Define your generation here. Generation What
بعد عقود من رفض الرد.. “ناجي شحاتة”: القاضي الذي رَد نفسه
 
 

قضت الدائرة 29 مدني بمحكمة استئناف القاهرة صباح أمس، الإثنين، بقبول طلب رد القاضي محمد ناجي شحاتة، المقدم من المتهمين في قضية “خلية أوسيم”.

كان محامي أحد المتهمين (30 متهمًا) قد تقدم بطلب الرد، مستندًا إلى حوار أجراه شحاتة، رئيس محكمة جنايات الجيزة، مع صحيفة «الوطن» الشهر الماضي، واعتبر المحامي ما ورد فيه مؤشرا على اعتناق القاضي أفكارًا مسبقة ضد مجموعة من المتهمين، وكشفًا لبعض أرائه السياسية.

واحتوى الحوار على أراء لشحاتة في عدد من الأمور السياسية، وفي بعض الأشخاص، كما انتقد خلاله بشكل حاد قرارات محكمة النقض بإلغاء عدد من الأحكام التي أصدرها في قضايا إرهاب، وهو الحوار الذي أنكر شحاتة التصريحات التي نُسبت له فيه، قبل أن تقوم الجريدة ببث تسجيل صوتي للحوار تأكيدًا لما نشرته.

كما كان الحوار نفسه سببًا في شكوى تقدم بها أحد المحامين إلى مجلس القضاء الأعلى ضد شحاتة؛ رأى فيها أن “المستشار (شحاتة) تجاوز كافة الأعراف والتقاليد القضائية وقرارات المجلس الأعلى للقضاء التي تحظر على القاضى تبنى وإبداء الرأى في الأمور السياسية والعامة”.

اللافت في الأمر، أن قبول طلب رد ناجي شحاتة يعد أمرًا نادرًا للغاية في تاريخ القضاء المصري برمته، والذي شهد رفض عدد يصعب حصره من طلبات رد القضاة، دون استثناءات تُذكر خلال عقود مضت.

وكان ناجي شحاتة نفسه بطلًا لإحدى وقائع طلب الرد، حين طلب الناشط السياسي أحمد دومة رده عن نظر قضية أحداث مجلس الوزراء، لكونه “لا يثق في إجراءات المحاكمة لوجود خصومة بينه وبين هيئة المحكمة”، لكن وعلى الرغم من ذلك، رفضت محكمة استئناف القاهرة دعوى الرد، لتستمر هيئة المحكمة برئاسة شحاتة في نظر القضية، وتنتهي إلى حكم بالإدانة بحق المتهمين، عوقب بمقتضاه دومة بالسجن عشر سنوات، بالإضافة لتغريمه هو وباقي المتهمين مبلغ 17 مليون جنيه، كما حكم عليه شحاتة بالسجن ثلاث سنوات إضافية بتهمة إهانة القضاء، بسبب أنه “قام بالتصفيق مبتسمًا عند سماع الحكم” بحسب ما قال مصدر لـ “مدى مصر” وقتها.

طاهر أبو النصر، المحامي أمام محكمة النقض يقول: “قضيت 25 سنة في مهنة المحاماة، لم أصادف خلالها قبول طلب رد واحد.. لكن علمت أن القضاء شهد واقعة واحدة في العام 1949”.

أما المحامي أحمد حسام فلم يرى في قبول طلب الرد أمس تعبيرًا عن تغيير جذري في عقيدة القضاء، وقال: “من وجهة نظري، ما حدث لم يكن انتصارًا لحقوق المتهمين والدفاع، بل هو نتيجة ما أثبته التسجيل الصوتي، الذي أذاعته صحيفة الوطن، من هجوم ناجي شحاتة على قضاء محكمة النقض الذي يمثل أعلى درجات التقاضي في مصر”.

وهو ما عقب عليه مصدر رفيع المستوى في محكمة الاستئناف، طلب عدم ذكر اسمه، قائلًا لـ “مدى مصر”: “لا يمكن استبعاد التأثير الذي تركه هجوم شحاتة على محكمة النقض على كل حال”.

وهنا يتذكر حسام واقعة حدثت معه شخصيًا في عام 2010 حين كان يدافع عن متهمين في قضية زنى، إذ قال له القاضي أثناء الجلسة: “انت داخل سخن كده ليه يا أستاذ؟.. ما همّا كده كده هيخشوا النار”، وهي الجملة التي اعتبرها حسام دليلًا على انحياز القاضي ضد المتهمين، وطالب بإثباتها في محضر الجلسة؛ في إشارة لغياب الحياد عن القاضي، واستجاب القاضي بالفعل لطلبه بإرسال ملف القضية لرئيس المحكمة؛ كمقدمة لإحالة القضية برمتها لقاضي آخر، لكن في المقابل تجنب حسام إقامة دعوى لرد القاضي عن نظر القضية؛ لما يراه من صعوبات عملية.

وبسؤاله عن تلك الصعوبات قال: “مثلًا، إثبات انحياز القاضي المسبق نحو إدانة المتهم أو تبرئته قد يحتاج إثبات عبارة ما صادرة عنه في محضر الجلسة للاستناد إليها لاحقًا في دعوى الرد.. وقد يبدو الأمر يسيرًا نظريًا فقط، لأن محضر الجلسة قانونًا هو ملك المتقاضين، إلا أن الأمر ليس بهذا اليُسر عمليًا؛ فالقاضي قادر على منع إثبات هذه العبارة أو تلك في محضر الجلسة”.

ويعود حسام عند هذه النقطة لأسباب قبول طلب رد شحاتة، ويقول: “ثمة سبب أخر، هو ثبوت أقوال شحاتة بما لا يدع مجالا للشك في الأمر بعدما بثت ‘الوطن” التسجيل الصوتي، بعكس ما يحدث عادة من صعوبة الإثبات بسبب عرقلة إثبات أقوال القضاة التي تثبت انحيازاتهم في محاضر الجلسات”.

في حين يرى أبو النصر أن العائق الأكبر أمام قبول رد القضاة هو القيود القانونية المشددة على رد القضاة، والمتمثلة في ضرورة الالتزام بالأسباب التي ينص عليها القانون لرد القضاة على سبيل الحصر لا المثال، وهو “ما يضيق المجال بشدة أمام قبول طلبات رد القضاة”.

وتجيز المادة 148 من قانون المرافعات رد القاضي  في أربع حالات، ثلاثة منها تتمحور حول وجود خصومة بينه وزوجته أو مطلقته وبين أحد الخصوم في الدعوى، أو كان له علاقة شخصية مع أحد الخصوم، فيما تجيز الحالة الرابعة رده “إذا كان بينه وبين أحد الخصوم عداوة أو مودة يرجح معها عدم استطاعته الحكم بغير ميل”.

بينما تجيز المادة 248 من قانون الإجراءات الجنائية طلب رد القضاة لنفس الأسباب التي يتعين على القاضي بناء عليها الامتناع عن الاشتراك في نظر الدعوى، والمنصوص عليها في المادة 247: “إذا كانت الجريمة قد وقعت عليه شخصيًا، أو إذا كان قد قام فى الدعوى بعمل مأمور الضبط القضائي أو بوظيفة النيابة العامة أو المدافع عن أحد الخصوم، أو أدى فيها شهادة أو باشر عملًا من أعمال أهل الخبرة. ويمتنع عليه كذلك أن يشترك فى الحكم إذا كان قد قام فى الدعوى بعمل من أعمال التحقيق أو الإحالة، أو أن يشترك فى الحكم فى الطعن إذا كان الحكم المطعون فيه صادراً منه”.

ويعود حسام لأسباب عدم تقديم طلبات رد، بقوله: “لأن الحكم غالبًا ما سيصدر برفض الدعوى، وسينتهي الأمر إلى دفع المدعي غرامة ثقيلة”.

إذ ينص قانون المرافعات على أن “تحكم المحكمة عند رفض طلب الرد، أو سقوط الحق فيه أو عدم قبوله أو إثبات التنازل عنه، على طالب الرد بغرامة لا تقل عن مائتي جنيه ولا تزيد على ألفي جنيه ومصادرة الكفالة”، تبعًا للمادة 159 التي تجيز كذلك رفع الحد الأقصى للغرامة إلى ثلاثة آلاف جنيه في حال كان طلب الرد أصلًا يستند إلى السبب الرابع من أسباب رد القضاه في المادة 148.

والكفالة، حسبما يوضح حسام، هي مبلغ 300 جنيه يدفعها طالب الرد عن كل قاضي يطلب رده “على سبيل إثبات الجدية”، بحسب نص المادة 153.

كما تنص المادة 159 كذلك على تعدد الغرامات مع تعدد القضاة المطلوب ردهم، ولا يعفى طالب الرد من الغرامة إلا في حالة التنازل عن الطلب في الجلسة الأولى أو إذا كان التنازل بسبب تنحي القاضي المطلوب رده أو نقله أو انتهاء خدمته.

ويعتبر حسام أن هذه الأعباء المالية تعيق عمليًا حق طلب رد القضاة، “أو بالأحرى هي تعيق حق المواطنين الأقل دخلًا بصورة خاصة، وهو أمر يتسق عمومًا مع توجه الدولة لتقييد حق رد القضاة”.

ويستكمل أنه بالإضافة إلى ما سبق فـ “ثمة احتمال نظري على الأقل لتعرض صاحب طلب الرد لدعوى تعويض من القاضي نفسه”.

ويشير حسام في هذا السياق إلى المادة 165 من قانون المرافعات، التى تشير إلى حق القاضي في إقامة دعوى تعويض على طالب الرد في حال رفض الطلب، مع عدم صلاحيته بذلك للنظر في الدعوى الأصلية، وضرورة تنحيه عن نظرها.
ورغم أنه لا مجال للطعن على رفض طلب رد القضاة. و”عادة ما ترفض المحاكم طلبات رد القضاة” كما يقول أبو النصر، إلا أنه يضيف: “لكن من المعتاد أيضًا أن يتجه القضاة للتنحي بإرادتهم عن نظر القضية بعد رفض طلب ردهم عن نظرها”.

ويشير في هذا السياق إلى قضية متظاهري مجلس الشورى التي شهدت رفض طلبه برد القاضي، وتنحي الأخير (القاضي محمد علي الفقي) لاحقًا؛ بدعوى افتقاد الثقة المتبادلة بين القضاة والمحامين والمتهمين.

وفي السياق نفسه يقول المصدر الرفيع في محكمة الاستئناف: “الجديد في الأمر ليس قبول الطعن بقدر ما هو سلوك شحاتة نفسه، الذي تمسك بالاستمرار في نظر القضية رغم دعوى الرد، هذا السلوك عمومًا غير معتاد بين القضاة، فالمعتاد هو تنحي القاضي عن نظر القضية بمجرد إقامة دعوى الرد أو بعد رفض الدعوى على أقصى تقدير، لكن هذا السلوك أخذ يتغير تدريجيًا خلال السنوات الأخيرة في قضايا ذات طابع سياسي”.

مضيفًا: “شحاتة أقدم على سلوك يشير بوضوح إلى انحيازاته المسبقة على نحو لا يقبل التأويل هذه المرة، وهو أمر لا يثير الشك في حياد القاضي بل في صحة إجراءات المحاكمة برمتها”.

ويترتب على طلب رد القاضي وقف الدعوى الأصلية حتى الحكم فيها، ومع ذلك فيجوز لرئيس المحكمة ندب قاض بدلًا ممن طلب رده، تبعا لنص المادة 162 من قانون المرافعات.

وتجيز المادة 150 من القانون نفسه للقاضي في غير الأحوال التي تتيح رده، “إذا استشعر الحرج من نظر الدعوى لأي سبب، أن يعرض أمر تنحيه على المحكمة في غرفة المشورة، أو على رئيس المحكمة للنظر في إقراره على التنحي”.

وتنحي القضاة هي حالة تختلف عن “عدم الصلاحية” التي تشير إليها المادة 146 من قانون المرافعات، والتي تنص على عدم صلاحية القضاة للنظر في الدعوى ومنعهم من سماعها حتى دون رد من أيٍ من الخصوم في حالة “إذا كان قريبًا أو صهرًا لأحد الخصوم إلى الدرجة الرابعة – إذا كان له أو لزوجته خصومة قائمة مع أحد الخصوم أو مع زوجته –  إذا كان وكيلا لأحد الخصوم في أعماله الخصوصية أو وصيا عليه أو قيما أو مظنونة وراثته له، أو كانت له صلة قرابة أو مصاهرة للدرجة الرابعة بوصي أحد الخصوم أو بالقيم عليه أو بأحد أعضاء مجلس إدارة الشركة المختصة أو بأحد مديريها وكان لهذا العضو مصلحة شخصية في الدعوى”.

وتضيف المادة إلى ما سبق: “إذا كان له (القاضي) أو لزوجته أو لأحد أقاربه أو أصهاره على عمود النسب أو لمن يكون هو وكيلًا عنه أو وصيًا أو قيما عليه مصلحة في الدعوى القائمة –  إذا كان قد أفتى أو ترافع عن أحد الخصوم في الدعوى، أو كتب فيها ولو كان ذلك قبل اشتغاله بالقضاء أو كان قد سبق له نظرها قاضيا أو خبيرا أو محكما، أو كان قد أدى شهادة فيها”.

اعلان
 
 
بيسان كساب