Define your generation here. Generation What
“برة في الشارع”: “الطيب” في دور “الطيب”
 
 

يبدأ فيلم “برة في الشارع” (2015) بداية مقتضبة بمشاهد مرتجفة ومغبشة لمبنى مهجور وضجيج مشوش. يأتينا صوت بطيء ليعلن قائلًا كمن يلقي شعرًا: “كان كل صباح، يتقابلوا العمال بداخل المصنع.” يأتي على الأرجح من الرجل الذي يمسك بالهاتف المحمول ليصور المشهد. “صباح الخير يا اسطى فلان! نهارك أبيض يا اسطى فلان! أسماء تتردد وصباح جديد… اليوم الخراب يخيم على المصنع، ولم نسمع سوى زقزقة العصافير.”

من خلال المادة البصرية المتواضعة والأسلوب الدرامي الشعري اللذين يستخدمهما هذا الرجل في شهادته يتبين المزاج العام لهذه المعالجة السينمائية التجريبية لياسمينة متولي وفيليب رزق، والتي تصور صراعًا حقيقيًا في ما يبدو لمجموعة من العمال المصريين الذين استولوا على مكان عملهم بعد خصخصته على نحو سري وغامض.

يقدم لنا فيلم “برة في الشارع” مجموعة متنوعة من المشاهد. ننتقل من المصنع إلى سطح مبنى مرتفع في منطقة وسط البلد بالقاهرة، لتدور سائر أحداث الفيلم هناك، وذلك من خلال لقطة استعراضية بالتصوير البطيء تنظر فيها الكاميرا إلى الأسفل، على أرضية السطح ذات البلاط الحجري، وإلى الأعلى على القماش المشدود ليحيط بالموجودين. عندما تصبح الصورة واضحة ونقية ويتحول الهدير المشوش إلى شريط صوت قصير ومقبض، ندرك انتقالنا إلى معدات السينما الاحترافية. نأخذ منعطفًا لنمر برجال يجلسون في الظلام، ويروي أحدهم واقعة إلقاء القبض عليه وهو في طريقة إلى العمل. ثم ينقلنا قَطع إلى رجلين يمثلان مشهدًا في ضوء ساطع، بينما يتابعهم شاب مراهق وهو يكتم ابتسامته.

لا يقدم لنا الموقف شرحًا بلا داعٍ. نفهم الوضع بقدر المتاح لنا عندما نرى الرجال يرسمون خريطة المصنع على السطح، وهم يؤدون تمارين ما (نعرف من التترات أنها جزء من ورشة تمثيل بقيادة جيكوب ليندفور)، أو يتناوبون الأدوار، إما في إلقاء متسلط لمحاضرات عبثية وخالية من المنطق من رؤساء العمل الفاسدين أو الاكتفاء بالإنصات لها “أنا محتاجكم فعلا تحطوا إيدكم في إيدي الأيام الجاية! محدش يعتبرني مديره. أنا عايز كل واحد في مكانه يحس إن هي شركته. يحس إن هو شغال لنفسه”. وفي أحيانٍ أخرى تراقب الكاميرا الرجال الذين يتطلعون إلى شاشة معلقة تُعرض عليها مشاهدهم وهم يمثلون أو مشاهد لمصنع من فيلم قديم (وتشير التترات إلى أنها من فيلم “النظارة السوداء” لحسام الدين مصطفى، من إنتاج 1963). ونرى التمثيل في المقابلات الصحفية يخرج عن كونه تمثيلًا ليصبح مقابلات مع الأشخاص ذاتهم (ويقوم المخرجان بدور المحاور في الحالتين). وفي نهاية الفيلم البطيئة عن عمد نرى مشاهد للأحداث التي جرت أثناء تصوير الفيلم عام 2012، وتظهر فيها حالة انتظار قلقة أثناء تحليق طائرات الهليكوبتر فوق الر

يتخلل الأمر العديد من اللحظات الفكاهية وكذلك لحظات ضعف لا يمكن تجنبها. يرتسم في بعض الأحيان ما يشبه عدم الراحة والارتباك على وجوه العمال—عندما تحاكي مجموعة من الممثلين أصوات المكن في المصنع على سبيل المثال. وفي أحيان أخرى لا توجد وسيلة لتجنب ذكرى الإهانات القاسية سوى الضحكات المرتبكة، عندما يتحدثون مثلًا عن فترات الاحتجاز الغامض في قسم الشرطة من التاسعة صباحًا وحتى الثانية من صباح اليوم التالي، بلا طعام ولا شراب، وأنهم لم يتمكنوا من دفع 30 جنيهًا مقابل حريتهم فقايضوها بصفعتين مدويتين على الوجه.

أثناء إعادة تمثيل الإضراب تتصاعد مهارتهم التمثيلية بما يكفي لنتوحد معهم ونصدق الحكاية ونشاركهم نفس شعورهم بالغضب. ينتهي الفيلم بالتركيز على رجل بعينه يتمتع بجاذبية سينمائية كبيرة ومهارة سلسة في محاكاة حديث البلطجي المنمق وهو يترجرج مثل العرائس المتحركة.

تبدو النزعة السياسية اليسارية واضحة في فيلم “برة في الشارع”، كما تظهر مواقفه الصريحة في ما يخص تمكين العمال وشيطنة رأس المال والسلطة الفاسدة، ومن الواضح أن الفيلم قد نُفذ بموارد محدودة للغاية. وقد يرى البعض أن هذه المعادلة تعني حتمًا فيلمًا رديئًا، ولقد رأينا العديد من الأفلام الرديئة بميزانيات محدودة تلعب على المشاعر—وإن كان علينا ألا نغفل ذكر قليل منها كان جيدًا للغاية (مثل فيلم “سواق الأوتوبيس” لعاطف الطيب و”الأرض” ليوسف شاهين). لكن “برة في الشارع”  ينجح في تفادي الفشل المحتوم للفن السياسي الرديء الذي يعوض افتقاره إلى أي عامل جذب من خلال تصوير نفسه بصورة متفوقة أخلاقيًا.

يتبع الفيلم أسلوبًا حادًا ومدروسًا من الناحيتين السياسية والجمالية. فيأخذ السرد إلى أقصى حدوده ويصور القصة بصورة مفرطة في المسرحية مع الحفاظ على احترامه للجمهور وكذلك الممثلين، ومعظمهم على الأغلب كان يتقمص شخصيته الحقيقية أو الشخصيات التي قمعتهم في الواقع. لقد مر هؤلاء العمال بحكاية مثيرة للاهتمام ترمز من عدة نواحٍ إلى ما مر به البلد بشكل عام في ذلك الوقت—وهناك إشارة واضحة إلى أن هذا المصنع هو نموذج مصغر لمصر. ينجحون بمساعدة مدرب التمثيل في تقديم أداء مقنع للغاية، وتمثيل مشاهد معقدة توضح ملامح حكايتهم.

لدى الفيلم وعي بذاته وشخصياته والظروف التي صنع في أثنائها. ولقد حاول الاستفادة من المتاح قدر الإمكان. كان كل شيء نموذجًا محاكيًا للواقع: فالممثلون ليسوا ممثلين، ومكان التصوير عبارة عن مجموعة من الخطوط المرسومة على الأرض، وأصوات المكن يصدرها أشخاص من خلال الهمهمة والتصفيق. يسحبنا الفيلم بنعومة فائقة إلى حالة متخيلة دون استغلالها أو الإفراط في تصوير رومانسية جمالياتها. وبدلًا من أن يقول صناع العمل: “لا نستطيع تصوير الفيلم بالطريقة التي تتوقعونها، وهذا ما لدينا،” كانوا أقرب إلى قول: “لقد صورنا الفيلم بهذه الطريقة، ولعلها تعجبكم!” يتحكم “برة في الشارع” في توقعاتنا منذ البداية بذكاء وهدوء، ويستخدم أدواته السينمائية ليتجاوز قيوده بثقة ويصل إلى مغزاه المقصود.

بعد دقائق قليلة من بداية الفيلم تدرك أنه لن يحاول التغلب على كسر الإيهام بمؤثرات إنتاجية ضخمة، لكن رزانة حركة الكاميرا والمونتاج تجبرك على احترام ما تشاهده ومشاركة صناع الفيلم نفس قدر الاهتمام. تجد نفسك مستغرقًا بشدة في التمثيل غير الاحترافي وتأويل الممثلين للنص والمشاعر إلى درجة تمكنك من الانفصال عن العوامل المحيطة، أو استخدام ألوانها وتكويناتها، لتخيل شكل المحيط الحقيقي وتأمل لغة الجسد وتعبيرات الوجه المستخدمة. كان الأداء التمثيلي وحس الفكاهة جديدين ومختلفين، حيث يبدو أن متولي ورزق قد تركا ما يتناسب مع الفيلم دون تدخل وسمحا للشخصيات بتولي زمام الأمور—كما حدث في الواقع عندما تمكنوا من إدارة المصنع.

إن تجربة كهذه، تتضمن أشخاصًا حقيقيين وخصوصًا مع ضلوع الفروق الطبقية بالأمر، تطرح معادلة قد تجنح بشكل كبير إلى استغلال الناس وتصويرهم ككائنات غرائبية في سيرك يستعرض شكلهم وطريقة حديثهم. لكن نظرًا للعلاقة القائمة على الاحترام على خلفية هذا العمل، لا نشعر بأن صناع الفيلم يفصلون أنفسهم عن الممثلين أو يتعالون عليهم، ولا ينظرون إليهم نظرة غرائبية بناءً على طبقتهم أو خلفيتهم. عنصر الغرابة في الفيلم ينبع بشكل أساسي من اختيارته الشكلية التي تعكس—في صدق—الغربة التي يعاني منها المثقفون في مجتمعات بها فجوات هائلة في الدخل والتعليم وفرص التواصل بشكل عام.

كانت مشاهدة أشخاص تتظاهر بغير الواقع للحظات وجيزة تجربة ملهمة، ولقد عكس حديثهم إيمانًا حقيقيًا بما يقولونه، وبدا مدى أهميته لوجودهم ومفهومهم عن العدالة. لا يمكن فصل ذلك عن الثورة المصرية بشكل عام، ولا عن الصراع السياسي والفن السياسي بشكل عام. لقد رأينا الكثير من النقاشات عن النزاهة والأصالة يسخّر فيها الفن كأداة للهتاف، ليصبح قشرة سطحية هشة تختزل موضوعًا شديد التعقيد في رواية واحدة مبسطة ومبالغ فيها، وذلك بغرض الوصول إلى الجماهير العريضة وحشد التأييد أو التعاطف. في “برة في الشارع” نرى “الطيب” يلعب دور “الطيب”، ونفكر في أن أداء الممثلين مجرد إعادة محاكاة لحوارات ومواقف حدثت في الحقيقة، ووقتها كانوا يرون أنفسهم بصورة “الطيبين” أيضًا.

“برة في الشارع” أول فيلم روائي طويل لياسمينة متولي وفيليب رزق اللذين قدما سويًا عددًا من الأفلام القصيرة منذ عام 2011. الفيلم من إنتاج “أفلام س”، وقد عرض في العديد من المهرجانات وحصل على جائزة أفضل فيلم روائي في المهرجان الدولي للفيلم العربي اللاتيني، كما شارك في بينالي فينيسيا العام الماضي كجزء من عرض تجهيزي، قدّم فيه رزق ومتولي البلاط الحجري المأخوذ من سطح موقع التصوير.

يبدأ عرض فيلم “برة في الشارع” في سينما زاوية من يوم 13 يناير ولمدة أسبوع. وسيكون العرض الأول للفيلم يوم 10 يناير في السادسة والنصف مساءً بحضور صناع الفيلم.

تمت إزالة جملة من المقال ليتناسب مع النسخة النهائية من الفيلم.


اعلان