم برنامج  Fox and Friends  ستيڤ دوشي:

“أحب المهاجرين. لكنني مثل دونالد ترامب، أعتقد أن لدينا الكثير جداً منهم في هذا البلد. أمريكيون مكسيكيون وأمريكيون أسيويون وأمريكيون أصليون.. هؤلاء يغيرون التركيبة الثقافية للولايات المتحدة عما كانت عليها في أيام آبائنا المؤسسين. أعتقد أن علينا الذهاب لبعض هذه المجموعات وسؤالهم بلطف: “هل تمانعون في الذهاب لأوطانكم؟ بعد إذنكم أعيدوا لنا بلادنا.”

“أنت تعرفين أنني أحبك يا سارا” قاطعها دوشي، “وأعتقد أن هذه فكرة جيدة بالنسبة للمكسيكيين. لكن إلى أين يذهب الأمريكيون الأصليون؟ في الحقيقة ليس لديهم مكان آخر يعودون إليه”.

ردت سارا: “حسناً، أعتقد أن عليهم الذهاب لـNativia أو أياً كان المكان الذي أتوا منه. إن الإعلام الليبرالي يتعامل مع الأمريكيين الأصليين وكأنهم آلهة. وكأن لديهم نوعاً ما من الحق الأوتوماتيكي في الوجود في هذا البلد. لكنني أقول إنهم إن لم يتعلموا النزول من على أحصنتهم والحديث باللغة الأمريكية، يجب إرسالهم هم أيضاً لبلادهم”.

للأسف، عرفنا بسرعة أن هذه القصة (التي هي أجمل من أن تكون حقيقية) كانت مزحة صنعتها جريدة  Daily Currant الساخرة ببراعة. لكن كما يقولون: “حتى لو لم تكن حقيقية، فهي مفهومة جيداً”. فبطريقتها الساخرة، أبرزت الخيال الخفي الذي يشكل أساس الرؤية المعادية للمهاجرين: في عالم اليوم الفوضوي المعولم، هناك موطن أصلي ما ينتمي له الناس الذين يزعجوننا. وقد تحققت هذه الرؤية في جنوب أفريقيا، في ظل الأبارتهايد، على هيئة البانتوستانات، وهي أقاليم مخصصة للسكان السود. خَلَق الأفارقة الجنوبيون البيض البانتوستانات، بناء على تصور أن تكون مستقلة، ومن ثم ضمان أن يخسر الأفارقة الجنوبيون السود حقوقهم كمواطنين في باقي مناطق جنوب أفريقيا التي يسيطر عليها البيض. ورغم أن البانتوستانات عُرفت بوصفها المواطن الأصلية للسود من جنوب أفريقيا، فقد جرى توزيع المجموعات السوداء المختلفة على مواطنهم هذه، بطريقة وحشية وتعسفية. شكلت البانتوستانات 13% من أراضي البلاد واختيرت بعناية بحيث لا تحتوي على أي احتياطات هامة من المعادن، أما باقي أراضي البلاد الغنية بالموارد فأصبحت في أيدي السكان البيض. واعتبر قانون المواطنة في مواطن السود لعام 1970 رسمياً أن كافة الأفارقة الجنوبيون السود مواطنون لتلك الأماكن، حتى لو كانوا يعيشون في “جنوب أفريقيا البيضاء” وألغيت مواطنتهم الجنوب أفريقية. من منظور نظام الأبارتهايد. كان هذا الحل مثالياً: حاز البيض معظم الأراضي بينما اعتُبر السود أجانب في بلدهم، وعوملوا كعمال ضيوف يمكن ترحيلهم في أية لحظة إلى “مواطنهم الأصلية”. لا يمكن لأي عين التغاضى عن الطبيعة المصطنعة لهذه العملية برمتها. فقد قيل للجماعات السوداء فجأة إن بعض قطع الأراضي غير الخصبة وغير الجذابة هي “وطنهم الحقيقي”. واليوم، حتى لو نشأت دولة فلسطينية على الضفة الغربية، ألن تكون بالفعل مثل بانتوستان، لا يفيد “استقلاله” الرسمي في شيء، سوى في تحرير الحكومة الإسرائيلية من أية مسئولية عن رفاهية الناس الذين يعيشون هناك؟

لكن علينا أيضاً أن نضيف لهذه الفكرة أن الدفاع عن أنماط الحياة المختلفة، القائم على الإيمان بتعددية الثقافات ومناهضة الاستعمار، زائف هو الآخر. طرق الدفاع هذه تغطي التناقضات داخل كل نمط من تلك الأنماط الخاصة في الحياة، عن طريق تبرير أفعال الوحشية والتحيز الجنسي والعنصرية، باعتبارها تعبيرات عن نمط خاص في الحياة لا حق لنا في مقارنته وقياسه بقيم أجنبية (أو بعبارة أخرى قيم غربية).  ويعتبر خطاب رئيس زيمبابوي روبرت موجابي في الجمعية العامة للأمم المتحدة دفاعا نموذجياً مناهضاً للاستعمار يُستخدم كتبرير للعداء الوحشي ضد المثليين:

احترام حقوق الإنسان والتمسك بها التزام على كافة الدولة، ومنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة. والميثاق لا يمنح أي شخص الحق في الحكم على الآخرين بخصوص تنفيذ هذا الالتزام العالمي. وفي هذا الصدد، نرفض تسييس هذا الموضوع الهام وتطبيق المعايير المزدوجة من أجل تشويه من يتجرأون على التفكير والتصرف بشكل مستقل عن حكام هذا الزمان اللامعين. ونرفض بنفس القدر محاولات تحديد “حقوق جديدة” مناقضة لقيمنا ومعاييرنا وتقاليدنا ومعتقداتنا. نحن لسنا مثليين! التعاون والاحترام فيما بيننا سيعزز قضية حقوق الإنسان حول العالم، أما الصدام والتشويه وازدواج المعايير فلا.

ماذا يمكن أن يعنيه توكيد موجابي الحماسي “لسنا مثليين” بالنسبة لواقع أن هناك بالقطع العديد من المثليين أيضاً في زيمبابوي؟ هذا يعني بالطبع أن يصبح المثليون أقلية مقهورة، أفعالهم مجرمة بشكل مباشر غالباً. لكن يمكن للمرء فهم المنطق الكامن خلف هذا الكلام: يُنظر لحركة المثليين بوصفها نتيجة ثقافية للعولمة، أي أنها واحدة من السبل التي تدمر بها العولمة الأشكال الثقافية والاجتماعية التقليدية، حتى أن مكافحة المثليين تبدو مكافحة للاستعمار.

ألا ينطبق الأمر نفسه على بوكو حرام مثلاً؟ بالنسبة لبعض المسلمين، يبدو تحرر النساء أوضح سمة للأثر الثقافي المدمر للتحديث الرأسمالي. ولهذا، فبوكو حرام، والكلمة تعني حرفياً أن “التعليم الغربي [وخاصة للنساء] حرام”، يمكنها اعتبار نفسها سبيلاً لمناهضة الأثر المدمر للتحديث عن طريق فرض قواعد تراتبية بين الجنسين.

المشكلة كالتالي: لماذا يقوم المسلمون المتطرفون -الذين يتعرضون بلا شك للاستغلال والهيمنة وغيرهما من مظاهر الاستعمار المذلة المدمرة- باستهداف ما يُعتبر (بالنسبة لنا على الأقل) الجزء الأفضل من التراث الغربي: المساواة والحريات الشخصية؟ قد تكون الإجابة الواضحة أن هدفهم مختار بعناية: ما الذي يجعل الغرب الليبرالي غير مُحتمَل لهذه الدرجة هو أنه لا يمارس فقط الاستغلال والهيمنة العنيفة وإنما أنه – مما يزيد الطين بلة – يقدم هذه الحقيقة الوحشية في صورة نقيضها من الحرية والمساواة والديمقراطية.

نجد الصورة العكسية لدفاع موجابي الرجعي عن أنماط الحياة الخاصة فيما يفعله ڤيكتور أوربان رئيس وزراء المجر اليميني. في الثالث من سبتمبر 2015، برر أوربان إغلاق الحدود مع صربيا باعتباره دفاعاً عن أوروبا المسيحية ضد المسلمين الغزاة. أوربان هذا نفسه قال سابقاً في يوليو 2012 إنه يجب بناء نظام اقتصادي جديد في وسط أوروبا: “ودعونا نأمل أن الرب سيساعدنا ولن نضطر لاختراع نوع جديد من النظام السياسي بديل عن الديمقراطية يجب استحداثه من أجل البقاء الاقتصادي… فالتعاون مسألة إجبار وليس نية. ربما تكون هناك دول لا يعمل فيها الأمر بهذه الطريقة كالدول الاسكندنافية، لكن الناس نصف الأسيويين القادمين من هنا وهناك مثلنا لا يمكنهم الاتحاد بدون إجبار”.

السخرية المُرة الماثلة في هذه السطور كانت قائمة أيضاً مع بعض المنشقين المجريين القدامى: فحين تحرك الجيش السوفيتي إلى بودابست لسحق الانتفاضة المناهضة للسوفييت عام 1956 كان القادة المجريون المحاصَرون يرسلون للغرب مراراً رسالة مفادها “إننا ندافع عن أوروبا هنا” (ضد الشيوعيين الأسيويين بالطبع). والآن بعد انهيار الشيوعية، تعتبر الحكومة المسيحية المحافظة أن الديمقراطية الليبرالية الاستهلاكية القائمة على تعدد الثقافات، التي تعبر عنها أوروبا الغربية اليوم، هي العدو الرئيسي، وتدعو إلى نظام أكثر عضوية يستند إلى الجماعة وليس الفرد ليحل محل الديمقراطية الليبرالية “المضطربة” المميزة للعقدين الأخيرين. عبّر أوربان بالفعل عن تعاطفه مع أفكار “الرأسمالية ذات القيم الأسيوية” مثل نظام بوتين في روسيا، ولذلك لو استمر الضغط الأوروبي على أوربان يمكننا تخيله بسهولة يرسل رسائل إلى الشرق مفادها “إننا ندافع عن آسيا هنا!”. (ولإضافة لمحة ساخرة من منظور أوروبي غربي عنصري: ألا ينحدر مجريو اليوم من الهونيين الأوائل الذين كانوا موجودين في العصور الوسطى، حتى أن أتيليا اسم شائع في المجر اليوم!). [الهونيون Huns جماعات من الرحل عاشت في شرق أوروبا والقوقاز وآسيا الوسطى بين القرنين الأول والسابع الميلادي، وأسس أتيلا Attila   الهوني الذي كان من ألد أعداء الإمبراطورية الرومانية إمبراطورية هونية التي انهارت بعد وفاته في 453 م. ويُفترض أن المجريين ينحدرون منهم، وتتضمن كلمات النشيد الوطني المجري إشارة لوالد أتيلا – المترجمة]

هل هناك تناقض بين أوربان هذا وأوربان ذلك: أوربان صديق بوتين الذين يكره الغرب الديمقراطي الليبرالي وأوربان المدافع عن أوروبا المسيحية؟ كلا. وجها أوربان يقدمان الدليل (إن كنا بحاجة لدليل) على أن التهديد الأساسي لأوروبا ليس الهجرة الإسلامية، وإنما الشعبويون المدافعون عن أوروبا والمعادون للمهاجرين.

ولهذا، ماذا لو كان على أوروبا تقبل التناقض المتمثل في أن انفتاحها الديمقراطي قائم على الإقصاء؟ أو بعبارة أخرى، لا “حرية لأعداء الحرية”، كما قالها روبسبيار منذ زمن طويل؟ من الناحية المبدئية هذا صحيح بالطبع، لكن هنا بالتحديد يجب أن يكون المرء محدداً جداً. فبطريقة ما، كان القاتل النرويجي أندريز بريڤيك محقاً في اختياره لأهدافه: لم يهاجم الأجانب وإنما هاجم هؤلاء في مجتمعه الذين كانوا شديدي التسامح مع الأجانب. المشكلة ليست الأجانب، وإنما هويتنا الأوروبية نفسها.

ورغم أن أزمة الاتحاد الأوروبي الجارية تبدو أزمة اقتصاد وماليات، فهي في جوهرها أزمة سياسية أيديولوجية. لقد أوضح فشل الاستفتاءات على دستور الاتحاد الأوروبي منذ عامين بجلاء أن الناخبين يعتبرون الاتحاد الأوروبي اتحاداً اقتصادياً “تكنوقراطياً” يفتقر لأية رؤية يمكنها تعبئة الناس. وقبل صعود آخر موجة من الاحتجاجات من اليونان إلى إسبانيا، كانت الأيديولوجيا الوحيدة القادرة على تعبئة الناس هي الدفاع عن أوروبا في مواجهة اللاجئين.

هناك فكرة منتشرة في دهاليز اليسار الراديكالي المحبط، هي عبارة عن تكرار خافت للولع بالإرهاب في أعقاب حركة 1968: الفكرة المجنونة تقوم على أنه لا يمكن إيقاظ الجماهير سوى بكارثة جذرية (ويُفضل أن تكون كارثة بيئية) ومن ثم نحصل على زخم دافع للتحرر الجذري. النسخة الأحدث من هذه الفكرة ترتبط باللاجئين: فلا يمكن إنعاش اليسار الجذري الأوروبي سوى بتدفق أعداد هائلة جداً من اللاجئين (وإحباطهم بالطبع، لأن أوروبا – كما هو واضح – لن تستطيع تلبية احتياجاتهم).

أجد هذه الطريقة في التفكير فاحشة: بغض النظر عن أن تطوراً كهذا من شأنه إعطاء دفعة قوية للوحشية المناهضة للاجئين، فالجانب المجنون حقاً في هذه الفكرة هو المشروع الهادف لسد العجز في البروليتاريين الجذريين المفتقَدين، عبر استيرادهم من الخارج، بحيث تحدث الثورة عن طريق وكيل ثوري مستورد.  

هذا بالطبع لا يعني بأي حال أن علينا السعادة بالنزوع الإصلاحي الليبرالي. فالعديد من الليبراليين اليساريين (مثل هابرماس) الذين يتحسرون على الانهيار الحالي للاتحاد الأوروبي يبدون وكأنهم يضفون طابعاً مثالياً على ماضيه: الاتحاد الأوروبي “الديمقراطي” الذي يتحسرون على فقدانه، لم يكن موجوداً أبداً. سياسات الاتحاد الاوروبي الحديثة، مثل تلك التي تفرض التقشف على اليونان، مجرد محاولة يائسة لجعل أوروبا ملائمة للرأسمالية العالمية الجديدة. والنقد الليبرالي اليساري المعتاد للاتحاد الأوروبي (أنه معقول ما عدا أن به “عجزاً ديمقراطياً”) ينم عن السذاجة نفسها التي كان يتبناها نقاد الدول الشيوعية السابقة الذين كانوا يدعمونها أساساً ولا يشكون إلا من عدم ديمقراطيتها: في كلتا الحالتين، “العجز الديمقراطي” كان ولا يزال جزءاً أساسياً من البنية العالمية.

لكن في هذه الحالة، أنا أيضاً أكثر تشاؤماً وتشككاً. فحين كنت أجيب مؤخراً على أسئلة قراء Süddeutsche Zeitung (وهي الصحيفة اليومية الأكثر انتشاراً في ألمانيا) عن أزمة اللاجئين، كان السؤال الذي جذب معظم الاهتمام متعلقاً بالديمقراطية بالتحديد، لكن مع انحراف شعبوي يميني: حين قامت أنجيلا ميركل بدعوتها العامة الشهيرة لمئات الآلاف بدخول ألمانيا، ماذا كان سندها الديمقراطي؟ من أعطاها الحق في إحداث هذا التغيير الجذري في حياة الألمان بدون تشاور ديمقراطي؟ ما أقصده هنا بالطبع ليس دعم السياسات المعادية للمهاجرين وإنما توضيح قصور استخدام الديمقراطية لإضفاء المشروعية على هذه الأفعال أو السياسات. نفس الكلام ينطبق على من يدعون لفتح الحدود بشكل جذري: هل يدركون أن مطلبهم (نظراً لأن أنظمتنا الديمقراطية عبارة عن ديمقراطيات في دول “أمم”) يعني إحداث -بل فعلياً فرض- تغيير هائل في الأمر الواقع دون تشاور ديمقراطي مع السكان؟

(بالطبع ستكون إجابتهم أنه يجب إعطاء اللاجئين أيضاً الحق في التصويت، لكن هذا ليس كافياً بالطبع نظراً لأن مثل هذا الإجراء غير ممكن إلا بعد إدماج اللاجئين في النظام السياسي لدولة ما).  تنشأ مشكلة شبيهة مع الدعوات للشفافية في قرارات الاتحاد الأوروبي: ما أخشاه هو أن جعل مفاوضات الاتحاد الأوروبي علنية، سيجعل ممثلي هذه الدول يدعون لتدابير أكثر قسوة ضد اليونان (نظراً لأن معظم الجمهور في العديد من الدول كان ضد تخفيض ديون اليونان).

ما نواجهه هنا مشكلة قديمة: ماذا يحدث للديمقراطية حين تميل الأغلبية للتصويت للقوانين العنصرية والمتحيزة جنسياً؟ لا أخشى استنتاج أنه لا يجب على السياسات التحررية أن تكون مشروطة مسبقاً بالإجراءات الديمقراطية الشكلية لكي تكتسب الشرعية. الناس حقاً في أحيان كثيرة جداً لا يعرفون ما يريدون، أو لا يريدون ما يعرفون، أو ببساطة يريدون أشياء خاطئة. لا يوجد هنا طريق مختصر بسيط.

نحن نعيش بالتأكيد في زمن مثير جداً.

اعلان
 
 
سلافوي چيچيك