Define your generation here. Generation What
الذكرى المرعبة: ٢٥ يناير .. ما بين الاحتواء والترهيب
 
 

قبل أيام من الذكرى الخامسة لثورة 25 يناير، قام النظام المصري بعدة خطوات لم يربطها بوضوح بذكرى الثورة، في حين ربطها كثير من المتابعين والمحللين بتلك الذكرى، وتحديدًا دعوات التظاهر فيها، خاصة مع تراوح تلك الخطوات بين التهدئة والترهيب.

كانت الأيام الماضية قد شهدت إجراءات تندرج تحت بند تهدئة الأجواء بين الدولة ومعارضي النظام، من قبيل إخلاء السبيل المشروط الذي صدر بحق المصورة إسراء الطويل “مراعاة لظروفها الصحية”، وقبلها بأيام الإفراج عن 51 من أبناء سيناء الذين كانوا معتقلين في سجن العازولي، والذين كانوا في عداد المختفين قسريًا، كدفعة أولى يفترض أن يتبعها الإفراج عن ثلاثين آخرين، كما تم الإعلان عن السماح بزيارات للمسجونين في سجن العقرب، بعد أشهر من منع الزيارات أو إدخال الأدوية والملابس والطعام لهم، وكذلك نقل القيادي الإخواني سعد الكتاتني إلى مستشفي المنيل الجامعي، ونقل مجدي قرقر، القيادي في حزب الاستقلال، والمحسوب على الإخوان أيضًا، إلى مستشفى سجن طرة، بعد تدهور صحتهما داخل السجن.

هذه الإجراءات تزامنت مع حركة تنقلات في صفوف قيادات الداخلية، اعتمدها الوزير مجدي عبد الغفار، وكان أهم ما فيها هو تغيير رئيس ونائب رئيس قطاع الأمن الوطني.

ورغم أن أيًا من التنظيمات السياسية في مصر لم تدع للتظاهر في 25 يناير المقبل، كما أعلن الكثير من النشطاء المعروفين عن عزوفهم عن المشاركة في التظاهر في ذلك اليوم، لكن الأيام التي تلت إجراءات التهدئة السابقة، شهدت في المقابل إجراءات أخرى تُظهر الوجه الآخر لترقب النظام لذكرى الثورة، إذ اعتقلت قوات الأمن أربعة أعضاء في حركة 6 أبريل، وأمرت النيابة بحبسهم على ذمة التحقيق في تهم: الانضمام لجماعة محظورة والتظاهر والدعوة للتظاهر، على خلفية مسيرة سلمية نظموها يوم 21 ديسمبر الماضي، (المعتقلين هم أيمن عبد المجيد ومحمد نبيل اللذان اعتقلا من منزليهما بالإضافة إلى شريف الروبي ومحمود هشام الذي خرج حديثًا في عفو رئاسي في قضية الاتحادية)، كما اعتقلت بعد ذلك الصحفي محمود السقا، وأمرت النيابة بحبسه بتهمة الانضمام لجماعة أسست على خلاف القانون، تسمى “حركة شباب 25 يناير”

من جهته، يقول وليد شوقي، عضو المكتب السياسي في حركة شباب 6 أبريل: “همّا بيعتقلوا الناس اللي ممكن يكونوا مصدر إزعاج أو تهديد، النظام اتعلم من 25 يناير 2011، ومش هيسيب حاجة للصدفة، فلازم يعمل حاجات استباقية”، مشيرًا إلى أن تهم الشباب المعتقلين “مضحكة”، ومؤكدًا أنهم ليس لهم، ولا للحركة، علاقة بالمسيرة المتهمين بالدعوة إليها. ويضيف شوقي أن الأجهزة الأمنية تدرك تصاعد الغضب بسبب عشرات الآلاف من المظلوميات بسبب الاعتقال والقتل، وبسبب تدهور الوضع الاقتصادي.

ورغم أنه لم يذكر دعوات محددة، إلا أن الرئيس عبد الفتاح السيسي قد تحدث في خطابه في ذكري المولد النبوي، الأسبوع قبل الماضي، عن دعوات التظاهر في ذكرى الثورة، وذلك في جمل متفرقة منها: “أنا باسمع دعوات لثورة جديدة، ليه؟! انت عايز تضيعها ليه؟، إحنا كلنا مع بعض هنا ومفيش حاجة اسمها كده، أنا جيت بارادتكم ومش غصب عنكم … لكن لو دي إرادة المصريين.. من غير ما تنزلوا…أضيع الناس عشاني؟! لا لا، أنا ما عنديش حاجة أخبيها ولا أخاف عليها، اللي بيحب ربنا والناس بجد يبني ويعمر ويصبر. اللي ناقص البلد دي إننا نشتغل ونتعلم ونصبر، غير كده يبقي عايزين نضيعها. أنا ما باخوفكمش، أنا باقول إرادة أمة مش إرادة مجموعة، وأقدر أميز كويس بين الاتنين”.

من جانبها، ترى الباحثة وأستاذة العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية رباب المهدي، أن خطاب السيسي يعبر عن التخبط؛ فهو أشار إلى أنه لن يرحل إلا بمطالبة الشعب بأكمله له بالرحيل، وهو أمر مستحيل حدوثه مثل العنقاء والخل الوفي، فهي لم تحدث أبدًا، ولم تحدث حتى ضد سابقيه حسني مبارك أو محمد مرسي، كما يدل هذا الخطاب على “الميجالومية” أو جنون العظمة -حسب قولها، فهو يقول إن ما يقال عن الإجماع لا يعنيه. ولكن برغم ذلك تطرقه للموضوع به دلالة على الخوف؛ لأن احتمالات حدوث ذلك توتر النظام فعليًا، وبخاصة أنه من الواضح أن هناك تقارير أمنية تصله بتزايد الغضب الشعبي بسبب غلق المجالين السياسي والاقتصادي، لذا اعتمد الخطاب على التخويف والاستجداء معًا.

تضيف المهدي، إن ما يبدو تناقض هو في حقيقته ليس تناقضًا؛ فأي نظام سلطوي يبنى على القمع والاستمالة، ويقوم بهذا بأدوات سياسية واقتصادية، فربما يقدم نظام شديد القمعية مجموعة تنازلات اقتصادية ليحافظ على نفسه. لكن المهدي تشير إلى أن نظام السيسي غير قادر على تقديم تهدئة اقتصادية، فيستخدم المنحى السياسي نفسه للتهدئة والتهديد، فهو يفرج عن أشخاص مخاطبًا الرأي العام المحلي والدولي كي يقول: “إحنا ما بنعملش كده وما عندناش اختفاء قسري ولا معتقلين”، ولكن في المقابل لأنهم مدركون فشلهم وتزايد إحساس الناس بهذا الفشل؛ فهم يتخذون إجراءات احترازية. وتضيف أنه بعد الثورات يكون هناك خوف دائم من الانفجار الممكن حدوثه في أية لحظة، وأية دعوات للتظاهر تشكل تهديدًا؛ لأنها تشبه دعوات يناير الأولى، التي لم تكن هي الأخرى رسمية، ولم يكن أصحابها معروفين للنظام حينها.

منذ حوالي الشهر، قام مجموعة من النشطاء بالدعوة إلى التظاهر في 25 يناير 2016 عبر “إيفنت” على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، خلال هذا الشهر وصلت الدعوة إلى إسقاط الرئيس عبد الفتاح السيسي والاستبداد لحوالي نصف مليون شخص، بينما سجل حوالي الـ 50 ألف شخص حضورهم لهذا اليوم.

الدعوة لاستعادة ثورة يناير، وتحقيق مطالبها، هما هدف الإيفنت، كما يقول أحد مطلقي دعوة التظاهر -الذي كان لديه أمل في الحشد وقد تحقق فعلا في رأيه: “إحنا نزلنا في يناير وفي 30 يونيه، شاركنا ودعينا وأنا كنت عضو في حركة “تمرد”، لكن اللي حصل في 3 يوليو كان انقلابًا على ثورة يناير، عشان كده أخدنا مسارًا مختلفًا وانفصلنا عن “تمرد” وقررنا نكمل مسيرة الثورة”.

في رأي الناشط الداعي للتظاهر، أدى حكم السيسي إلى انهيار في الاقتصاد، وفي عهده تحول الحكم إلى حكم عسكري بالكامل، فالوزراء والمحافظون عسكريون، والإعلام موحد خلف النظام، يزيف وعي الناس، في حين أن أي إعلامي معارض إما يعتقل، أو يحاصر حتى يضطر إلى الهجرة أو التوقف عن العمل. يعي الناشط جيدًا مخاطر الدعوة للتظاهر ولكنه يقول: “مفيش حاجة نبكي عليها، كده كده النظام بيقتل أصحابنا وبيحبسهم، وأنا خفت لو جهلنا صاحب الدعوة الناس ترتاب ويفتكرونا أمن؛ لأن الأمن بقى مسيطر على المشهد السياسي كله”.

واجه هذا الناشط، الذي فضلنا عدم ذكر اسمه، بعض المشكلات بعد إطلاقه الدعوة؛ حيث جاءته تهديدات من أشخاص تابعين للأمن -وفق قوله.

وهو يتوقع لليوم أن يكون مختلفًا عن ذكرى الثورة في العامين السابقين؛ لأنه -حسب قوله- شعبية النظام في تآكل، وانعدام الثقة فيه يتزايد، بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية وتزايد قمع الشرطة. كما يتوقع خروج الآلاف من الشباب، وبخاصة أنه يعلم جيدًا أن كثرة الأعداد هي التي ستحمي المتظاهرين من عنف الشرطة المحتمل. يقول: “أنا مش هسامح نفسي أبدًا لو حد أتأذى بسبب دعوتي، بس أملي أنه ينزل مليون شاب فمستحيل وقتها الشرطة تضربهم وتقول عليهم خونة وإرهابيين”. وهو يري أن نظام السيسي “مرعوب”، وأن هذه الدعوات تشكل أزمة حقيقية له ولنظامه، وهذا كان واضحًا في خطابه، وفي محاولات اتخاذ إجراءات استباقية أمنية للتهديد أو احتواء الغضب. يضيف: “إحنا مش هنتنازل عن حقنا وحق أصحابنا ومستقبلهم اللي ضاع في السجون أو بقتلهم، النظام بعنفه بيحاول يجر الشباب للعنف بس إحنا دعواتنا سلمية.. وهنسقط السيسي زي ما أسقطنا أستاذه مبارك”.

أما الناشط السياسي اليساري خالد عبد الحميد فلن يشارك في تظاهرات الذكرى الخامسة للثورة، وإن كان يتفق مع أسبابها: من الغضب من السلطة واقتناع الناس بأن السلطة الحالية هي سلطة الثورة المضادة، وأن هذه السلطة أغلقت المجال العام والأفق السياسي تمامًا، وبالتالي لم يعد أمام الشباب سوى الدعوة للتظاهر رغم التكلفة العالية لذلك، ليكون هناك رسالة واضحة أن الناس لا يزالون متمسكين بأحلامهم حتى لو دفعوا ثمن ذلك من حريتهم وحياتهم. لكن المشكلة في نظره أن هذه الدعوات هي دعوات مطلقة وليست مبنية على تنظيم سياسي مرتب، فمجموعة الثورة الراديكالية -حسب قوله- لا تزال في حاجة إلى تنظيم نفسها والاستفادة من دروس السنوات الماضية، للاتفاق على الشكل والطريقة والشعارات المناسبة في مواجهة الثورة المضادة، وهو أمر صعب ويحتاج إلى وقت. وبالرغم من نبل مساعي هذه الدعوات في إسقاط الاستبداد ومن وراءه؛ فإنه في نظره لن يضيف جديدًا في مشكلة ما يسميه “المعسكر الديموقراطي الجذري” أو معسكر الثورة، لذا فقد قرر عدم المشاركة في التظاهرات ولكنه اختار سلك طرق أخرى للاشتباك وبناء تكتيكات أخرى للمعسكر نفسه، وهو مقتنع تمامًا بحق كل مواطن في التعبير عن رأيه دون أن تكون حياته أو حريته مهددتان. وإن كان يتوقع يومًا مشابهًا ليوم 8 أبريل 2008، من هلع وخوف يصيب الدولة بالشلل، وبعض الصدامات في مناطق متفرقة.

من جانبه٬ يرى شوقي، أن التنظيمات السياسية الثورية مثل 6 أبريل ومصر القوية والاشتراكيين الثوريين وجبهة ثوار.. لم تعد قادرة على قيادة الشارع، وإن بقى لحركة 6 أبريل بعض النفوذ بين الشباب. ولكن الحركة لا تزال تدرس موقفها من النزول في 25 يناير، ولم يصدر  عنها موقف رسمي بعد، وهو الحال أيضًا بالنسبة لباقي القوى السياسية، حتى الإخوان، رغم دعوتهم إلى النزول بشكل مطلق وبعيدًا عن ذكرى الثورة.

بشكل شخصي سيلتزم شوقي بقرار الحركة في المشاركة من عدمها، وهو يتوقع وقوع أحداث في هذا اليوم، ويتوقع أن الأمن سيتعامل بعنف مع الموضوع. بينما يرجع التخبط الواضح في ردود فعل السلطة ربما إلى خلافات بين مؤسسات مختلفة في الدولة، أو لقياس ردود الفعل، أو لأنه لا يوجد متخذ قرار واحد، فيكون كل فعل له ظروفه وسياقه المختلف، ولكنه في النهاية يعلم أنه مهما بلغ قمع النظام لن يستطيع السيطرة على مجريات الأمور، وستكون هناك دائمًا أحداث خارجة عن سيطرتهم.

كذلك لا تتوقع المهدي دورًا للقوى السياسية في هذه الدعوات، فهي في رأيها لم يعد لها وزن أو اعتبار في تحريك الشارع، بل في الأصل لم تكن الكيانات السياسية هي من تحرك مجريات الأمور، وفشلها هو جزء من فشل الدولة بشكل عام، ولكن عدم تبني القوى السياسية للدعوات بشكل رسمي ليس هو الأمر الذي سيفقد هذه الدعوات مردودها، وفق المهدي، بل عدم وجود بديل عن هذا النظام؛ فالثورات والهبات تحدث عن طريق الوعي الجمعي، وطالما البدائل غائبة ستظل التحركات في إطار المسيسين، ولن يخاطر الحشد الكبير بدفع ثمن عالي التكلفة.

منذ أسبوع، كتب المحامي الحقوقي وعضو حزب مصر القوية محمد الباقر، على صفحته الشخصية، محذرًا أعضاء الإخوان و6 أبريل، ومن لديه قضايا سياسية سابقة أو جارية، باتخاذ بعض الإجراءات الاحترازية مثل تغيير محل الإقامة، ومراجعة كل ما يدل على موقف معارض للنظام على الهواتف من محادثات أو صور أو فيديوهات حتى تمر الذكرى المقبلة للثورة، وذلك بسبب ما شهدته الأيام الماضية من استيقافات وقبض عشوائي واعتقالات واختفاء لبعض الشباب في مناطق متفرقة.

يقول الباقر، إنه حتى الآن لم ير أية دعوة حقيقية أو رسمية للذكرى الخامسة للثورة، لا من الإسلاميين ولا من القوى المدنية، وكل ما رآه هي دعوات واجتهادات شخصية ليس لها شق تنظيمي واضح. ويرى أنه هناك ذعر إعلامي واضح بسبب غياب التصريحات الرسمية الخاصة بهذا اليوم، وبخاصة في القنوات الداعمة للنظام، وعدم الوضوح هذا يستدعي من النظام خطوات أمنية احترازية، ولأن تنظيمات الإخوان و6 أبريل هي القادرة على التحرك، فهم يستهدفونها بوضوح.

في رأي المهدي، لا تزال الأجهزة الأمنية الضعيفة تتصور أن حركات مثل 6 أبريل وتنظيم الإخوان المسلمين هي من تحرك الشارع لذلك تستهدف أعضاءها، مثلما كانت تتهم حركة الاشتراكيين الثوريين بتحريك الشارع وأعضائها لا يتجاوز عددهم 50 شخصًا، فلو كان أيّ من التنظيمين بهذه القوة لاستطاعا إخراج معتقليهما. وهي ترى أن الأجهزة الأمنية فقط لديها أسماء عدة يظنون أنهم مصدر تهديد ولديهم قدرة على تحريك الشارع، ولأن النظام لا يعلم “القلم جاي منين، فبياخد إجراء احترازي واللي بيعرفه يلمه”.

في حين يشير الباقر إلى الإفراج عن شباب “العازولي” وقضية “الاتحادية” وقضايا أخرى مرتبطة بالتظاهر والاجتماع، فضلًا عما يسميه “استعلام أمني” عن بعض الشباب، وهو أمر يسبق الضبط والإحضار الرسمي، أو الإخفاء القسري بشكل غير رسمي، كما يرصد أيضًا استيقافات أمنية عشوائية عدة، لأشخاص في مناطق شعبية مثل إمبابة، ومناطق غنية مثل شيراتون، وحالات أخرى خارج القاهرة من بينها فتيات؛ حيث يتم التحري عن بطاقاتهم تليفونيًا وتفتيش هواتفهم، وتركهم، أو التحقيق معهم أو احتجازهم أيام عدة.

في ضوء هذه الأفعال يرى الباقر أن هناك قلقًا واضحًا من ذكرى الثورة المقبلة، وأن هذه الإجراءات الاستباقية متكررة منذ عام 2013، ولكن أحيانًا “الظباط بيجوّدوا”، كما أن السلطة دائمًا ما تتصرف بشكل أكبر من حجم الحدث. وهو يرى كذلك أن ما تقوم به السلطة من إجراءات موجهة للرأي العام بدوائره الواسعة، من إخلاء سبيل للمعتقلين لكسبه، بينما اعتقال آخرين سيؤثر في الدوائر الأصغر فقط، والسلطة تعلم ذلك، وهي تقوم بذلك طوال الوقت، من فتح المجال العام درجات عدة للحصول على الدعم والتأييد ثم تضييقها مجددًا. وهو يتوقع بالقياس لما حدث في الذكرى الماضية أن تتظاهر أعداد قليلة وتواجه باعتقالات واسعة عشوائية.

اعلان
 
 
هدير المهدوي