Define your generation here. Generation What
قوانين لن يُراجعها البرلمان
 
 

أصبحت التشريعات التي سيُراجعها مجلس النواب في الأسبوعين المقبلين هي الهم الأول لوسائل الإعلام والمراقبين، عقب موجة عارمة من التعليقات التي انتقدت أداء البرلمان في جلسته الافتتاحية يوم الأحد، وبعد القرار الذي اتخذه أعضاء البرلمان بعدم إذاعة جلساته على الهواء. وتنص المادة 156 من الدستور على أنه “إذا كان مجلس النواب غير قائم، يجوز لرئيس الجمهورية إصدار قرارات بقوانين، على أن يتم عرضها ومناقشتها والموافقة عليها خلال خمسة عشر يوما من انعقاد المجلس الجديد، فإذا لم تعرض وتناقش أو إذا عرضت ولم يقرها المجلس، زال بأثر رجعى ما كان لها من قوة القانون”، وهو ما ينطبق على 340 قانونًا أصدرها الرئيسان السابق عدلي منصور؛ والحالي عبد الفتاح السيسي منذ إقرار الدستور، في 18 يناير 2014، وحتى انعقاد المجلس.

ولكن قبل مُناقشة هذه القوانين؛ خاصة أن معظمها كان مثيرًا للجدل، سنتناول عددًا آخر من القوانين، قد تكون أكثر إثارة للجدل من قوانين ما بعد إقرار الدستور، وهي القوانين التي أصدرها منصور قبل ذلك التاريخ، مستندًا لانفراده بصفة أصلية بسلطة التشريع التي منحها له الإعلان الدستوري الصادر في 8 يوليو 2013، وبناء عليه لا يُصبح البرلمان ملزمًا بمراجعتها، وإن كان له سلطة مراجعة وتعديل أيٍ منها، سواء خلال الخمسة عشر يومًا الأولى لانعقاده أو بعدها، وهي حوالي 50 قانونًا.

من أهم هذه القوانين وأكثرها إثارة للجدل هو قانون التظاهر رقم 107 لعام 2013 الذي أصدره منصور في نوفمبر 2013، والذي انتقده الكثيرون للقيود الكبيرة التي فرضها للتقييد من الحق في التظاهر والتجمع السلمي، إذ يُلزم القانون منظمي المظاهرة بإخطار  الجهات الأمنية بمكان وموعد المظاهرة، ويتم فرض غرامات -وفي كثير من الأحيان عقوبات بالحبس- ضد كل من لا يقدم الإخطارات. كما أجاز القانون التوسع في استخدام القوة من قِبل الأمن لفض المظاهرات كما أعطى للأمن الحق في إلغاء المظاهرات وفض التجمعات السلمية. يقول مراقبون إنه تم التوسع في استخدام القانون للتنكيل بالآلاف من الشباب والمعارضين السياسيين، كما أنه فرض قيودًا صارمة على المظاهرات والاعتصامات العمالية أيضا.

ويُعد تعديل بعض أحكام قانون الإجراءات الجنائية 83 لعام 2013 في سبتمبر 2013، الذي يقضي بعدم التقيد بالمدد القانونية اللازمة للحبس الاحتياطي للمحكوم عليهم في أول درجة بالإعدام والمؤبد، أحد أهم القوانين التي قد لا يراجعها مجلس النواب في الفترة المقبلة. وكان قانون الاجراءات الجنائية قد وضع حدًا أقصى للحبس الاحتياطي للجرائم التي تصل عقوبتها للمؤبد والاعدام يصل إلى عامين، إلا أن تعديل منصور للفقرة الأخيرة من المادة 143 قضى بتحرير محكمتي النقض والجنايات من القيود القانونية المُرتبطة بمدد الحبس الاحتياطي وجعل تمديد الحبس الاحتياطي للمتهمين في كثير من قضايا العنف والإرهاب؛ التي تطال آلاف المواطنين أمرًا مباحًا. وانتقد كثيرون هذا التعديل لما يحمله من انتقاص من حقوق المتهم الذي يقضي مددًا طويلة في الحبس الاحتياطي. واعتبر العديد من الحقوقيين أن التعديل جعل من الحبس الاحتياطي عقوبة في حد ذاتها؛ إذ تم استخدامه للتنكيل بالكثير من المعارضين السياسيين الذي تجاوزت مدد الحبس الاحتياطي لهم سنتين في كثير من الأحيان، بينما شارف آخرون على تجاوزها.

وفي هذا الصدد، يقول عضو مجلس النواب هيثم الحريري إنه سواء كان المجلس مُلزمًا بمراجعة مثل هذه القوانين في الأسبوعين المقبلين أم لا، فإن قانون التظاهر بالتحديد لن يتم تعديله بالشكل المطلوب أو الغاؤه، ويُضيف موضحًا: “التشكيل الحالي للمجلس وانحيازاته توحي بأنه لا توجد رغبة حقيقية في تغيير قانون التظاهر أو أي من القوانين الأخرى المُقيدة للحريات؛ التي صدرت في الفترة الماضية، فأغلبية المجلس الحالي وانحيازاتها تشير لذلك بقوة ووضوح. لم يتغير الوضع ولا أتوقع أي تغيير”.

ويضيف الحريري أنه سيتقدم بطلب للمجلس لتعديل قانون التظاهر على أي حال لاحقا، مُعتمدًا في ذلك على توصيات سابقة ومتكررة من المجلس القومي لحقوق الانسان بضرورة تعديل هذا القانون، ويقول: “القانون أثار استياء الجميع، كما أنه لا ينظم حرية التظاهر ولكنه يقيدها ويلغيها تماما بالإضافة لعدم دستوريته. الامتناع عن تعديل القانون وغياب الإرادة السياسية لذلك ينفي أي محاولة لفتح أي صفحة جديدة مع الشباب ويجعل كل مطالبات احتوائهم عديمة الفائدة والمضمون”.

وفي حالة إخفاقه في الدفع بتعديل القانون، يقول الحريري إن المعركة إذن ستكون أيضًا معركة الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والمواطنين أنفسهم لتعديل هذا القانون والقوانين الأخرى المشابهة، “سنحاول أن نفعل كل ما بوسعنا في ضوء ما تتيحه لنا لائحة مجلس النواب”.

وأصدر منصور أيضا قرارا بتعديل بعض أحكام قانون المناقصات والمزايدات والذي يسمح في الحالات العاجلة أن يتم التعاقد بالاتفاق المباشر بناء على ترخيص من الوزير أو المسئول المختص. ونص التعديل على: “يجوز في الحالات العاجلة التي لا تحتمل اتباع اجراءات المناقصة أو الممارسة بجميع أنواعها، أن يتم التعاقد بطريق الاتفاق المباشر بناءً علي ترخيص من رئيس الهيئة أو رئيس المصلحة ومن له سلطاته في الجهات الأخري وذلك فيما لا تتجاوز قيمته 500 ألف جنيه بالنسبة لشراء المنقولات أو تلقي الخدمات أو الدراسات الاستشارية أو الأعمال الفنية أو مقاولات النقل، ومليون جنيه بالنسبة لمقاولات الأعمال، بالإضافة إلي الوزير المختص ومن له سلطاته أو المحافظ فيما لا تجاوز قيمته 5 ملايين جنيه بالنسبة لشراء المنقولات أو تلقي الخدمات أو الدراسات الاستشارية أو الأعمال النفنية أو مقاولات النقل و10 ملايين جنيه بالنسبة لمقاولات الأعمال”.

كما نص قرار بقانون آخر يجيز التصالح في النزاعات الضريبية القائمة بين مصلحة الضرائب والممولين على إمكانية تشكيل لجان تصالح مكونة من القضاة بمصلحة الضرائب. وتكون هذه اللجان منوطة بإجراء عمليات التصالح بين المصلحة وبين الممولين الذين قدموا طعونا على قرارات إلزامهم بدفع مبالغ ضريبية مُحددة أو هؤلاء المتهمين بالتهرب الضريبي.

وفي القانونين السابقين تحديدا يقول المحامي بالمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية؛ “محمد عادل” لمدى مصر إن هذه التشريعات صُممت لحماية عقود بيع وخصخصة أبطلها القضاء الإداري في أحكام سابقة، حيث أكد أن معظم أسباب بطلان عقود بيع الشركات الكبرى مثل عمر أفندي وغزل شبين أنها تمت بالأمر المباشر بدون عمل مزادات علنية. ويضيف: “كانت هذه التشريعات التي توسع منصور، في سابقة هي الأولى من نوعها، في إصدارها هي تدخل من السلطة التنفيذية لعمليات بيع غير قانونية أبرمتها السلطة التنفيذية السابقة وهو ما يمثل التفافًا واضحًا على القانون”.

ويرى “عادل” خطورة كبيرة في عدم مراجعة هذه القوانين واصفًا إياها بأنها تفتح الباب واسعًا أمام الفساد الإداري والحكومي، “وأنها لا تكتفي بفتح الباب للفساد، بل تحصن الفساد السابق”.

كما أصدر منصور أيضًا قرارًا بقانون في آب (أغسطس) 2015 لتعديل بعض أحكام قانون العقوبات لإلغاء الحبس في تهمة إهانة الرئيس، وتخفيض الغرامة ضد الصحفيين في ذات الجريمة إلى عشرة آلاف جنيه.

وأصدر منصور قانون حظر تعارض مصالح المسؤولين بالدولة رقم 106 لسنة 2013، والذي وضع تعريفًا للأشخاص الخاضعين للقانون ومفهوم تعارض المصالح: وهو كل ما يمثل تعارضًا ماديًا بين مصلحة شخصية للمسؤول الحكومي وما يتطلبه منصبه من مراعاة للمصلحة العامة والنزاهة والشفافية اللازمين، كما أقر القانون تشكيل لجنة الوقاية من الفساد المنوط بها تنفيذ القيود التي فرضها القانون ومراقبة تطبيقه.

أصدر منصور أيضا قرارًا جمهوريًا رقم 79 لسنة 2013، بإلغاء قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 135 لسنة 2010، مع استمرار العمل بقانون التأمين الاجتماعي المطبق حاليًا، بعد إضافة مادة جديدة إليه تتضمن زيادة المعاشات المُستحقة للعاملين للغير سواء في الحكومة أو القطاع الخاص طبقا لقواعد معينة.

وأجرى منصور تعديلًا كذلك على بعض أحكام قانون تنظيم الصحافة المُتعلقة بتشكيل المجلس الأعلى للصحافة والذي تضمن أيضًا نقل جميع الصلاحيات التي كان يمارسها مجلس الشورى؛ والتي تتعلق بشؤون الصحافة والمؤسسات الصحفية والعاملين بها إلى المجلس الأعلى للصحافة.

وأخيرا أصدر منصور قرارًا بقانون رقم 106 لسنة 2013 لتعديل بعض أحكام قانون المرور والذي يقضي بمنع ترخيص سيارات الأجرة التي مضى على صنعها عشرون عاما.

في سياق متصل، أصدرت مجموعة من المنظمات الحقوقية بيانا بأهم تسعة ملفات يُفترض أن تُهيمن على أجندة مجلس النواب في الفترة المقبلة؛ أهمها احترام الدستور ومراجعة كافة القوانين التي تم تمريرها في الفترة السابقة والنظر في مدى مطابقتها للدستور، والنظر في مُعالجة أزمة مكافحة الإرهاب بشكل عام، بالإضافة إلى توصيات مُتعلقة بضمان استقلال القضاء، وتطبيق العدالة الانتقالية، وتفعيل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية المنصوص عليها في الدستور، وتعزيز مواد الدستور فيما يخص المساواة وحقوق النساء والأطفال، وضرورة انضمام مصر لبعض الاتفاقيات الدولية المُتعلقة بحقوق الانسان، وأخيرًا، ضمان استقلال الاعلام ووقف خطاب الكراهية والتحريض.

ويُضيف البيان: “تدعو المنظمات الموقعة أدناه البرلمان لأن ينظر بعناية فيما شهدته مصر –خلال الأعوام الخمسة الماضية– من تشريعات تفتقر للحدود الدنيا من احترام حريات الأفراد وحقوقهم، فضلًا عن تناقضها مع أحكام الدستور، وتشدد على أنه لا سبيل لاستعادة الاستقرار بمعزل عن التفاهم المشترك والحوار البنّاء بين جميع الفاعلين المدنيين والسياسيين السلميين، بما في ذلك المنظمات الحقوقية والبرلمان”.

اعلان
 
 
مي شمس الدين