Define your generation here. Generation What

هذا ما توعدنا به جمال حمدان: ليست المؤامرة العالمية ولكنه التسمم الذاتي البطئ

موشيه ديان وزير دفاع إسرائيل الأشهر هو القائل إن العرب لا يقرأون، ولا يتعلمون من دروس التاريخ.

كان ديان يقصد القادة، وليس الشعوب، لأنه قال هذه العبارة رداً على تخوف زملائه فى الحكومة، وكذلك تخوف بعض أعضاء هيئة أركان حرب الجيش الإسرائيلي من أن خطة عمليات حرب يونيو 1967 تكاد تكون تكراراً حرفياً لخطة الهجوم على سيناء عام 1956.

كان ديان محقاً فى عام 1967، ولا يزال محقاً حتى عام 2016.

اسأل أى مصري، فى أى مستوى، ممن سمعوا عن كتاب “شخصية مصر” لفيلسوف الجغرافيا الراحل دكتور جمال حمدان، أو حتى من قرأوه: ما أهم ما قاله الرجل؟ وسيكون الجواب هو: عبقرية موقع مصر الجغرافي، وسيكون الرد بنبرة تفخيم واعتزاز توحى بأن هذه العبقرية انعكست على شعبها وعلى قياداتها، كما سيقال بنبرة استسلام وأسى لكون مجتمعها ودولتها تشكلتا بحتمية المركزية التى يفرضها النهر الواحد، أى نهر النيل، وبعدها لن تجد شيئاً مما قاله وأثبته وحذر منه وتوعد به جمال حمدان، وعلى رأسه أن مبررات الطغيان الفرعونى قد زالت نهائياً.

هناك بالتأكيد من قرأوا واستوعبوا جمال حمدان، واتفقوا واختلفوا معه فى كثير أو قليل من تحليلاته، ولكن هؤلاء قلة لا يُسمع صوتها، لا فى الإعلام، ولا فى دهاليز السلطة وأجهزة صنع السياسة، مع أن قراءة هذا الكتاب، خاصة البابين الأخيرين من الجزء الرابع، يجب أن تكون فرض عين على كل مصري مهتم بنفسه، وبأسرته وببلده، لا سيما صناع القرار، إذ لا أحسب مثلاً أن الرئيس المخلوع حسنى مبارك، أو أن أياً من رجاله قرأ هذين البابين، لأنهم لم يكونوا يحبون الثقافة والمثقفين، ويعتقدون أنهم يفهمون السياسة بأفضل مما يفهمها أولئك المتحذلقون المسمين بـ”المثقفين”. ألم يكن هذا ما رد به مبارك حرفياً على الزميل الراحل د. محمد السيد سعيد؟

ومن باب أولى، فلا أتوقع أن يكون قد قرأهما أحد قيادات “الإخوان المسلمين” أو أعضاء الجماعة، لأن جمال حمدان مفكر علمانى، أو لأن القرآن فيه كل شئ على حد زعمهم الظالم للقرآن نفسه، بدليل أن الرسول الأعظم قال “الحكمة ضالة المؤمن يطلبها أنى وجدها”، و”اطلبوا العلم ولو فى الصين”، ولم يكن فى الصين طبعاً قرآن فى ذلك الوقت.

لكني أدعو الآن كل المصريين، حكاماً ومحكومين، لقراءة جمال حمدان عموماً، وهذين البابين من كتابه “شخصية مصر” على وجه الخصوص.

فماذا قال حمدان فى البابين المقصودين، أو بالأحرى ما الذى توعد به المصريين إن لم يفهموا حقيقة مشكلاتهم المستعصية؟ هذان البابان هما العاشر، وعنوانه “آفاق الزمان وأبعاد المكان”، والحادى عشر، وعنوانه “مصر والعرب”، أما عناوين فصول البابين فهى كالتالى: “تعدد الأبعاد”، “التوسط والاعتدال”، “الاستمرارية والانقطاع”، و”الوطنية المصرية والقومية العربية”.

كنا فى منتصف ثمانينيات القرن الماضى حين كتب مفكرنا الراحل: “إن مصر اليوم، ورغم كل التغيرات الجذرية الإيجابية والمشرقة والواعدة التى أنجزتها، تبدو فى أسوأ حالاتها، أسوأ مما كانت عليه فى أى يوم مضى، إنها ما زالت تبدو حتى الأن عتيقة شاخت، ولا تتجدد أبداً، مريضة بإزمان، ولكنها لا تموت أبداً، ذلك أنها تعايشت مع المرض، وتعودت عليه، ومرضها القومى المتوطن، هو إذن كمرضها الطبى المتوطن، فالبلهارسيا والانكلستوما لا يميتان على الفور، ولكنهما يعجزان ويضعفان ويقعدان المصاب”.

“لقد أفسدت الاستمرارية السياسية، استمرارية الفرعونية، ما أصلحه الانقطاع الذى جاءت به الحضارة الحديثة، ذلك أن مرض مصر المزمن فى الحاضر، والموروث من الماضى هو حاكمها ونظامها، فلقد تغيرت مصر فى كل شئ تقريباً، إلا شيئاً واحداً هو النظام السياسي، فهو وحده الذى لم يتغير، وهو وحده الذى يقاوم بكل ضراوة ودموية كل تغيير، يجمد الشخصية، ويحنطها فرعونياً، علماً بأن الطغيان الفرعونى فقد فى العصر الحديث مبرر وجوده وقيامه أصلاً، فضلاً عن بقائه واستمراره بعد ذلك، ونعنى به مسلسل النهر- الرى- الضبط – المركزية – القهر.. إلخ”.

“لذلك  فإن مصر تعيش اليوم فى زقاق الإحباط الضيق المسدود، والأزمات المزمنة الذى تنحشر فيه حالياً، وفى الأثناء فإن مصر تدفع اليوم وكل يوم الثمن الباهظ، ولا نقول تتلقى العقاب المستحق لمرضها التاريخي المزمن كشعب وكدولة، فمنذ بعض الوقت أصبحت مصر للأسف الشديد دولة مريضة جيوبوليتيكياً، يسكنها شعب مريض تاريخياً، يحكمها أحياناً رجل مريض نفسياً كما بالامس القريب”.

ملحوظة: كان جمال حمدان يقصد أنور السادات بهذه الإشارة، فماذا كان سيقول عن حسنى مبارك ومحمد مرسى؟ وما الذى كان سينصح به السيسي لو امتد به العمر؟ ربما كان سيقول له ما قاله هيكل: إن عليه أن يثور على نظامه. انتهت الملاحظة.

نواصل قراءة ما كتبه جمال حمدان:

“فى وجه هذه الحالة المرضية المركبة، فليس أمام مصر سوى إحدى اثنتين: إما أن تموت بالتسمم الذاتى البطئ، الذى سرى واستشرى من قبل فى جسدها، وإما أن تعيش بفصد الدم الفاسد المسمم. إما أن تنحدر مصر بهدوء وبطء، بهوان وهوينى، إلى ما لا نهاية وإلى ما دون الحضيض، وإما أن تنفجر على نفسها داخلياً، وخارجياً فى فورة قوة عظمى، تجدد شبابها، وتستعيد كرامتها، وتحل أزمتها التاريخية، فإما أن تغير حياتها ونظامها، وتثور على نفسها ثورة نفسية وعملية، وإلا فإن أمامها مائة سنة أخرى على الأقل من الانحدار التاريخى المتسارع تتخبط فيها وتترنح ما بين الانقلاب، والانقلاب المضاد”.

“وفى الحالين، فلقد أصبح التغيير شرط البقاء نفسه، إن لم يكن لفصد الدم الفاسد، فلتجديد الدم الصحى، وفى الحالين فإن آفة مصر، وجريرة الشخصية المصرية هى الاعتدال المفرط، وفرط المحافظة، التى تفضل الحلول الوسطى، ومساوماتها الجزئية على الحلول الجذرية، وتفضل التطور على الطفرة، والإصلاح على الثورة”.

“وفى الحالين أخيراً تبقى القضية الأساسية هى قضية الصراع بين الاستمرار والتغيير، والاستقرار والانفجار، والانقلاب والثورة، وفى هذا الصراع، إذا لم تدفن مصرُ الفرعونيةَ السياسية فى مقبرة التاريخ، فستدفن هذه الفرعونية السياسية مصر فى مقبرة الجغرافيا”.

“مطلوب إذن حدث عظيم وأعظم فى الوجود المصرى، لا يرج مصر وحدها، ويخرجها من مأزقها التاريخى الوجودى أو من دوامة الصغار والهوان والأزمات التراكمية المعيبة التى فرضت عليها، ولكن أيضاً يرج الدنيا كلها من حولها، لتفرض مصر عليها احترامها وتقديرها من جديد، والاعتراف بها شعباً أبياً كريماً عزيزاً إلى الأبد”.

انتهى الاقتباس الحرفى من كتاب جمال حمدان، فهل نكتفي بالانبهار بعبقريته، والإقرار له بالإلهام والبصيرة، لأننا نرى كل ما تنبأ به وحذر منه حقيقة واقعة وصارخة ودامغة؟ وماذا بعد الانبهار إلا العمل أو استمرار الانهيار؟

ربما لا تكون هناك حاجة للمزيد من جانبنا، ولكن مرور ما يقرب من ثلاثين عاماً على تشخيص الرجل لأزمة مصر، ثم استمرار هذه الأزمة، بل واستحكامها، كل هذا يتطلب إضافة بعض الملاحظات، كما أن قيام ثورة 25 يناير المجيدة، وإسقاط حسنى مبارك، ثم فشل وإسقاط حكم جماعة الإخوان المسلمين، يحتاج إلى ملاحظات أخرى.

أولاً: إن لم تكن ثورة يناير هى ذلك الانفجار الذى يرج مصر والعالم من حولها، فهى إما بداية لانفجارات أكبر، أو لتغيير متسارع فى النظام السياسي “يفصد الدم الفاسد، ويجدد الدم الصحى”.

ثانياً: فى الحالتين فإن تفسير ثورة يناير بأنها مؤامرة عالمية على مصر، ليس فقط مرفوض علمياً وخلقياً، ولكنه أيضاً نسف للمستقبل الذى يقى مصر من الانحدار “ببطء وهدوء، وهوان وهوينى، وإلى ما لا نهاية، وإلى ما دون الحضيض”.

ثالثاً: ماذا كان سيقول جمال حمدان لو كان عاش حتى رأى سد النهضة الإثيوبى؟ كان حمدان يرى أن أهم الأحداث فى تاريخ مصر الجغرافى هو اكتشاف الزراعة فى العصر الفرعونى، ثم الفتح العربى، ثم تحول التجارة الدولية إلى طريق رأس الرجاء الصالح، وأخيراً مجئ الحضارة والاستعمار الأوروبيين. وهكذا ظل نهر النيل الذى وهب مصر الحياة، وحدد طريقة حكمها، بمنأى عن التغيرات الكبيرة، باستثناء مشروعات الرى المصرية الحديثة، لكن هذه كلها كانت فى أرض مصر، فكيف سيكون حال مصر عندما تتحكم دول المنابع فى مياه النهر؟

رابعاً: لم يكن عدد سكان مصر قد تجاوز الستين مليوناً حين كتب جمال حمدان ما كتبه، ونحن الآن نقترب بسرعة من رقم المائة مليون نسمة، فى وقت أصبح فيه نظام التعليم عاجزاً عجزاً فادحاً عن استيعاب العدد المتزايد من المواليد، الذين ستبقى نسبة كبيرة منهم، “على حالة الطبيعة الأولى” بما فيها من تخلف وميل إلى العنف، وعجز عن اللحاق بالعصر، كذلك فإن هذا العجز الفادح لنظامنا التعليمى فتح سوق التعليم، (ولا مفر هنا من استخدام كلمة “سوق”، رغم ابتذالها حين يكون الحديث عن التعليم) لكل نظم التعليم فى العالم للعمل فى مصر، وهذا فى حد ذاته من أهم عوامل التسمم البطئ، لأنه يضعف الخصائص الوطنية، كما يضعف الانتماء، ولا ينقل المجتمع ككل حتى إلى انتماء جديد، فضلا عن تعميق وتوسيع الفوارق الثقافية والطبقية بين أبناء الشعب الواحد، فإذا انتبهنا إلى أن من يشملهم النظام التعليمى العام يلتحقون أصلاً بنظام تعليمى تلقينى كثيف العدد، قليل الكفاية، محدود البحث والتجريب، لعرفنا كيف أصبح التعليم العام فى مصر من أسباب وأعراض تسممها البطئ.

خامساً: مثلما يعجز نظام التعليم عن استيعاب العدد المتزايد من المواليد، فإن سوق العمل يعجز أيضاً عن استيعابهم، وهو ما يخلق رافداً جديداً وقوياً للتسمم الذاتى، فإذا كان من يُظلم في عمله يشعر بالاغتراب، فما بالنا بمن لا يعمل أصلاً، ولا أمل لديه فى العمل فى يوم من الأيام؟

سادساً: بعد أن كتب جمال حمدان ما قرأناه آنفاً، تسارعت وتيرة خصخصة شركات القطاع العام الصناعى، دون ضمانات حقيقية بتحولها إلى قطاع خاص صناعى ناهض، وكان من نتائج هذا أن تعطلت فرصة نمو القطاع الصناعى فى مصر، ولا نتحدث هنا عن الفساد الذى صاحب هذه العملية، وغيره من صور الفساد وإهدار الثروات الوطنية. ومن ثم فإن التحول الصناعي، الذى هو أمل مصر فى الخروج من أزمتها الاقتصادية المستفحلة، أصابه المزيد من التأخر، ولا تزال البيروقراطية والشكوك السياسية تعرقل انطلاق قطاع خاص صناعى كفء.

وهنا أتذكر أن أحد رؤساء جمهورية ألمانيا، وهو يوهانس راو، الذى تقاعد عام 2006، نبه الألمان فى خطبة الوداع الى أن ثروة بلادهم ليست فى أرضها، ولكن فى عقول أبنائها، والعقول التى تنتج الثروة هى العقول المتعلمة، التى تبدع فى مجتمع صناعى متحرر من مركزية وطغيان السلطة.

سابعاً: تفاقم ظاهرة الفقر، وتزايد عدد الفقراء بما يترتب على ذلك من سوء تغذية، وتدهور المستوى الصحى العام، كل هذا جعل نسبة كبيرة الشعب المصرى مريضة بالمعنى الطبى حرفياً، وهذا فى حد ذاته تسمم لأن المريض لا ينتج، فضلاً عن أن يحارب، وعلى سبيل المثال فقد كانت إسرائيل، بعدد سكان لا يتجاوز المليونين أو الثلاثة ملايين، قادرة على تخريج طيارين بأكثر من قدرة مصر ذات الأربعين والخمسين مليون نسمة، وهذا لأسباب صحية بحتة.

ثامناً: عودة الطبقية والظلم الاجتماعى فى أكثر صورهما فجاجة، أى تلك المرتبطة بالمناصب والنفوذ السياسيين، وليس فقط تلك المؤسسة على الثروة الموروثة، الأمر الذى زاد وسيزيد من التوترين الاجتماعى والسياسى، ويزيد بالتالى من تفسخ الوحدة الوطنية.

تاسعاً: تحول القوة الناعمة إلى مراكز أخرى فى الإقليم تنتج ثقافة وصحافة وإعلاماً أفضل مما ينتج فى مصر حالياً، بسبب فقرنا وغناهم، وقدرتهم على استقطاب الكفاءات المصرية نفسها، فلم نعد نملك أفضل الأدباء، ولا العلماء، ولا الأطباء، ولا حتى الفنانين، بل إن كل هذا يحتاج فى مصر إلى تمويل من هذه المراكز أو غيرها، ويُخشى أن تتسع الفجوة على حساب مصر فى المستقبل، ما لم تحدث تلك الفورة التى تحدث عنها جمال حمدان.

عاشراً: كل هذا، مضافاً إليه الشعور بقلة الحيلة، ينتج أجيالاً تلو أجيال من المتطرفين الدينيين والإرهابيين، وهو ما يجعل مصر دائماً عرضة لاحتقانات مذهبية ونزاعات طائفية.

حادى عشر: خلال الأعوام الثلاثين الأخيرة استشرى النفوذ الأجنبى فى مصر، فانتزع جزءاً كبيراً من استقلال البلاد تحت حكم مبارك، ونكتفى بشهادتين فقط: الأولى لأحد رجال مبارك نفسه، وهو مصطفى الفقى الذى صرح علناً بأن أى رئيس مصرى عليه أن يحظى بموافقة الولايات المتحدة وإسرائيل، أما الثانية فهى ما قاله رئيس أسبق للمخابرات العسكرية الإسرائيلية أمام لجنة الأمن القومى بالكنسيت، بأن إسرائيل نجحت فى إفساد الأوضاع فى مصر إلى حد يحتاج عشر سنوات  لإصلاحه “إذا امتلكنا كمصريين إرادة الإصلاح”. وهذا الإقرار باستشراء النفوذ الأمريكى الإسرائيلى ليس إقراراً بنظرية المؤامرة، لأنه حدث بتنازل من مبارك ورجاله ثمناً لتمرير “التوريث”، إذ كان لابد من موافقة واشنطن وتل أبيب عليه، كما قال مصطفى الفقى. فإذا كانت هناك مؤامرة ضد مصر، فمن تآمر كان مبارك وابنه ورجالهما.

محصلة كل هذا لن تكون سوى الثالوث الملعون فى تاريخ مصر: الفقر والجهل والمرض، فإذا كانت المعركة ضد هذا الثالوث برنامج حزب الأغلبية الشعبية فى ثلاثينات وأربعينيات القرن الماضى، وإذا كنا لم نحرز بعد النصر فيها منذ ثمانين عاماً، بل ننحدر بسرعة إلى أسوأ مما كان، فهل يجرؤ إلا المكابرون، أو الجاهلون، أو من ماتت ضمائرهم، قبل أن تُطمس عقولهم، على تكذيب وعد جمال حمدان  ووعيده، أما النفوذ الأجنبى فله حديث آخر.

فى النهاية أدعو كل المصريين، حكاماً ومحكومين، إلى قراءة جمال حمدان أو إعادة قراءته، واستخلاص ما يلزم، حتى لا يصدق علينا حكم موشيه ديان، كما صدق على الذين من قبلنا.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد