Define your generation here. Generation What

لا يتعلق الأمر بجعل الإسلام راديكاليا ولكن بأسلمة الراديكالية

فرنسا في حالة حرب! ربما، ولكن ضد من أو ضد ماذا؟ داعش لا ترسل السوريين لتنفيذ هجمات في فرنسا بقصد إثناء الحكومة الفرنسية عن قصفها. مهما حدث في الشرق الأوسط؛ فإن داعش تشبع حاجتها من مخزون الشباب الفرنسي الراديكالي الساخط أصلًا والساعي لإيجاد قضية أو عنوان أو قصة رائعة ليضعوا عليها توقيعًا دمويًا لثورتهم الشخصية. إن القضاء على داعش لن يغير شيئًا في هذه الثورة.

لقد كان التحاق هؤلاء الشباب بداعش انتهازيًا: لقد كانوا بالأمس مع تنظيم القاعدة، وقبلها (1995) كانوا يعملون بالوكالة مع الجماعة الإسلامية المسلحة الجزائرية أو يمارسون جهادهم الفردي المرتحل من البوسنة إلى أفغانستان عبر الشيشان (مثل “عصابة روبي” Gang de Roubaix)، وغدًا سيقاتلون مع طرف آخر، إلا إذا حضرهم الموت أثناء القتال أو قامت السن، أو خيبة الأمل، بإخلاء صفوفهم، كما كان الحال مع أقصى اليسار في السبعينيات.

لا يوجد جيل ثالث أو رابع أو لاحق من الجهاديين. فنحن نواجه ظاهرة مستقرة جدًا، منذ عام 1996، وهي تطرف فئتين من الشباب الفرنسي وهما “الجيل الثاني” من المسلمين، ومن اعتنقوا الإسلام من “سلالتـ[نا]”.

ليست المشكلة الرئيسية لفرنسا هي الخلافة في الصحراء السورية، والتي ستتبخر في النهاية كالسراب القديم وتصبح كابوسًا، بل هي ثورة الشباب. والسؤال الحقيقي هو معرفة ما يمثله هؤلاء الشباب، هل هم طلائع الحرب المقبلة، أم أنهم -على العكس- فاشلون في فترة صاخبة من التاريخ؟

بضعة آلاف من عدة ملايين

تهيمن اليوم قراءتان على المشهد وتهيكلان المناظرات التليفزيونية أو صفحات الرأي في الصحف، وهما عمومًا: التفسير الثقافي وتفسير العالم الثالث. تُبرز الأولى الحرب المتكررة والملحة بين الحضارات: تبين ثورة الشباب المسلم كيف أن الإسلام لا يمكنه الاندماج، على الأقل ما لم يحذف إصلاحٌ دينيٌ الدعوةَ إلى الجهاد من القرآن. وتشير الثانية باستمرار إلى معاناة ما بعد الاستعمار، وتبني الشباب للقضية الفلسطينية، ورفض التدخل الغربي في الشرق الأوسط وإقصائهم من المجتمع الفرنسي العنصري وكاره الإسلام. وباختصار تلك الفكرة المهيمنة القديمة: سنعرف التمرد ما لم يُحل النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني.

ولكن كل التفسيرات تصطدم بالمشكلة نفسها: إذا كانت أسباب التطرف هيكلية، فلماذا لا تؤثر إلا في مجرد هامش صغير وضيق جدًا من أولئك الذين يدعون بأنهم مسلمون في فرنسا؟ هم بضعة آلاف من ملايين عدة.

لأن هؤلاء المتطرفين الشباب معروفون. جميع الإرهابيين الذين كان لهم نشاط إرهابي كانت لهم بطاقة أس (“Fiche S”) الشهيرة. أنا لا أتطرق هنا إلى مسألة الوقاية، بل ألاحظ فقط أن المعلومات موجودة ويمكن الوصول إليها. فلننظر في من هم ونحاول استخلاص النتائج.

أسلمة الراديكالية

ينتمي كل الجهاديين الفرنسيين تقريبًا إلى فئتين محددتين جدًا: فهما إما من “الجيل الثاني”، من ولدوا أو جاءوا إلى فرنسا في سن الطفولة أو من اعتنقوا الإسلام (الذين يزداد عددهم مع الوقت، ولكن يشكلون أصلًا 25٪ من الراديكاليين في أواخر التسعينيات). وهذا يعني أن هناك القليل من بين المتطرفين ممن ينتمون إلى “الجيل الأول” (حتى من المهاجرين الجدد)، ولكن لا أحد من “الجيل الثالث”. غير أن هذه الفئة الأخيرة موجودة وتنمو: المهاجرون المغاربة من السبعينيات هم اليوم أجداد ولا نجد لهم أحفادًا بين الإرهابيين. فما الذي يدفع فجأة معتنقي الإسلام، وهم لم يعانوا العنصرية أبدًا، للانتقام من الإهانة التي يتعرض لها المسلمون؟ لا سيما أن العديد من معتنقي الإسلام هم من الريف الفرنسي، على غرار ماكسيم هوشارMaxime Hauchard ، ولديهم القليل من الأسباب الوجيهة للتماهي مع جالية مسلمة، لا وجود لها إلا افتراضيًا بالنسبة لهم. باختصار، هذه ليست “ثورة الإسلام” أو “المسلمين”، ولكنها مشكلة محددة تتعلق بفئتين من الشباب منشأهم الهجرة أساسًا، ولكن أيضًا من “سلالة” فرنسية. فالأمر لا يتعلق بالراديكالية في الإسلام ولكن بأسلمة الراديكالية.

ما القاسم المشترك بين أبناء “الجيل الثاني” ومعتنقي الإسلام؟ الأمر متعلق بثورة الأجيال: كلاهما قام بالقطيعة مع والديه، أو بعبارة أدق مع ما يمثله أولياؤهم، ثقافيًا ودينيًا. كما أن أبناء “الجيل الثاني” لا يتمسكون أبدًا بإسلام آبائهم، فهم لا يمثلون تقاليد يثورون من أجلها ضد التغريب. هم غربيون، يتكلمون الفرنسية أفضل من والديهم، وتشاركوا جميعًا ثقافة “الشباب” لجيلهم، وشربوا الكحول، ودخنوا الحشيش وواعدوا الفتيات في النوادي الليلية. لقد قضى الكثير منهم فترة في السجن، ثم وفي صباح أحد الأيام، قرروا اعتناق الإسلام مجددًا عن طريق اختيار الإسلام السلفي، ذلك الذي يرفض مفهوم الثقافة والذي يسمح لهم بإعادة بناء أنفسهم بأنفسهم، لأنهم لا يريدون ثقافة آبائهم أو الثقافة “الغربية”، اللتين أصبحتا ترمزان لكراهية الذات.

إن مفتاح الثورة في المقام الأول هو عدم الدعوة إلى دين مدرج ثقافيًا، وهي مشكلة لا تنطبق لا على أبناء “الجيل الأول”، ممن نقلوا الإسلام الثقافي لبلد المنشأ ولكنهم فشلوا في نشره، ولا على أبناء “الجيل الثالث” الذين يتحدثون الفرنسية مع آبائهم، ومن خلالهم تآلفوا مع وسائل التعبير عن الإسلام في المجتمع الفرنسي، وهو ما يمكن قوله رغم أنه يبدو متناقضًا. فوجود الأتراك بعدد أقل بكثير من المغاربيين في الحركات الراديكالية يعني، من دون شك، أن الانتقال بالنسبة للأتراك، قد جرى على أحسن وجه؛ لأن الدولة التركية أخذت على عاتقها مسؤولية الدعوة من خلال إرسال المدرسين والأئمة (مما يسبب مشكلات أخرى، ولكن يسمح بتفادي اتباع السلفية والعنف).

شباب ينتهك الحظر

يلتزم الشباب المعتنق للإسلام بالدين “الصرف”، ولا تهمه مسألة التوافق الثقافي (لا علاقة لهذا بالأجيال السابقة الذين اعتنقوا التصوف)، فهم يلتحقون هنا بالجيل الثاني في اعتناقهم لإسلام الفجوة بين الأجيال، والقطيعة مع الثقافة والقطيعة مع السياسة في نهاية المطاف. وباختصار، لا جدوى من تقديم “إسلام معتدل” لهم؛ حيث إن التطرف هو الذي يجذبهم بصفة آلية. فالسلفية ليست فقط مسألة وعظ، بتمويل من المملكة العربية السعودية، بل إنها المنتج المناسب لشباب ينتهك الحظر.

وبناءً على هذا، وهذا هو الفارق الكبير مع قضية الشباب الفلسطينيين الذين ينخرطون في أشكال مختلفة من الانتفاضة؛ فإن الآباء المسلمين للمتطرفين الفرنسيين لا يفهمون ثورة أبنائهم. وهم يحاولون على نحو متزايد، مثل أولياء معتنقي الإسلام، منع تطرف أطفالهم من خلال إخبار الشرطة، والذهاب إلى تركيا في محاولة لاستعادتهم؛ لأنهم يخشون -عن حق- أن يقوم الإخوة الكبار، الذين أصبحوا متطرفين، باستقطاب الأصغر سنًا. باختصار، وبعيدًا عن كونهم رمزًا لتطرف الجماعات المسلمة، فالجهاديون يعمّقون الفجوة بين الأجيال، أي بين الأسرة بكل بساطة.

إضافة إلى القطيعة مع عائلاتهم، يجد الجهاديون أنفسهم أيضًا على هامش المجتمعات الإسلامية: فليس لديهم تقريبًا أي ماض من التقوى وممارسة الشعائر الدينية، بل على العكس من ذلك. ومقالات الصحفيين بعد كل هجوم تتشابه إلى حد مدهش: سنحقّق مع المقربين للقتلة والمحيطين بهم، وتجد الجميع في كل مكان تحت “تأثير المفاجأة”: “نحن لا نفهم شيئًا، لقد كان رجلًا لطيفًا (أو “منحرفًا صغيرًا بسيطًا”)، ولم يكن يمارس شعائره الدينية، وكان يشرب الخمر، ويدخن الحشيش، ويواعد الفتيات… أي نعم، صحيح، لقد تغير بصفة غريبة منذ بضعة أشهر؛ حيث أطلق لحيته وبدأ يغمرنا بالحديث عن الدين”. أما بالنسبة للرواية النسائية فانظر لسيل المقالات حول حسناء أيت بوالحسن،” ملكة جمال الجهاد الطائشة”.

لا تجدي هنا الإشارة إلى التقية أو التخفي، فبعد ولادتهم من جديد، لا يختفي هؤلاء الشباب، بل يستعرضون قناعتهم الجديدة على “الفيسبوك”؛ حيث يعرضون الأنا الأعلى الجديدة الخاصة بهم، ورغبتهم في الثأر لإحساسهم الدفين بالإحباط، واستمتاعهم بالسلطة المطلقة الجديدة التي منحها لهم استعدادهم للقتل وانبهارهم بموتهم. العنف الذي ينتهجونه عنف حديث، إذ إنهم يقتلون -كما يفعل القتلة- بالجملة في أمريكا أو بريفيك في النرويج، ببرودة وبهدوء؛ حيث ترتبط العدمية والنخوة بعمق هنا.

هذه الفردية المتعصبة تنعكس في عزلتهم عن المجتمعات الإسلامية؛ حيث يرتاد قليل منهم فقط المساجد، وغالبًا ما يكون أئمتهم المحتملون قد نصبوا أنفسهم بأنفسهم. وتطرفهم يدور حول بطل وهمي والعنف والموت، لا الشريعة أو الطوباوية. ففي سوريا لا يفعلون شيئًا سوى الحرب، ولا أحد منهم يندمج أو يهتم بالمجتمع المدني. وإذا كانوا ينتدبون لأنفسهم عبيد جنس أو يوظفون الشابات على شبكة الإنترنت ليكنّ زوجات شهداء المستقبل؛ فإن هذا يرجع لعدم اندماجهم الاجتماعي في المجتمعات الإسلامية التي يدعون الدفاع عنها. إنهم عدميون أكثر من كونهم طوباويين.

لا أحد يهتم باللاهوت

بينما مر البعض بالتبليغ (جماعة مسلمة للوعظ الأصولي)، لم يتردد أي منهم على جماعة الإخوان المسلمين (اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا)، ولم ينشط أحد في حركة سياسية، بدءًا من الحركات المؤيدة للفلسطينيين. كما لم تكن لأحدهم نشاطات “مجتمعية” مثل تقديم وجبات الإفطار في رمضان والوعظ في المساجد أو في الشارع مباشرة، كما لم يدرس أي منهم الدين بصفة جدية. لا أحد يهتم باللاهوت أو حتى طبيعة الجهاد أو طبيعة الدولة الإسلامية.

يحدث تطرفهم حول مجموعة صغيرة من “الأصدقاء” الذين التقوا في مكان معين (في الحي أو السجن المحلي أو نادي الرياضة) وأعادوا تكوين “عائلة” وأخوية. هناك مخطط مهم لم يدرسه أحد من قبل: تكون الأخوية في كثير من الأحيان عضوية، فعادة ما يكون هناك زوج من “الإخوة” الذين يمران إلى مرحلة التحرك معًا  (الأخوان كواشي وعبد السلام وعبد الحميد عبود الذي “خطف” أخاه الصغير، والأخوان كلين اللذان اعتنقا الإسلام معًا، ناهيك عن الإخوة تسارناييف، مرتكبي الهجوم الذي وقع في بوسطن في أبريل 2013). كما لو كان تطرف الإخوة (بما في ذلك الأخوات) وسيلة للتأكيد على الفجوة بين الأجيال والقطيعة مع الآباء. وتحاول الخلية خلق روابط عاطفية بين أعضائها، إذ غالبًا ما يتزوج أحدهم أخت رفيقه في السلاح. لا تشبه الخلايا الجهادية تلك الحركات الراديكالية ذات المرجعية الماركسية أو القومية (جبهة التحرير الوطني الجزائرية، IRA  أو ETA) وبما أنها قائمة على أساس العلاقات الشخصية، فهي أكثر مناعة ضد الاختراق.

الإرهابيون ليسوا بالتالي تعبيرًا عن تطرف الشعوب المسلمة، وإنما يعكسون ثورة الأجيال التي تمس فئة معينة من الشباب.

لماذا الإسلام؟ الأمر واضح بالنسبة للجيل الثاني: فهم يتخذون هوية خاصة بهم يعتقدون أن آباءهم بالغوا فيها: فهم “أكثر إسلامًا من المسلمين”، وبخاصة أبائهم. فالطاقة التي يبذلونها (عبثًا) ليعتنق آباؤهم الإسلام من جديد كبيرة، ولكنها تبين إلى أي مدى يعيشون على كوكب آخر (جميع الآباء لديهم قصص يروونها حول هذه الحوارات). أما بالنسبة لمعتنقي الإسلام فقد اختاروه؛ لأنه الوحيد المتوفر في سوق الثورة الراديكالية. من المؤكد أن الالتحاق بداعش يضمن الإرهاب

 

اعلان
 
 
آوليفييه روي