Define your generation here. Generation What

على اليسار تقبل جذوره الغربية الراديكالية

كتب المفكر السلوفيني الأصل، سلافوي چيچيك، يوم 16 نوفمبر الماضي، في موقع IN THESE TIMES مقالاً بعنوان “في أعقاب هجمات باريس، على اليسار تقبل جذوره الغربية الراديكالية“، ينتقد فيه اليسار الأوروبي وميله الحالي لتبني نظرة إنسانوية ليبرالية فيما يتعلق باللاجئين العرب والمسلمين، مع إهمال الأبعاد المتعلقة بالصراع الطبقي في الوضع العالمي الآن. المقال الذي ترجمته إلهام عيداروس، وينشره “مدى مصر” كاملاً على حلقتين،  هذه هي الأولى، وهنا الحلقة الثانية. كُتب  المقال بالأساس في أعقاب هجمات باريس الإرهابية ولكن يمكن أيضاً قراءته على ضوء الاعتداءات الجنسية الجماعية التي قام بها أناس، يشتبه في كونهم عرباً ومسلمين، في مدينة كولونيا الألمانية. نقدم هنا الجزء الأول من المقال.

***

في النصف الأول من 2015، كانت أوروبا مشغولة بالحركات التحررية الراديكالية (سيريزا وبوديموس)، أما في النصف الثاني فانتقل الاهتمام إلى موضوع “إنساني”، وهو اللاجئون. أصبح الصراع الطبقي مكبوتاً بالمعنى الحرفي للكلمة، وحل محله موضوع التسامح والتضامن الليبرالي-الثقافي. لكن مع هجمات باريس الإرهابية يوم الجمعة 13 نوفمبر الماضي، جرت التغطية على الموضوع نفسه (الذي يحيلنا في كل الأحوال لقضايا اجتماعية واقتصادية كبرى) عبر الرفض الأحمق لكل القوى الديمقراطية المُحاصَرة في الحرب الشعواء مع قوى الإرهاب.

من السهل تخيل ما سيحدث بعد ذلك: بحث مهووس عن عملاء داعش بين اللاجئين. (بدأت وسائل الإعلام تكتب بحماس بالفعل عن أن اثنين من الإرهابيين دخلا أوروبا من اليونان كلاجئين). وفيما وراء الابتذالات المعتادة على طريقة “أنا باريس”،  سيكون اللاجئون أكثر المتضررين من هجمات باريس الإرهابية، أما الفائزون الحقيقيون فسيكونون ببساطة أنصار الحرب الشاملة على الجانبين. هكذا علينا إدانة هجمات باريس القاتلة: لا نكتفي بالانخراط في إظهار التضامن ضد الإرهاب، وإنما الإصرار أيضاً على سؤال “من المستفيد”.

ليس مطلوباً أن نصل لتفهم أعمق لإرهابيي داعش، بمعنى أن نقول إن “أفعالهم الكريهة هي رغم كل شيء رد فعل على التدخلات الأوروبية الوحشية”، بل يجب أن يوصفوا بما هم عليه: المقابل الإسلامي الفاشي للعنصريين الأوروبيين المناهضين للاجئين – فالاثنان وجهان لنفس العملة. دعونا نعيد الصراع الطبقي للصورة – والسبيل الوحيد للقيام بهذا هو الإصرار على التضامن العالمي بين المُستغَلين.

إن المأزق الذي وجدت الرأسمالية العالمية نفسها فيه يتجلى أكثر فأكثر. فكيف يمكن الفكاك منه إذن؟ اقترح فردريك چامسون مؤخراً العسكرة العالمية للمجتمعات كسبيل للتحرر:  الحركات القاعدية ذات الدوافع الديمقراطية تبدو محكوماً عليها بالفشل، ومن ثم قد يكون الأفضل كسر دائرة الرأسمالية العالمية المفرغة عن طريق “العسكرة”، وهو ما يعني إيقاف قوة الأنظمة الاقتصادية ذاتية التنظيم. وقد تمثل أزمة اللاجئين الحالية في أوروبا فرصة لاختبار هذا الخيار.

من الواضح أن ما نحتاجه على الأقل لإيقاف الفوضى هو التنسيق والتنظيم واسع النطاق، والذي يتضمن على سبيل المثال لا الحصر: مراكز استقبال بالقرب من الأزمة (تركيا – لبنان – الساحل الليبي)، ونقل من يُسمح لهم بالدخول للمحطات الأوروبية وإعادة توزيعهم على أماكن التوطين الممكنة. العسكر هم الوحيدون الذين يمكنهم القيام بمثل هذه المهمة الكبيرة بطريقة منظمة. وطرح أن دور العسكر هذا تفوح منه رائحة الطوارئ مجرد إطناب. فحين يكون لديك عشرات الآلاف من الناس يمرون بمناطق كثيفة السكان بدون تنظيم فأنت في حالة طوارئ، وأجزاء من أوروبا في حالة طوارئ بالفعل الآن. ومن ثم، فمن الجنون أن نفكر أن هذه العملية يمكن أن تترك لتُحل من نفسها. فعلى أقل تقدير، يحتاج اللاجئون لمؤن ورعاية طبية.

الاهتمام بأزمة اللاجئين يعني التخلص من التابوهات اليسارية.

على سبيل المثال، الحق في “حرية الحركة” يجب أن يُقيّد، على الأقل لأنها غير متوفرة بين اللاجئين الذين تتوقف حرية حركتهم بالفعل على طبقتهم. وبالتالي فمعايير القبول والتوطين يجب أن تصاغ بطريقة واضحة وصريحة – من الذي يُقبل؟ وكم؟ وأين يعاد تسكينه؟ إلخ. والشطارة هنا هي إيجاد الحل الوسط بين اتباع رغبات اللاجئين (مع الأخذ في الاعتبار رغبتهم في الذهاب للبلاد التي لديهم أقارب فيها مثلاً) وإمكانيات الدول المختلفة.

هناك تابو آخر علينا تناوله يتعلق بالمعايير والقواعد. الواقع أن معظم اللاجئين يأتون من ثقافات غير متوافقة مع المفاهيم الأوروبية الغربية عن حقوق الإنسان. ومن الواضح أن التسامح (الاحترام المتبادل لحساسيات كل طرف) ليس حلاً فعالاً: يستحيل على المسلمين الأصوليين تحمل صورنا المُجدفة ومزاحنا المستهتر الذي نعتبره جزءاً من حرياتنا. وبالمثل يستحيل على الليبراليين الغربيين تحمل العديد من ممارسات الثقافة الإسلامية.

باختصار، تتفجر الأمور حين يعتبر أبناء جماعة دينية معينة أن طريقة حياة جماعة أخرى نفسها كافرة أو مؤذية بغض النظر عن كونها تشكل هجوماً مباشراً على دينهم أو لا. هذا هو حال المتطرفين المسلمين الذين يهاجمون المثليين والمثليات في هولندا وألمانيا، وهذا هو حال المواطنين الفرنسيين التقليديين الذين يعتبرون أن سيدة مغطاة بنقاب هي في ذاتها اعتداء على هويتهم الفرنسية، وهو بالضبط ما يجعلهم يعتبرون الصمت مستحيلاً حين يرون امرأة مغطاة في محيطهم.

لمواجهة هذا الميل، على المرء القيام بشيئين. أولاً: صياغة مجموعة معايير تمثل الحد الأدنى الإلزامي على الجميع، وتتضمن الحرية الدينية وحماية الحرية الفردية من ضغوط الجماعة وحقوق النساء، إلخ – دون الخوف من أن تظهر تلك المعايير أوروبية المنشأ والتوجه. ثانياً: الإصرار بلا قيد أو شرط، في إطار هذه الحدود، على التسامح مع الأنماط المختلفة في الحياة. ولو كانت المعايير والتواصل غير فعالة، يجب إنفاذ قوة القانون بكل أشكالها.

وتابو آخر يجب تجاوزه أيضاً، ويتمثل في المساواة بين أية إشارة للتراث التحرري الأوروبي وبين العنصرية والإمبريالية الثقافية. فبالرغم من المسئولية (الجزئية) لأوروبا عن الوضع الذي يهرب منه اللاجئون، حان الوقت للتخلي عن التعاويذ اليسارية التي تنتقد المركزية الأوروبية.

تتمثل دروس عالم ما بعد 11 سبتمبر في انتهاء حلم فرانسيس فوكوياما بديمقراطية ليبرالية عالمية و-على مستوى الاقتصاد الدولي- في انتصار رأسمالية الشركات في العالم كله. في الحقيقة، فإن دول العالم الثالث التي تتبنى هذا النظام العالمي هي التي تنمو بمعدل مذهل. قناع التنوع الثقافي مستمر بموجب العالمية الفعلية لرأس المال العالمي، بل وسيكون أفضل لو اعتمد الملحق السياسي للرأسمالية العالمية على ما يسمى بـ“القيم الأسيوية”.

لا مشكلة لدى الرأسمالية العالمية في التكيف مع تعددية التقاليد والثقافات والأديان المحلية. ومن ثم، فمأزق مناهضة المركزية الأوروبية هو أنها -نيابة عن مناهضة الرأسمالية- تعني أن ينتقد المرء الغرب في نفس اللحظة التاريخية التي لا تحتاج فيها الرأسمالية العالمية للقيم الثقافية الأوروبية لتعمل بسلاسة. باختصار، يميل المرء لرفض القيم الثقافية الغربية في الوقت نفسه الذي يمكن أن تقوم فيه الكثير من تلك القيم (في حالة فهمها بشكل نقدي) بدور السلاح ضد العولمة الرأسمالية، مثل قيم المساواة والحقوق الأساسية وحرية الصحافة ودولة الرفاه، إلخ. هل نسينا حقاً أن فكرة التحرر الشيوعي برمتها كما تخيلها ماركس هي فكرة مركزية أوروبية تماماً؟

التابو الآخر الذي يستحق أن نهجره هو أن أي نقد لليمين الإسلامي هو نموذج من “الإسلاموفوبيا” أو رُهاب الإسلام. يكفى هذا الخوف المرضي لدى الكثير من اليساريين الليبراليين الغربيين من وصمهم بالإسلاموفوبيا. فعلى سبيل المثال، نُدد بسلمان رشدي لأنه استفز المسلمين بدون داعي، ومن ثم يُعتبَر (جزئياً على الأقل) مسئولاً عن الفتوى التي حكمت عليه بالقتل. وهذا الموقف يؤدي لما يمكن للمرء أن يتوقعه في مثل هذه الحالات: كلما انغمس اليساريون الليبراليون الغربيون في الشعور بالذنب، كلما اتهمهم الأصوليون المسلمون بأنهم منافقون يحاولون إخفاء كراهيتهم للإسلام.

هذا المركب يعيد إنتاج مفارقة الأنا العليا بشكل مثالي: كلما أطعت النزعة الأخلاقية الزائفة التي تتطلبها منك الأنا العليا البدائية السادية، انغمست في ذنوب المازوخية الأخلاقية والتماهي مع المعتدي. ومن ثم، كلما تسامحت أكثر مع الأصولية الإسلامية، يزداد الضغط عليك.

ويمكننا التأكد من أن نفس الأمر ينطبق على تدفق المهاجرين: كلما انفتحت أوروبا الغربية أمامهم، كلما شعَرَت بالذنب أكثر لأنها لم تستقبل المزيد منهم. لن يكون العدد كافياً أبداً. وبالنسبة للموجودين هنا، كلما أظهر المرء تسامحاً مع طريقة حياتهم، سيشعر بذنب أكبر لعدم ممارسة القدر الكافي من التسامح.

الاقتصاد السياسي للاجئين: الرأسمالية العالمية والتدخل العسكري

كاستراتيجية طويلة المدى، يجب التركيز على ما لا يمكن تسميته سوى بـ”الاقتصاد السياسي للاجئين”، أي التركيز على الأسباب الأساسية الكامنة وراء ديناميكيات الرأسمالية العالمية والتدخل العسكري. فيجب التعامل مع الفوضى الدائرة بوصفها الوجه الحقيقي للنظام العالمي الجديد. لنفكر في أزمة الغذاء التي تضرب العالم “النامي” حالياً. وحده بيل كلينتون أوضح في تعليقاته في تجمع بالأمم المتحدة عام 2008، بمناسبة يوم الغذاء العالمي، أنه لا يمكن إلقاء اللوم، بخصوص أزمة الغذاء في العديد من دول العالم الثالث، على المتهمين المعتادين، مثل الفساد وعدم الكفاءة وتدخل الدولة، فالأزمة ترتبط بشكل مباشر بعولمة الزراعة. الفكرة الجوهرية في حديث كلينتون هي أن أزمة الغذاء العالمية الحالية تبين (أننا جميعا أخفقنا بما في ذلك أنا شخصياً حين كنت رئيساً) وذلك بسبب التعامل مع المحاصيل الغذائية باعتبارها سلع وليست حقاً حيوياً لفقراء العالم.

كان كلينتون واضحاً في إلقاء اللوء، ليس على كل دولة أو حكومة بمفردها، وإنما على سياسات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي طويلة المدى، المطبَقة لعقود من قبل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وغيرهما من المؤسسات الاقتصادية الدولية. ضغطت هذه السياسات على الدول الأفريقية والأسيوية من أجل رفع الدعم الحكومي عن الأسمدة وتحسين البذور وغيرها من مدخلات الزراعة. وسمح هذا باستخدام أفضل الأراضي في المحاصيل التصديرية، مما هدد الكفاية الذاتية للبلدان بشكل واضح. جاء إدماج الزراعة المحلية في الاقتصاد العالمي نتيجة لهذه التكيفات الهيكلية، وكانت آثاره مدمرة. فالفلاحون طُردوا من أراضيهم ودُفعوا نحو عشوائيات ملائمة لعمال الورش الصغيرة مليئة بالانتهاكات مع ازدياد اعتماد الدول على الأغذية المستوردة. وبهذه الطريقة، بقوا في حالة اعتمادية ما بعد استعمارية وأصبح وضعهم أكثر هشاشة وصاروا أكثر تعرضاً للأضرار من تبعات تقلبات السوق. على سبيل المثال، ارتفعت أسعار الحبوب بشكل جنوني العام الماضي في دول مثل هاييتي وإثيوبيا، وكلتاهما تصدر المحاصيل للوقود الحيوي وبالتالي تجوّع شعبها.

لمواجهة هذه المشاكل بالشكل المناسب، يجب على المرء اختراع أشكال جديدة من التحركات الجماعية الواسعة، فلا يمكن للتدخلات الدولتية المعتادة، ولا للتنظيم الذاتي المحلي المُحتفَى به كثيراً، أن يقوما بالمطلوب. لو لم تُحل المشكلة، يجب على المرء التفكير جدياً في كوننا ندخل عصراً جديداً من الأبارتهايد، تُفصَل فيه الأجزاء المعزولة ذات فائض الموارد من العالم، عن الأجزاء التي تتضور جوعاً وتعيش في حالة حرب دائمة. ما الذي يجب على الناس عمله في هاييتي وغيرها من الأماكن التي يوجد بها نقص في الغذاء؟ أليس لديهم الحق الكامل في التمرد العنيف؟ أو أن يصبحوا لاجئين؟ فرغم كل الانتقادات الموجهة للنزعة الاستعمارية الجديدة في الاقتصاد، لا نزال غير مدركين تماماً للآثار التدميرية للسوق العالمي على الكثير من الاقتصادات المحلية.

بالنسبة للتدخلات العسكرية الصريحة وغير الصريحة، قيلت النتائج مراراً بما يكفي: دول فاشلة. لا لاجئين بدون داعش ولا داعش بدون الاحتلال الأمريكي للعراق، إلخ. ففي نبوءة كئيبة قالها قبل موته، قال العقيد معمر القذافي: “اسمعوا يا أهل الناتو. إنكم تقصفون الحائط الذي يقف في طريق الهجرة الأفريقية لأوروبا وفي طريق إرهابيي القاعدة. هذا الحائط هو ليبيا. وأنتم تحطمونه. إنكم حمقى. ستحترقون في جحيم من آلاف المهاجرين الأفارقة”. ألم يكن القذافي يقر بالأمر الواضح؟

تحتوي الرواية الروسية، التي تعبر بالأساس عن وجهة نظر القذافي، على عنصر من الصحة، وإن لم تخل من خلط الأوراق. بوريس دولجوڤ من المؤسسة الثقافية الاستراتيجية ومقرها موسكة أخبر وكالة الأنباء الرؤسية:

لقد نتجت أزمة اللاجئين من سياسات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وهذا أمر واضح بالعين المجردة… تدمير العراق وتدمير ليبيا ومحاولات إسقاط بشار الأسد في سوريا بأيدي المتشددين الإسلاميين – هذا جوهر سياسات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ووجود مئات الآلاف من اللاجئين هو نتيجة لهذه السياسة.

وبالمثل، إرينا زڤياجيلسكايا من قسم الدراسات الشرقية بمعهد موسكو للعلاقات الدولية أخبرت وكالة الأنباء الرؤسية:

الحرب الأهلية في سوريا والتوترات في العراق وليبيا تزيد من تدفق المهاجرين لكنها ليست السبب الوحيد. أتفق مع من يرون في الأحداث الجارية ميلاً نحو إعادة توطين جماعية للشعوب، بشكل يترك الدول الأضعف باقتصادات غير فعالة. هناك مشاكل بنيوية تدفع الناس لهجر بيوتهم والرحيل. والتشريعات الأوروبية الليبرالية تسمح للكثيرين منهم، ليس بالبقاء في أوروبا فقط، وإنما أيضا بالاعتماد على المميزات الاجتماعية دون السعي للتوظف.

ويڤچيني جريشكوڤيتس -المخرج والمسرحي والكاتب الروسي- يتفق معها فيما كتبه في مدونته:

هؤلاء الناس يعانون من الإرهاق والغضب والإذلال. ليست لديهم أية فكرة عن القيم وأنماط المعيشة والتقاليد الأوروبية أو التعددية الثقافية أو التسامح. ولن يوافقوا أبداً على الالتزام بالقوانين الأوروبية… لن يشعروا أبداً بالامتنان للناس الذي تمكنوا من دخول بلادهم بهذه المشاكل، لأن نفس تلك الدول حولت بلادهم لحمامات دم في البداية… أنچيلا ميركل تتعهد بأن المجتمع الألماني وأوروبا جاهزون للمشاكل… هذا كذب وهراء!

ورغم وجود قدر من الحقيقة العامة في هذا الكلام، فلا يجب على المرء القفز من هذه الأمور العامة إلى الواقع الفعلي، الذي يتدفق فيه اللاجئون إلى أوروبا، وقبول المسئولية كاملة ببساطة. فالمسئولية مشتركة. أولاً، تركيا تلعب لعبة سياسية مخططة جيداً (تقول رسمياً إنها تحارب داعش لكنها فعلياً تقصف الأكراد الذين يحاربون داعش). ثم أن لدينا الانقسام الطبقي في العالم العربي نفسه (حيث الدول شديدة الثراء كالسعودية والكويت وقطر والإمارات لا تستقبل أي لاجئين). وماذا عن العراق واحتياطاتها النفطية التي تساوي عشرات البلايين؟ كيف يخرج سيل اللاجئين من بين كل هذه الفوضى؟

ما نعرفه هو أن هناك نظاماً اقتصادياً معقداً لانتقال اللاجئين يحقق أرباحاً بملايين وملايين الدولارات. من يموّله؟ ومن ينظمه؟ وأين أجهزة المخابرات الأوروبية؟ هل يبحثون في هذا العالم السفلي المجهول؟ كون اللاجئين في وضع يائس لا ينفي بأي حال حقيقة أن دخولهم أوروبا هو جزء من مشروع جيد التخطيط.

بالطبع، النرويج موجودة

أريد التوجه للمنتقدين، المعدودين يساريين، الذين يجدون كسري للتابوهات المذكورة في المقالات المنشورة في London Review of Books وفي موقع In These Times  إشكالياً. فقد أدان نيك رايمر فيما كتبه في Jacobin الهراء الرجعي الذي “أروجه”:

يجب أن يكون واضحاً أمام چيچيك أنه لا يمكن للغرب التدخل عسكرياً بطريقة تتجنب “الفخاخ الاستعمارية الجديدة للماضي القريب”. اللاجئون -من جانبهم- ليسوا عابري سبيل على أرض أناس آخرين، يرتبط وجودهم بالمعاناة فقط، وبالتالي يجب أن يكونوا محل “حسن ضيافة”. بغض النظر عن الأعراف التي يجلبونها معهم، يجب أن يتمتعوا بنفس الحقوق التي يتمتع بها أعضاء المجتمعات المتنوعة التي تشكل أوروبا – تعددية يتجاهلها چيچيك تماماً في “إشارته المذهلة لنمط حياة أوروبي غربي” فريد.

الطرح الذي يكمن وراء هذه الرؤية أقوى من مقولة آلان باديو “مَن يوجودون هنا هم مِن هنا” (qui est ici est d’ici)، بل هو في الحقيقة أقرب للقول بأن “مَن يريدون المجيء هنا هم مِن هنا” (qui veut venir ici est d’ici). لكن حتى لو قبلنا هذا، رايمر هو من يتجاهل تماماً جوهر ملحوظتي: فبالطبع “يجب أن يتمتعوا بنفس حقوق أعضاء الجماعات المتنوعة التي تشكل أوروبا”، لكن ما هي بالضبط نفس الحقوق تلك التي يجب أن يتمتع بها اللاجئون؟

تحارب أوروبا الآن من أجل حقوق كاملة للمثليين والنساء (حق الإجهاض وحقوق الأزواج من نفس الجنس، إلخ)، فهل يجب أن تمتد هذه الحقوق أيضا للمثليين والنساء من اللاجئين حتى لو كانت متناقضة مع “الأعراف التي يجلبوها معهم” (كما هو واضح)؟ ويجب ألا يجري الاستخفاف بهذا الجانب أو اعتباره هامشياً: فمن بوكو حرام إلى روبرت موجابي إلى فلاديمير بوتين، يأخذ النقد المناهض للاستعمار الغربي بدرجة أكبر وأكبر شكل رفض الاضطراب الجنسي الغربي والمطالبة بالعودة للتراتبية الجنسية التقليدية.

أعي جيداً بالطبع كيف يمكن أن يصبح التصدير الفوري للنسوية الغربية، وحقوق الإنسان الفردية، أداة للاستعمار الجديد الأيديولوجي والاقتصادي (كلنا نتذكر كيف دعمت بعض النسويات الأمريكيات التدخل الأمريكي في العراق كسبيل لتحرير النساء هناك، بينما جاءت النتيجة عكس ذلك تماماً). لكنني أرفض بشكل قاطع أن نستنتج من هذا أن اليسار الغربي يجب أن يقوم بـ”تسوية استراتيجية” ويتسامح في صمت مع الأعراف التي تذل النساء والمثليين باسم النضال “الأكبر” ضد الإمبريالية.

مع يورجن هابرماس وبيتر سنجر، يتهمني رايمر بعد ذلك بتبني “رؤية نخبوية للسياسة (طبقة سياسية مستنيرة مقابل أناس جهلاء وعنصريين)”. حين أقرأ هذا، لا يمكنني أن أصدق عيني. وكأني لم أكتب صفحات وصفحات عن نقد النخبة السياسية الليبرالية الأوروبية بالتحديد. وبالنسبة “للناس الجهلاء العنصريين”، نتعثر هنا أيضاً في تابو يساري آخر: أجل – للأسف – أجزاء كبيرة من الطبقة العاملة في أوروبا عنصرية ومعادية للمهاجرين، وهي حقيقة لا يجب إنكارها بأي حال بزعم أن الطبقة العاملة “تقدمية” في جوهرها.

نقد رايمر الأخير هو: “أوهام چيچيك عن كون اللاجئين يشكلون تهديداً لنمط الحياة الغربي، وأن هذا التهديد يمكن التعامل معه بأشكال جيدة من التدخلات الاقتصادية والعسكرية في الخارج، هي تعبير واضح عن كيف يمكن أن تقودنا الفئات التي نستخدمها في التحليل إلى نتائج رجعية”.  بالنسبة لأخطار التدخلات العسكرية، أنا واع بها جيداً، بل  وأعتبر أن التدخل المبرر أمر مستحيل تقريباً. لكن حينما أتحدث عن ضرورة التغيير الاقتصادي الجذري، لا أعني بالطبع نوعاً من التدخل الاقتصادي بالتوازي مع التدخل العسكري، وإنما تغييراً جذرياً شاملاً في الرأسمالية العالمية يجب أن يبدأ في الغرب المتقدم نفسه. كل يساري أصيل يعرف أن هذا هو الحل الحقيقي الوحيد، وبدونه سيستمر الغرب المتقدم في تدمير دول العالم الثالث وسيتفاخر بعنايته الرحيمة بفقرائها.

وفي اتجاه شبيه، ينتقدني سام كريس، لكن نقده مثير بشكل خاص لأنه يتهمني بأنني لست لاكانياً حقيقياً:

يمكننا حتى أن نقول إن المهاجرين أوروبيون أكثر من أوروبا نفسها. يسخر چيچيك من الرغبة الطوباوية في “نرويج” غير موجودة، ويصر على أن المهاجرون يجب أن يبقوا حيث يتم إرسالهم. (لا يبدو مدركاً أن هؤلاء الذين يحاولون الوصول لبلد معينة قد يكون لديهم أقارب هناك، أو أنهم قادرون على استخدام لغة هذه البلد، وأن ما يدفعهم بالتحديد هو الرغبة في الاندماج. لكن ألا يعني هذا أيضاً بالتحديد objet petit a أو (موضوع الرغبة الذي لا يمكن الوصول إليه) [الإشارة هنا لمفهوم جاك لاكان – المترجمة] ؟  كيف يكون لاكانياً من يخبر الناس أن عليهم التخلي عن رغبتهم في شيء فقط لأنهم لا يستطيعون الوصول إليه؟ أو هل أن المهاجرين لا يستحقون رفاهية العقل غير الواعي؟) في كاليه، احتج المهاجرون الذين يحاولون الوصول للمملكة المتحدة على ظروفهم برفع لافتات تطالب بـ”حرية الحركة للجميع”. بخلاف المساواة على أساس العرق أو النوع، يُفترَض أن حرية الحركة للشعوب عبر الحدود القومية قيمة أوروبية عالمية جرى تطبيقها فعلاً، لكن للأوروبيين فقط. هؤلاء المحتجون يُكذِبون أي إدعاء من قبل أوروبا باحترام القيم العالمية. لا يمكن لچيچيك أن يتحدث عن نمط الحياة الأوروبي إلا بتعميمات غامضة ومتعالية، لكن ها هي هنا من لحم ودم. لو كان تحدي الهجرة أحد أشكال العالمية الأوروبية ضد الخصوصية والرجعية، فالدفع بالخصوصية إذن يتم من جانب أوروبا… مقولة “النرويج غير موجودة” ليست تحليلاً نظرياً [إشارة لمقال چيچيك بعنوان “النرويج غير موجودة” – المترجمة]، بل هي نصيحة لطيفة من القلب في أذن الطبقة البيروقراطية الأوروبية، وهي طبقة ليست مهتمة بلاكان كثيراً. أما بالنسبة لإصراره على “التغيير الاقتصادي الجذري”، فهذه البنية التسلسلية تعني أن هذا التغيير -في الوقت الحالي- غير مطروح أصلاً. ومن هنا يأتي الإصرار على أن النرويج غير موجودة ولن توجد أبداً. الرأسماليون لا ينوون عمل نرويج أخرى، وچيچيك لا ينوي مخاطبة من يستطيعون القيام بذلك. والرد الماركسي على هذا يجب أن يكون أن النرويج غير موجودة، ومن ثم علينا أن نبنيها بأنفسها.

“المهاجرون أوروبيون أكثر من أوروبا نفسها” أطروحة يسارية قديمة استخدمتها أنا شخصياً كثيراً، لكن على المرء أن يكون دقيقاً بخصوص معناها. هي تعني، في قراءة نُقادي، أن المهاجرين يحققون مبدأ “حرية الحركة للجميع” بشكل أكثر جدية من أوروبا. لكن – مرة أخرى – يجب أن يكون المرء دقيقاً هنا. هناك “حرية الحركة” بمعنى حرية السفر، و”حرية الحركة” الأكثر جذرية بمعنى حرية الاستقرار في أي بلد أريدها. لكن المُسَّلمة التي يُستند إليها في بقاء اللاجئين في كاليه ليست فقط حرية السفر، وإنما أمر أقرب لـ”حق الجميع في الاستقرار في أي جزء من العالم، وفي أن تعولهم البلد التي ينتقلون إليها”. الاتحاد الأوروبي يضمن (إلى حد ما، بدرجة أو بأخرى) هذا الحق لأعضاءه، والمطالبة بعولمة هذا الحق تساوي المطالبة بتوسيع نطاق الاتحاد الأوروبي للعالم كله.

تحقيق هذه الحرية يفترض مسبقاً اندلاع ثورة اقتصادية اجتماعية جذرية، ولا شيء أقل من هذا. لماذا؟ هناك أشكال جديدة من الأبارتهايد [الفصل العنصري] تظهر. في عالمنا المعولم، يجري تداول السلع بحرية، لكن البشر لا. الخطاب الذي يدور حول الحوائط النفاذة والتهديد الذي يمثله الأجانب الذين يغرقون البلاد عبارة عن مؤشر ضمني لما هو زائف عن العولمة الرأسمالية. وكأن الأمر هو أن اللاجئين يريدون توسيع نطاق الحركة الحرة والعالمية للسلع ليمتد للبشر أيضاً، لكن هذا مستحيل حالياً بسبب القيود التي تفرضها الرأسمالية العالمية.

من المنظور الماركسي، تتعلق “حرية الحركة” بحاجة رأس المال لقوة عاملة حرة، فالملايين يُنتزعون من حياتهم المشاعية لكي يجري توظيفهم في مصانع تستغل العمال بشدة وتوظفهم في ظروف قاسية. يرتبط عالم رأس المال بالحرية الفردية في الحركة بطريقة متناقضة جوهرياً: فالرأسمالية تحتاج أفراداً “أحراراً” كقوى عاملة رخيصة، لكنها في نفس الوقت تحتاج للسيطرة على حركتهم لأنها لا تستطيع تحمل تكلفة تمتع كل الناس بنفس الحقوق والحريات.

هل المطالبة بحرية حركة جذرية، وبالتحديد لأنها غير متوفرة في إطار النظام القائم، نقطة بدء جيدة للنضال؟ من ينتقدني يعترف باستحالة تحقق طلب اللاجئين هذا، لكنه يؤكد عليه بموجب استحالته نفسها، ويتهمني في نفس الوقت بأنني أتبنى برجماتية فظة وغير لاكانية. الجزء المتعلق بالـ objet a [موضوع الرغبة التي لا يمكن الوصول لها] وكونه مستحيلاً وما إلى ذلك عبارة ببساطة عن هراء نظري سخيف. “النرويج” التي أشير لها ليست objet a وإنما خيال. اللاجئون الذين يريدون الوصول للنرويج يطرحون حالة نموذجية من الخيال الأيديولوجي، تصوراً خيالياً يغطي على التناقضات الكامنة. الكثير من اللاجئين يريدون الحصول على الكعكة وأكلها: إنهم يتوقعون بالأساس أفضل ما في دولة الرفاه الغربية مع الحفاظ على نمط حياتهم الخاص، رغم أن نمط حياتهم لا يتوافق في بعض ملامحه الأساسية مع الأسس الأيديولوجية لدولة الرفاه الغربية.

تحب ألمانيا التوكيد على الحاجة لإدماج اللاجئين ثقافيا واجتماعياً. لكن -وهنا يوجد تابو آخر يجب تحطيمه- كم من اللاجئين يريدون أن يُدمجون حقاً؟ ماذا لو كان العائق أمام الإدماج ليس العنصرية الغربية فحسب؟ (وبالصدفة، الإخلاص للـ objet a لا يضمن على الإطلاق أصالة الرغبة – فحتي القراءة الموجزة لـ”كفاحي” تبين أن اليهود كانوا هم الـobjet a بالنسبة لهتلر، وقد بقي بكل تأكيد مخلصاً لمشروع إبادتهم). هذا هو محل الخطأ في القول بأنه “لو لم يكن هناك نرويج، علينا أن نبنيها بأنفسنا” – أجل، لكنها لن تكون النرويج الرائعة التي يحلم بها اللاجئون.

العنف الطقوسي والأصولية

وفي نفس الاتجاه، يطرح سيباستيان شوللر في هجومه عليّ، السؤال التالي: “هل انتقل چيچيك الآن إلى حركة بيجيدا (الأوروبيون الوطنيون المناهضون لأسلمة الغرب)؟

تنسب تدوينة شوللر لي مقولة لم أقلها أبداً بالطبع، وهي: “لم أعد أعرف أي طبقات. الأوروبيون فقط”. ما علينا فعله هو تجاوز الكليشيه الذي يصور اللاجئين كبروليتاريين “ليس لديهم ما يخسروه سوى قيودهم” يقومون بغزو أوروبا البرجوازية: فهناك انقسامات طبقية في أوروبا وفي الشرق الأوسط أيضاً، والمسألة الرئيسية هي كيف تتداخل هذه الديناميكيات الطبقية المختلفة.

وهذا يأخذنا للعتاب الموجه لي باعتباري أدعو لنقد الجانب المظلم لليمين الإسلامي لكنني أبقى صامتاً بشأن الجانب المظلم للعالم الأوروبي: “وماذا عن الصلبان في المدارس؟ ماذا عن ضرائب الكنائس؟ ماذا عن الطوائف المسيحية المتنوعة ذات الأفكار الأخلاقية الغريبة؟ ماذا عن المسيحيين الذين يعلنون أن المثليين سيحترقون في الجحيم؟” هذا عتاب غريب، فالتشابه بين الأصولية الإسلامية والمسيحية موضوع يجري تحليله كثيراً في وسائل الإعلام عندنا (وكذلك في كتبي).  

أياً ما كان، لنتذكر ما حدث في روثرهام بانجلترا: 1400 طفلة على الأقل تعرضوا لاستغلال جنسي وحشي بين 1997 و2013، طفلات في عمر مبكر، بعضهن في الحادية عشر اغتُصبن على يد جناة متعددين واحتُجزن ونُقلن لمدن أخرى، وضُربن وأُرهبن: “جرى تغطيسهن في البنزين وتهديدهن بالحرق وبالأسلحة النارية وإجبارهن بوحشية على مشاهدة اغتصابات عنيفة وتهديدهن بأن هذا سيحدث لهن لو أخبرن أحداً، كما يوضح التقرير الرسمي”. أجريت ثلاثة تحقيقات بخصوص تلك الأفعال ولم تسفر عن شيء. لاحظت إحدي فرق التحقيق وجود تخوف بين أعضاء المجلس من اتهامهم بالعنصرية لو استمروا في العمل. لماذا؟ الجناة كلهم تقريباً عصابات باكستانية، والضحايا (الذين ينتعهم الجناة بالبيض الحثالة) كانوا من فتيات المدارس البيض.  

جاءت ردود الأفعال كالمتوقع. بأسلوب التعميم في أغلب الأحوال، لجأ الكثيرون من اليسار لكل الاستراتيجيات الممكنة من أجل طمس الحقائق. وفي مقالين في الجارديان يعبران عن الكياسة السياسية في أسوأ صورها، وُصف الجناة بوصف غامض وهو “أسيويون”. لكن هذا الأمر لم يكن متعلقاً بالإثنية أو الدين وإنما بسيطرة الرجال على النساء. من نحن أصلاً بتاريخنا الحافل بالبيدوفيليا في الكنائس وچيمي ساﭬايل [إعلامي انجليزي شهير متهم بالعنف الجنسي – المترجمة] لكي نستعلي أخلاقياً على أقلية مضطهدة؟ هل يمكن أن يتخيل المرء وسيلة أكثر فعالية من هذا لفتح المجال أمام حزب الاستقلال بالمملكة المتحدة (UKIP) وغيره من الشعبويين المعادين للمهاجرين الذين يستغلون مخاوف الناس العادية؟

ما لا يُعترف به هو أن مناهضة العنصرية بهذه الطريقة هي بالفعل شكل من العنصرية الخفية التي تتعطف وتعامل الباكستانيين ككائنات أدنى أخلاقياً لا يجب الحكم عليها وفقاً للمعايير الإنسانية العادية.

للخروج من هذه الورطة، يجب أن يبدأ المرء بالمقارنة بين أحداث روثرهام والبيدوفيليا داخل الكنيسة الكاثوليكية. في كلتا الحالتين، نتعامل مع نشاط جماعي منظم، بل وله طابع طقوسي أيضاً. في حالة روثرهام، يمكن عقد مقارنة أخرى ربما تكون وثيقة الصلة بالموضوع. أحد الآثار المرعبة لنزع الطابع العصري عن مستويات مختلفة من الحياة الاجتماعية هي ازدياد العنف الممنهج ضد النساء. فالعنف المتعلق بسياق اجتماعي معين ليس عنفاً عشوائياً وإنما ممنهج. إنه يتبع نمطاً معيناً ويرسل رسائل واضحة. ورغم أن لدينا كل الحق في الخوف من الاغتصابات الجماعية في الهند، ندرك أن الإجماع في رد الفعل الأخلاقي عليها يعود لأن المغتصبين كانوا فقراء ومن شرائح اجتماعية دنيا، كما توضح أرونداتي روي. ورغم هذا، فالانتشار العالمي للعنف ضد النساء مثير للريبة، ومن ثم يجدر بنا توسيع إدراكنا وضم الظواهر الأخرى الشبيهة.

جرائم القتل المتسلسلة ضد النساء في مدينة سِيوداد هُوارِس المكسيكية على الحدود ليست مجرد حالات مرضية خاصة، وإنما أنشطة طقوسية وجزء من الثقافة الخاصة للعصابات المحلية وموجهة ضد النساء الشابات العازبات العاملات في مصانع التجميع الجديدة. جرائم القتل هذه عبارة عن حالات واضحة لرد الفعل الفحولي تجاه طبقة جديدة من النساء العاملات المستقلات: التفسخ الاجتماعي بسبب التصنيع السريع والتحديث يستفز رد فعل وحشياً بين الذكور الذين يعتبرون هذا التطور تهديداً لهم. والملمح الأساسي في كل هذه الحالات هو أن الفعل العنيف المجرم ليس انفجاراً عفوياً للطاقة الوحشية الخام التي تكسر قيود الأعراف الحضارية، وإنما شيء يجري تعلمه وفرضه من الخارج وممارسته كنوع من الطقوس وكجزء من المحتوى الرمزي الجماعي لمجتمع ما. ما يُطمس في النظرة العامة “البريئة”، ليس الوحشية القاسية المميزة للفعل نفسه، وإنما بالتحديد سمته الطقوسية “الثقافية” كعرف رمزي.

نرى نفس المنطق الطقوسي الاجتماعي المنحرف فاعلاً، حين يصر ممثلو الكنيسة الكاثوليكية على أن هذه الحالات العابرة للقارات من البيدوفيليا الكريهة هي مشكلة داخلية تخص الكنيسة، وبالتالي ترفض الكنيسة بشدة التعاون مع الشرطة في التحقيق فيها. ممثلو الكنيسة بمعنى ما على حق. فالبيدوفيليا بين القساوسة الكاثوليك ليست شيئاً يعني فقط الأشخاص الذين اختاروا مهنة القس بالصدفة (أو لنقل: بناء على تفضيلهم الشخصي). إنها ظاهرة تخص الكنيسة الكاثوليكية كمؤسسة، ومتجذرة جداً في عملها كمؤسسة اجتماعية رمزية. إنها لا تتعلق باللا وعي “الشخصي” للأفراد، وإنما بلا وعي المؤسسة نفسها. البيدوفيليا ليست أمراً يحدث لأن المؤسسة عليها التكيف مع الحقائق المَرَضية للحياة الشهوانية حتى تعيش وتستمر، وإنما أمر تحتاجه المؤسسة نفسها من أجل إعادة إنتاج نفسها. يمكن للمرء أن يتخيل قساً يميل جنسياً للنساء (وليس بيدوفيلياً) يتورط – بعد سنوات من الخدمة – في البيدوفيليا لأن منطق المؤسسة نفسه يغريه بذلك. مثل هذا اللا وعي المؤسسي يشير للجانب الخفي الذي يجري التنصل منه، والذي يحافظ على استمرار هذه المؤسسة العامة بالتحديد بفضل إنكاره أو التنصل منه. (في الجيش الأمريكي، يتمثل هذا الجانب الخفي في طقوس السخرية الجنسية البذيئة التي تساعد في الحفاظ على تضامن المجموعة). بعبارة أخرى، الأمر لا يقتصر على محاولة الكنيسة لإنكار الفضائح البيدوفيلية المحرجة لأسباب تتعلق بالميل لاحترام التقاليد: ففي دفاعها عن نفسها، تدافع الكنيسة عن أكثر أسرارها بذاءة وسرية.  التوحد مع هذا الجانب السري أساسي في هوية أي قس مسيحي نفسها: فلو أدان قس ما هذه الفضائح بجدية (وليس بشكل بلاغي خطابي فقط) فإنه بهذا سيقصي نفسه من المجتمع الكنسي. لن يعود “واحداً منا”. وبالمثل، حين يقوم جنوبي في الولايات المتحدة في عشرينات القرن العشرين بإدانة الكو كلاكس كلان وإبلاغ الشرطة عنها فإنه يعزل نفسه عن مجتمعه باعتباره خائناً للتضامن الأساسي.  

يجب أن نتناول أحداث روثرهام بنفس الطريقة، طالما نتعامل مع “اللا وعي السياسي” للشباب الباكستانيين المسلمين. نوع العنف الفعال هنا ليس عنفاً فوضوياً وإنما هو عنف طقوسي له ملامح أيديولوجية معينة. جماعة شابة تعتبر نفسها مهمشة ومقهورة تنتقم من فتيات من طبقة دنيا من الجماعة السائدة. إنه أمر مشروع تماماً أن نطرح أسئلة حول ما إذا كانت هناك سمات في دينهم أو ثقافتهم تفتح الباب للوحشية ضد النساء بدون أن نلوم الإسلام نفسه (والذي لا يعتبر في ذاته أكثر احتقاراً للنساء من المسيحية). في العديد من المجتمعات والبلاد الإسلامية، يمكن للمرء أن يلاحظ انسجاماً بين العنف ضد النساء وإخضاعهن وإقصائهن من الحياة العامة.

في الحركات والجماعات الأصولية المختلفة، يُعتبَر فرض التراتبية الجنسية مسألة على قمة أولوياتهم. لكن علينا أن نطبق ببساطة نفس المعايير على الجانبين (الأصولية المسيحية والإسلامية) دون أن نخشى الاعتراف بأن نقدنا العلماني الليبرالي للأصولية يشوبه الزيف أيضاً.

نقد الأصولية الدينية في أوروبا والولايات المتحدة موضوع قديم له تنوعات غير محدودة. ويطغى انتشار الطريقة المُرضية للذات التي تسخر بها الإنتلجنسيا الليبرالية من الأصوليين على المشكلة الحقيقية، ألا وهي البعد الطبقي المخفي. ونظير حالة السخرية هذه هو التضامن المَرَضي مع اللاجئين ولومنا لأنفسنا بطريقة مُذِلة لا تقل زيفاً ومَرضاً. المهمة الحقيقية هي بناء الجسور بين طبقتـ”نا” العاملة وطبقتـ”هم” العاملة. فبدون هذه الوحدة (والتي تتضمن النقد والنقد الذاتي على الجانبين)  يُختزل الصراع الطبقي إلى صراع حضارات. ولهذا يجب التخلص من تابو آخر.

غالبا ما تُرفض مخاوف واهتمامات من يسموْن بالناس العاديين، المتأثرين بوجود اللاجئين، باعتبارها تعبيراً عن تحيزات عنصرية إن لم تكن فاشية جديدة صريحة. هل علينا حقاً أن نترك بيجيدا وأمثالها لتكون السبيل الوحيد المتاح أمام هؤلاء الناس؟

بشكل مثير للاهتمام، فنفس الدافع يكمن وراء النقد اليساري “الراديكالي” لبيرني ساندرز: ما يقلق منتقديه هو بالتحديد علاقته الوثيقة بصغار الفلاحين وغيرهم من العاملين في فيرمونت الذين يصوتون عادة للجمهوريين المحافظين.  ساندرز مستعد للاستماع لمخاوفهم واهتماماتهم، وليس نبذهم باعتبارهم حثالة بيضاً عنصريين.

اعلان
 
 
سلافوي چيچيك