Define your generation here. Generation What

نخبة سريعة العطب

على كثرة ما فى تاريخ مصر من العجائب والمفارقات، فإن واحدة من أخطرها، و لعلها الأخطر بينها جميعاً هى سرعة إصابة نخبتها بالعطب، ثم الفساد والتحلل الذاتي، وما نقصده بالعطب والفساد تحديداً هو خيانة النخبة للمبادئ والأهداف التى حددتها هى بنفسها رسالة لها، والتزاماً عليها، ومعدل السرعة هنا يقاس بالسنوات، لا بالعقود، كما هى الأحوال الطبيعية فى غير مصر من دول الشرق والغرب والشمال والجنوب، إذ يبقى الجيل الأول على الأقل من النخبة الجديدة منيعاً ضد الفساد والإفساد والعطب والإعطاب.

فعلى الرغم من النقاء والحماس والتجرد الذى اتسم به الضباط الأحرار، ورجالهم من المدنيين فى فورة البداية، فإن بوادر العطب لم تلبث أن أصابتهم بمجرد أن حسموا لصالحهم الصراع مع محمد نجيب والإخوان المسلمين والأحزاب القديمة، أى فى غضون 3 سنوات، فقد بشروا بالعزة والكرامة للوطن، ونزاهة الحكم واستقامة الحكام كنقيض لفضائح القصر الملكى ورجاله، المالية والنسائية، وطلبوا من المواطن أن يرفع رأسه، لأن عهد الاستعباد قد مضى.

من هذه البوادر نشوء علاقات غرامية بعد عامين أو ثلاثة على الأكثر، بين بعض ضباط القيادة، وأميرات الأسرة العلوية، اللائى خططن لتهريب أموالهن ومجوهراتهن باستخدام نفوذ هؤلاء الضباط، ثم أخذ الخرق يتسع حتى انغمس الرجل الثانى فى النظام، و معه عدد لا بأس به من رجاله فى حياة لاهية وعابثة، قوامها “ليالى الأنس”، مع الفنانات وندماء الكيف، بل يكتب البعض أن جمال عبد الناصر اضطر لتنبيه نائبه الأول فى الرئاسة، وفى القيادة العليا للقوات المسلحة، أنه قائد جيش دولة كبيرة، وليس “شيخ خفراء”، عندما أصر الأخير على حماية بعض رجاله الفاسدين بعد أن أصبح فسادهم فوق طاقة الاحتمال.

كل هذا حدث قبل انقضاء العام العاشر على قيام ثورة يوليو.

كما يحكي كاتب آخر، أن المشير عبد الحكيم عامر أصدر أمراً، على قصاصة من ورق علبة سجائر “لعدم وجود ورق فى المكان لحظتها”، إلى مدير إحدى شركات السيارات يقضي بتسليم حامله سيارة فوراً! والمعنى هو الاستهانة بما يسمونه هيبة الدولة، لتحل محلها هيبة الشخصية، رغم أن هذه فى الحقيقة ليست هيبة شخصية، بقدر ما هى غرور صبيانى بالنفوذ.

هذه كلها كانت مقدمات لقيام دولة المخابرات، باعتراف جمال عبد الناصر نفسه بعد هزيمة 1967، حيث أدخل نظام يوليو تقاليد التعذيب المنهجى للخصوم والمعارضين السياسين، وهو ما لم تعرفه مصر فى الفترة الليبرالية، إلا فى حالتين اثنتين فقط، تحت حكم إسماعيل صدقى عام 1930، وإبراهيم عبد الهادى عام 1949، وفي العهد الناصري، ليس فقط أن المواطن أصبح غير قادرًا على رفع رأسه، ولكنه أصبح يخشى الهمس فى أذن أقرب الناس إليه بما يغضب السلطة.

لا نقصد بالتركيز على عامر فى هذه الأمثلة أنه كان وحده، ولكنه كان المثال الصارخ، لأنه كان الأقوى فى النظام، فهناك عشرات غيره، ولا نقصد، كما وضح فى الأمثلة السابقة، أن العطب و الفساد اللذين يصيبان النخب القيادية فى مصر بسرعة، متعلقان فقط بالإثراء غير المشروع، واستغلال النفوذ لمصلحة الأقارب و المحاسيب، ولكن ما نقصده بالعطب والفساد هنا هو كل صور سوء الأداء “المنهجى”، وكل أشكال التفلت من معايير الحكم الرشيد GOOD GOVERNANCE وفقاً للعقد الذى تولت به النخبة السلطة كما سبق أن ذكرنا، حتى وإن كان النظام ديكتاتورياً، ويدخل فى هذا التعريف أيضاً التهافت فى أساليب استرضاء السلطة العليا حتى بما لا يليق بالحد الأدنى من الكرامة الشخصية، كمن قال عن الرئيس السادات ذات يوم فى البرلمان بأنه يجب أن يكون فى مرتبة من لا يُسأل عما يفعل، أو كمن تقدم بمشروع قانون لمنح السادات لقب “سادس الخلفاء الراشدين”، أو كرئيس أحد برلمانات مبارك الذى ضُبط وهو يزور الانتخابات فى دائرته، رغم أنه كان أستاذ قانون دستورى بارعاً وبارزاً، أو كمن وضع الميثاق الوطنى لجمال عبد الناصر فى مرتبة واحدة مع القرآن والإنجيل و التوراة، وأخيراً كمن وصف  الرئيس السيسي ووزير الداخلية السابق، بأنهما من رسل الله.

من الواضح كذلك أننا لا نقصد بالعطب و الفساد هنا حالات الصراع الطبيعية على السلطة انطلاقاً من اختلاف الرؤى و الأفكار، والمصالح المشروعة، فمثلاً لم نستشهد فى حالة “يوليو” على سرعة سريان العطب والفساد فى صفوف نخبة القيادة بالصراع بين نجيب وبين ناصر وبقية الضباط لأنه كان صراعاً سياسياً بحتاً.

وبالطبع فإن و جود هذه الأمثلة لا ينفى أنه كانت هناك نماذج أخرى من القيادات ظلت عصية على العطب و الفساد طوال الوقت، ولكن ما نقصده تحديداً، وكما ذكرنا فى البداية هو أن طبيعة الأمور، تقتضى أن يظل “الجيل الأول”، على الأقل، من النخبة الحاكمة الجديدة منيعاً ضد كل عوامل الإفساد والعطب، وقد أدت بواكير العطب هذه إلى انتشاره ليكون القاعدة العرفية فى انفتاح السادات “السداح مداح”، وليكون أسلوب الحياة المقنن و المدافَع عنه من الرئيس شخصياً فى عصر مبارك.

هل كانت نخبة ثورة 1919 أبطأ من نخبة 1952 فى الانحدار نحو العطب؟

ننبه مرة أخرى إلى أننا لا نعتبر الخلافات السياسية المحضة مؤشراً على سرعة العطب، فلا الانشقاقات الأولى في حزب الوفد، ولا حتى محاولات اغتيال سعد زغلول ثم مصطفى النحاس باشا ما نقصده هنا، وإنما نقصد هنا، كما سبقت الاشارة، انقلاب النخبة نفسها على ما بشرت به من مبادئ وقيم، وما تصدت للقيادة من أجل تحقيقه، وهو انقلاب ظل منهجاً ثابتاً للطبقة السياسية (غير الوفدية) منذ لحظة إقرار دستور 1923 حتى قيام ثورة 1952.

لم يكن حبر الدستور قد جف، حين قال واضعوه أنفسهم إنه ثوب فضفاض على الأمة المصرية، لا لشيئ إلا لأنهم أدركوا أن الانتخابات العامة المباشرة التى أقرها الدستور لن تأتى بهم إلى الحكم، لأن الأغلبية ستذهب الى الوفد، وهكذا شارك هؤلاء (وأقصد بهم “الأحرار الدستوريين”، متحالفين مع رجال القصر) فى كل الانقلابات الدستورية، حتى إن رجالاً مثل أحمد لطفى السيد وعبد العزيز فهمى، وهما من هما، فكراً وعلماً وإيماناً بالديمقراطية، كانا دائمًا من أقطاب الحكومات الانقلابية، بل وقد عمل لطفى السيد نفسه نائباً لإسماعيل صدقى ديكتاتور القصر فى إحدى الحكومات، ولنتذكر أن أول انقلاب دستوري حدث بعد سنة واحدة من إقرار الدستور، ووقع الثانى بعد أربعة أعوام من الأول، وتلاه الثالث بعد عامين.

[هنا أتذكر ما قاله مهاتير محمد مؤسس نهضة ماليزيا السياسية و الاقتصادية، فى ندوة بجريدة “الأهرام” عُقدت فى إبريل عام 2011، حينما أشار إلى إن الشرط الأول والجوهرى لنجاح النظام الديمقراطى هو قبول المهزوم  انتخابياً للهزيمة، وأقارن بين هذا القول، وبين قول الدكتور محمد حسين هيكل، الأديب و المفكر وحامل الدكتوراه فى الاقتصاد السياسي، فى مذكراته، إنه ذهب إلى السفير البريطانى، السير مايلز لايمسون، سنة 1936، طالباً منه عدم ممانعة بريطانيا فى إقالة الملك لحكومة النحاس باشا، لأن هذه الحكومة تمارس ما وصفه هيكل بـ”دكتاتورية الأغلبية”، فرد عليه السفير البريطانى متسائلاً: “ولماذا لا تنتظرون حتى موعد الانتخابات التالى، وتبذلون جهدكم لإقناع الناخبين بعيوب الحكومة، فلا يعاد انتخابها؟”، وهو ما لم يقتنع به الدكتور هيكل الذى كان من أقطاب الليبرالية المصرية (على الورق).

لم تكن الانقلابات الدستورية هى العَرَض الوحيد لسرعة إصابة نخبة ثورة 1919 بالعطب، وإنما كانت هناك أيضاً الانشقاقات الحزبية غير المبررة بأسباب سياسية، ولكن بدوافع شخصية أكثر مما يجب، كانشقاق ماهر و النقراشى بسبب الغيرة من مكانة مكرم عبيد لدى زعيم الوفد، ثم انشقاق عبيد نفسه بوعد غامض من رئيس الديوان الملكى بإسناد رئاسة الوزارة إليه.

مثال آخر على سرعة إصابة نخبة ثورة 1919 بالعطب هو إجبار حكومة على ماهر، لمؤسس بنك مصر طلعت حرب على الاستقالة من إدارة البنك الذى أسسه، وإلا سحبت الحكومة أرصدتها منه، لا لشيئ إلا لأن طلعت حرب لم يكن خاضعاً بما يكفى.

حدث كل هذا وأكثر، على يد الجيل الأول لنخبة 1919، و استمر هذا الداء ملازماً لبقايا نخبة ثورة 1919 من الجيل الثانى، فرأينا الرشاوى تُدفع للقصر الملكى لإقالة حكومة كانت تريد محاربة الفساد، ورأينا التلاعب فى بورصة القطن، والإتجار فى الأسلحة الفاسدة فى حرب فلسطين 1948، وبعد حركة الضباط الأحرار نجد رجلاً فى قامة الفقيه الدكتور عبد الرزاق السنهورى يبذل كل ما فى وسعه لنصح الضباط بالانفراد بالحكم، ولتخريج الأسانيد القانونية لدعم هذا الانفراد، وكل هذا كيداً فى حزب الوفد صاحب الأغلبية.

و قد اخترنا التركيز على نخبتى 1919 و1952، لأن هاتين المناسبتين، وفق أى معيار، هما المناسبتان الكبريان فى تاريخ مصر التى تغيرت فيهما النخبة الحاكمة بفعل ثورى أو شبه ثورى، على خلاف الثورة العرابية التي لم تنجح بسبب الاحتلال فى تغيير النخبة الحاكمة، ولأن المناسبتين حفلتا بفرص النهوض الشامل لمصر سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، ولكن السرعة التى اجتاح بها العطب النخبتين هي ما بددت هذه الفرص.

قد يرد إلى أذهان البعض هنا سؤال حول أثر ثورة يناير 2011 على أحوال النخبة السياسية المصرية، والإجابة واضحة، وهى أن ثورة يناير لم تنتج نخبتها الحاكمة، وما يحدث الآن هو محاولة لتجديد نخبة يوليو 1952 من داخلها هى نفسها، خاصة بعد سقوط الإخوان الذين كانوا هم أنفسهم قوة من الماضى غير السعيد.

بضدها تتميز الأشياء

لكى نتأكد أن النخب المصرية سريعة العطب انظروا إلى الدول الأخرى التى مرت بظروف مشابهة. ظلت نخبة أتاتورك التركية متماسكة ومخلصة لرسالتها مع أتاتورك نفسه، ومع خليفته عصمت إينونو، ثم استمر التماسك والإخلاص حتى أوائل الستينات، أي أننا نتحدث عن أكثر من أربعين عاماً، ثم ها هى النخبة التركية تتجدد دون أن يطرأ عليها فساد أو تحلل، ولنتذكر دائماً أن الصراعات ذات الطبيعة السياسية البحتة لا تدخل فى مقياسنا لعطب النخبة كما سبق الإيضاح، لأن الصراع السياسى وارد دائماً، وواجب أحياناً، لتجديد النخبة نفسها.

انظروا أيضاً إلى نخبة الاستقلال الهندية، فرغم شيوع الفساد على مستوى الإدارة الدنيا فى البلاد بسبب الفقر، فإن النخبة السياسية الهندية لا تزال تقدم أنقى النماذج من حيث النزاهة و التجرد وسائر الالتزامات الأخلاقية الصارمة، فلم يحدث قط أن خُصص لوزير هندى سيارة فارهة أو متوسطة فضلاً عن أن يكون قد تقاضى عمولة أو رشوة، أو هرّب أموالاً إلى الخارج، وهنا أيضاً لا ننكر وجود استثناءات بالغة الندرة مرجعها الضعف الإنسانى الفردى، وليس شيوع عرف التربح من السلطة، أو اتباع أساليب غير ديمقراطية، وغير قانونية للاحتفاظ بتلك السلطة.

هل تريدون أمثلة أخرى؟    

قد يظهر فى الصين، بين الحين والآخر، سياسى من الصفوف الوسطى تثبت عليه تهم الفساد المالى أو غيرها من صور العطب، فيكون الإعدام، بالقانون، مصيره فوراً. وعندما أدرك الصينيون أن العطب يمكنه اللحاق بالنخبة جراء البقاء فى الحكم طويلاً وضعوا نظاماً صارماً لتداول المناصب الكبرى بحيث لا تزيد فترة تولى المناصب السياسية على فترتين لكل شخص، أى لا تزيد مدة بقاء رئيس الجمهورية، أو رئيس الوزراء، أو رئيس البرلمان، أو رئيس اللجنة العسكرية للحزب، على عشر سنوات. ولم تندلع فى الصين صراعات يغذيها الطموح الشخصى إلا فى شيخوخة زعيمها التاريخى، ما وتسي تونج، فى أواخر السبعينيات، وبقيادة أرملته، تلك الحادثة التى عرفت بـ”مؤامرة عصابة الأربعة”، لكن حتى فى هذه الحالة تمكنت النخبة، بفضل تماسكها والتزامها برسالتها، من هزيمة المؤامرة بسرعة، وتجديد نفسها والانتقال إلى العمل الجاد للنهوض بالبلاد.

وماذا عن ماليزيا مثلاً؟

إن أول قضية تنازع تحمل رائحة التناحر الشخصى كانت تلك التى وقعت بين مهاتير محمد فى أواخر عهده بالسلطة، وبين نائبه أنور ابراهيم، واتهم فيها الأخير بممارسة الشذوذ الجنسى، ولكنها وقعت منذ عدة أعوام فقط، أى بعد أربعين عاماً أو أكثر من قيام اتحاد ماليزيا، ونشوء نخبة الاستقلال الوطنى، وظلت قضية واحدة، أى ظلت استثناء، ولم تعد دليلاً على كون الصراعات الشخصية على مغانم السلطة، نمطاً مسيطراً ومستمراً فى أداء النخبة هناك.

وماذا عن الديكتاتوريات الكبرى؟

لقد  انتحر هتلر بعد أن خسر الحرب دون أن تُسجل عليه أو على رجاله قضية انحراف واحدة، اللهم إلا غرام نائبه جورينج بجمع اللوحات الفنية. وظل فرانكو يحكم أسبانيا، حكماً ديكتاتورياً صارماً ما يقارب الأربعين عاماً، دون أن يلحق فساد مالى به، أو برجاله، ولم يعرف عنه، أو عن رجاله، الاستغراق فى المتع والشهوات والهزل، إلخ. وترك الرجل بلده قادرة على تأهيل نفسها للانضمام للسوق الأوروبية المشتركة فى غضون سنوات تعد على أصابع اليد الواحدة.

لكن لماذا نشرق ونغرب واسرائيل بجانبنا وأمامنا؟ إن أول حالة عطب ذكرت عن النخبة الاسرائيلية كانت غرام موشى ديان وزير الدفاع بتورتة “موس الشيكولاتة” فى أحد مطاعم تل أبيب قبيل حرب 73 مباشرة، واعتُبر هذا من علامات تسرب حياة الترف والدعة إلى صفوف القيادة الإسرائيلية، مما تسبب فى تقصيرها فى تلك الحرب، أما ثانى قضية فكانت احتفاظ زوجة إسحاق رابين بحساب دولارى فى واشنطن، وقد أشرنا إلى هذا القضية فى مقال سابق. أما القضية التى تحمل شبهة فساد حقيقى مالى فكانت ضد رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت، وكانت حول ثمن شقة سكنية ورحلة سياحية، وحوكم الرجل وسُجن، منذ بضعة أعوام، أى أننا نتحدث عن 60 سنة مرت على قيام اسرائيل قبل أن تظهر فيها قضية فساد، تكاد تكون جنحة واحدة أمام آلاف الجرائم التى ترتكبها نخبتنا بأسرع مما يتوقع الأكثر تشاؤماً.  

أين المشكلة بالضبط فى مصر؟  

يرى البعض أن المشكلة فى حكم الفرد، ولكننا رأينا أن نخبة الفترة الليبرالية قبل 1952 أصابها العطب أيضاً بسرعة.

وآخرون يرون السبب هو انقطاع التراكم فى تاريخ مصر، أى البناء المتواصل فوق ما سبق، ليس اقتصادياً فحسب ولكن أيضاً ثقافياً وسياسياً واجتماعياً، بحيث تستقر تقاليد، وتتوطد مؤسسات، وتتراكم خبرات، وهذا صحيح إلى حد كبير، ويفسر به المؤرخ البريطانى المتخصص فى الشرق الأوسط، بيتر مانس فيلد، الفشل المتوالى لمشروعات النهضة فى منطقتنا من العالم منذ منتصف القرن 19.

ويرى فريق ثالث أن إحدى خصائص الطابع القومى المصرى هى البدء باندفاع عاطفى بأكثر مما يلزم، سرعان ما يتبدد لأنه فوق طاقة الاحتمال الإنسانى، وعندما يتبدد هذا الاندفاع، فى غيبة التقاليد الراسخة والمؤسسات الوطيدة والخبرات المتراكمة، يتسرب الإحباط، وتتغلب المصالح الفردية ويأتى العطب، وتروج مقولة منسوبة لسعد زغلول هى “ما فيش فايدة”.

أما المعجبون بتحليل فيلسوف الجغرافيا الراحل جمال حمدان لشخصية مصر، فيشيرون إلى قوله بإن إحدى أهم الخصائص المستمرة فى التاريخ المصرى منذ الفراعنة، هي اعتماد النظام السياسى فيها على أحط العناصر نفسياً وخلقياً، بالإضافة بالطبع إلى استمرار الطغيان الفرعونى بعد انقضاء مبرر وجوده.

وهناك فوق هذا الفريق المؤمن بالمؤامرة العالمية المستمرة على مصر، تفسيراً للإخفاق المستمر لنخبتها السياسية، وكان هذا موضوع مقالنا السابق.

هل مطلوب من كاتب هذه السطور تقديم تفسير إضافى، أو تبنى أحد التفسيرات السابقة؟

أظن أن كل هذه التفسيرات صحيحة، ولكن الأفضل من وجهة نظرى تقديم وصفه للعلاج، وهذه الوصفة  بكلمات محدودة، هى البدء بجدية فى بناء نظام سياسى قائم على توازن السلطات ومراقبتها لبعضها البعض أو ما يسمى بالانجليزية بال ـCHECKS AND BALANCES  (مراقبات وتوازنات)، فمثلما يمنع هذا التوازن تركز السلطة فى يد فرد أو جماعة محدودة، فهو يمنع أيضاً تراكم الأخطاء وإخفاءها.

وبهذا ينتهى الطغيان الفرعونى، وتقل حظوظ “أحط العناصر”، ويتحقق التراكم، وينضبط الاندفاع العاطفى، وتتضاءل مشاعر الإحباط، وتقوى المناعة ضد المؤامرة العالمية المستمرة، إن كانت موجودة حقاً كما يروج الكثيرون.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد