Define your generation here. Generation What

عن الغربة

(1)

حين تبزغ لفظة الغربة تتشكّل أمامي صورة بيرم التونسي بوجهه الممتلىء وشاربه القصير وضحكته الساخرة وعينه الحزينة. لا أرى معادلاً للغربة سوى بيرم الذي كان يقول إنّه يشعر بالغربة في كل مرة يسافر فيها إلى تونس حيث يعامل كمصري، وعندما يصل إلى أوروبا يعامَل كتركي، وباستقراره في مصر ينظر إليه الناس من خلال اسمه وجنسيته التونسية، وهو الرجل الذي أوسع الدنيا حباً بكلمات راقصة، وضجت صحف المعارضة بشعره الرافض، وتغنى المصريين بانتمائهم إليهم في الكد والكفاح بحثاً عن لقمة العيش. المصريون يوحدّهم رحلة السعي خلف الجنيه. وبيرم في أوقات بحثه عن الرزق لم يتنازل عن موقفه بحثاً عن قرب من بلاط ملكي أو طموحاً في منصب أدبي، أدرك بقلب يغلبه يقين المعارض النظيف أن وجوده على يسار السلطة سوف يقوّض بقائه في مصر التي ذاب فيها عشقاً وذابت فيه شعراً، حتى خشي أحمد شوقي أمير الشعر على الفصحى منه.

جسّد بيرم فكرة البحث عن هوية التي تحدّث عنها المفكّر الفلسطيني إدوارد سعيد، حين كان يكتب بالإنجليزية ما من المفترض أن يصل بلغة قوية إلى بني جنسه من العرب. اضطراب الهوية أو الإحساس بالغربة يكابده من تعرّض لتجارب متنوّعة، يكون أغلبها في السفر إلى الخارج كنوع من الحنين إلى الوطن بكل ما يحمله من ذكريات، أو إلى اللغة التي يشكلها أهل البلد وينتمي إليها دون أن يكتب بها مثل إدوارد.

(2)

“ما الغربة؟ لقد أجهدت نفسى لأحلل ما يمكن أن تكونه، ووصلت -بعد تفحصى للاحتمالات الكثيرة- إلى أنها يمكن أن تكون العيش فى مكان لا تعطى فيه ولا تأخذ عطاءً حقيقيًا وأخذًا من المشاعر. مشاعر لا يحتملها واجب اللياقة بل تتفجر بتلقائية وتنساب بلا عمد كأنها مياه الينابيع تتفجر لفرط اكتنازها تحت الأرض وتسيل إلى حيث ينتظرها ويتلقف المنخفض. مرة تكون أنت النبع وأخرى تكون المنخفض. لكن الغربة ببساطة تجعلك شيئا مسطحاً، أو ناتئاً ومحجوزاً بسور عال من الدلالات العميقة للغة، وإرث تقاليد المكان وأعرافه وخبراته الحياتية ومشاعره.

من تعطى ومن يعطيك حقيقة وأمامك كل هذا السور؟”

محمد المخزنجي- لحظات غرق جزيرة الحوت

(3)

يقول نجيب محفوظ في روايته “قشتمر” إن أشد أنواع الغربة هو ما تشعر به في وطنك، المكان الذي تحيا فيه ونشأت بين أركانه لا يسترعي الشجن أو يهيّج الشعور، تسمع العبارات الوطنية الرنانة فلا تثير عاطفتك، يشدو أحدهم بأغنية حماسية لا تحرّك بداخلك ساكناً. لماذا حين أقرأ بيت شعر شوقي: “وطني لو شغلت بالخلد عنه، نازعتني إليه في الخلد نفسي” أشعر أنه كتب خيالاً غير موجود على أرض الواقع. أن تسير في محطة المترو فترى وجوهاً تعظّم غياب الانتماء إلى غيرهم من البشر، أن تقرأ عن عائلة مات أحد ذويها داخل السجن دون أن يمنحها الزيارة الأخيرة، دون أن ينظر إلى أهله نظرة وداع تحفظها الذاكرة، دون أن يكتب حتى وصية. كثير من الشباب الآن لا يشعرون بالأهلية في وطنهم، فقرروا الهجرة بحثاً عن وجود لروحهم لن يلوح لهم في الأغلب. في السفر فوائد جمّة، لكن عندما يكون ذلك اختيارياً. حين سافرت الأردن حديثاً، ورأيت كيف أن البلد محدودة الموارد والأماكن والطرق هواؤها نظيف وتطبّق القانون وتمتلك مطاراً أفضل منّا أحسست بالغربة.

تتحدث لجنة العلماء بحماسة غير مسبوقة عن اقتراح مزعوم لـ”لجنة الضمير” دون أن يظهر للجنة أي أثر علمي في البلاد. الغثاء هو المسيطر على حالة العلم. الأحرى أن يبحث القائمون على أحوال البلد عن أسباب ذيوع إحساس كهذا في دواخل شباب من المفترض أنهم سيكونوا على رأس هرم البلد في غضون عقدين من الزمان. لماذا لم يحلل الناس إحجام من يمثلون نحو ثلثي الشعب عن المشاركة في الانتخابات؟ هل الوجوه التي تنضح بها أوعية السينما والموسيقى والإعلام تمثل أحلامنا؟ هل النواب الذين سيجلسون أسفل القبّة ممثلين للشعب؟ ما قد يعزز الشعور بالغربة أنّهم ممثلين بحسب الصناديق لقطاع كبير من الشعب. والواقع إن كثيراً من الوجوه التي فازت، وتتشدّق كل حين بكراهية الثورة والشباب لا تمنح أكثرية الشباب إلا إحساساً بالغربة في وطن، هبط ملايين منه في يناير ليُسقطوا نظاماً وفقدوا في طريقهم الأحبة والأصدقاء عن طيب خاطر، لكي يصلوا إلى محطة الوطن بسلام، ثم قاموا بثورة أخرى ضد من استخدم الدين طريقاً لكسب تعاطف الناس، واتبع الاستبداد من خلال تحصين دستوري قبل أن يسقط وجماعته على دماء أيضاً عظمّت من الإحساس بفقدان البوصلة لاسيما أن القطار لم يصل لمحطة الوطن بعد، ومؤشر بوصلة الاطمئنان لقيمة الوطن ومعانيه مرتعش. يقول الفيلسوف الراحل جلال عامر: “يتراجع دور الوطن فى الخارج، عندما يتراجع دور المواطن فى الداخل، فالمال فى الغربة وطن، والفقر فى الوطن غربة”.

لا يحلم الشباب بكرسي أسفل قبّة، أو مشاركة في لجنة/ منصب حكومي، وإنما يحلمون بتحقق أملهم الذين خرجوا إليه منذ 5 سنوات، ألا يجري توقيف شاب لرأي كتبه، ألا يستمر السباق واللهاث خلف الرزق النادر، ألا يغلق مسرح يعرض الفن، أو تصادر رواية، وألا يقرأوا كل ليلة رسالة من سجين شاب لا يحلم في الشتاء القارس إلا ببطانية تقيه الإحساس بنخر البرد للعظام، أي شعور بالغربة أكبر من ذلك؟

(4)

مـ المستحيل إنت تخدع أي طفل صغير

وتلف عقله وتعطيه القليل بكتير

لكن بأهون طريقة تخدع الجماهير

لو كنت أغبى غبي تجري وراك وتسير

خليل يصقَّف، يصقف شعب ويا خليل

من غير ما يسأل عن الأسباب والتفاصيل

وحمار يغني وجايب من يقول له: آه

حالاً تقول الخلايق كلها ويّاه

الحق يخفى و ي وسط الزحام ينداس

وناس في فهم الحقيقه تتكل على ناس

و ساعدك الحظ ياللي تحسن التجعير

بيرم التونسي- الجماهير

(5)

خلال مؤتمر أريج الصحفي الثامن، وفي ورشة عمل للصحفي الكندي جوليان شير الذي يعمل كمقدم لبرنامج استقصائي تلفزيوني في قناة CBC الكندية، حكى عن حلقة قاموا بتقديمها عن داعش وكيف أصبح ما يُدعى “تنظيم الدولة” قادراً بالفعل على تطويع الأهالي للدخول في زمرته. أتى بطل التحقيق “رامي”، وهو اسم مستعار لشاب سوري يبلغ الاثنين وعشرين ربيعاً، من “دير الزور”، المنطقة التي تقع تحت سطوة أصحاب الأعلام السوداء. وقع رامي كأغلب المراهقين في غرام فتاة، وبات الليالي يرسم مستقبلهما سوياً، ولكن دون سابق إنذار تدق طبول الحرب، تغيب معالم الوطن، وتنتشر داعش كبنزين مسّه للتو عود ثقاب. يسرد رامي في وجل أنّه حلم بالغرب وطائراته التي تخلّصه من ويلات جباية الأموال من قبل داعش، لا سيما وهو يشاهد بأم عينه أهل حبيبته يقدمون فروض الولاء والطاعة إلى تنظيم الدولة خوفاً من مغبة بطشهم. يمقت أهلها ويجن الليل فلا يحلم بها بين حضنه بل تصوّر له مخيلته نومها في حضن من يدعون الجهاد. حين يقول كلمتين فقط: “أنا خائف”، توقن أن الخوف صورة من صور الغربة.

تجييء غارات التحالف وتقصف منطقته فيموت 19 طفلاً في اليوم الأول. يرى في المساء كوابيس لأسرته تموت عن بكرة أبيها. يتعاظم داخله شعور بالغربة في مكان حمل منذ شهور ميلاد لآمال وئدت بالرصاص، والدم والقتل باسم الدين والحرية. يقول رامي: “عمري 22 عاماً، وأشعر أن عمري 100 عام. أريد أن أعيش كإنسان ولا أحد يساعدنا حتى الغرب”. تنتهي القصة ورامي لا يلقي بنفس اللوم على من يسعون إلى داعش. لا يستبعد أن ينضم إليهم شخصياً بحثاً عن سلامة أهله وحفظهم من الموت. فضّل الغربة على الموت، ربما بحثاً عن نقطة مضيئة في مستقبل ربما ينير في سماء البلدان العربية.

(6)

يقول بيرم التونسي في كتاب “المذكرات” المنشور ضمن “إصدارات الروائع” التي تصدرها دار “أخبار اليوم”، إنّه في منفاه في فرنسا، من فرط الجوع، نزل إلى الشوارع يتلّمس وجود مصريين يأكلون ليمنحوه من نفحات الطعام فلم يجد، فعاد للمنزل، وظل نحو ثلاثة أيام دون طعام، فتّش في كل أركان غرفته الضيقة في المنفى، كاد يشق الوسائد بحثاً عن ما يسد رمقه. وجد بصلة، حلم جميل يمكن أن يقضي على جوعه المستعر. لكنه لا يمتلك حتى ما يشعل به البصلة، استلف الكبريت من الجيران. فتّش عما يوقده، لم يجد إلا: قاموس عربي وفرنسي، ديوان أبو العتاهية، جوابات مع سيد درويش وعباس العقاد. أشعلها. هل نجحت الخطة؟ الحقيقة أن البصلة قد سقطت واحترقت.

يقول بيرم: “ولكن الدفء وحده في بلد مثل ليون يعد لقمة كبرى”.

اعلان