Define your generation here. Generation What

متلازمة أنا الدولة

التوحُّد بين الحاكم وما يحكُم أمرٌ قديمٌ قِدم الدهر، ينساق إليه كلُ مَن يعتلي العرش لسنوات طِوال، فيلتصق بمكانه، وتتغير تدريجياً رؤيته للأمور، إلى ألا يعود قادراً على التمييز بين ذاته وذوات أخرى توجد في فضاء الحُكم.

بعض الحُكّام يتكلمون مُلهَمين باسم الإله، وقد يتوحدون كذلك معه، وربما يتصورون في أنفسهم آلهة مستقلة بذاتها، لا يُرَدُّ لها أمرٌ. حُكّام آخرون يتماهون مع الوطن، يتضخمون ويتمددون، وتتسع مخيالاتهم لتصبح حدودهم الشخصية بامتداد حدوده، وتغدو مكوناته بالتبعية مِلكاً أصيلا لهم،  ومِن ثمّ يصبح فناؤهم مرادفاً لفنائه. مَن ينتقد أفعالهم ينتقد الوطن، مَن يُعارِض قراراتهم وتدابيرهم يُعارِض مصلحة الوطن، مَن يرفض رؤاهم أو يحاول تقديم رؤى بديلة لا يرمي حتماً إلى خير الوطن، وبالطبع فإن مَن يحاول البحث عن بديل، ومَن يفكر في الدعوة إلى التغيير أو حتى في منافستهم شكلاً لا موضوعاً، إنما هو عدو مبُين للوطن، مصدر خطر عادة ما تستوجب أحوال البلاد وأوضاعها الفتك به. مُتلازمة قَلَّ أن يهرب مِن أعراضها مَلِكٌ أو رئيس صمَّمَ على بقاءٍ أبديّ، واتخذ تدابيره، ولم يَجُل بخاطره أبداً أن يترك -في مستقبل قريب أو بعيد- مِقعدَه لقادمٍ جديد.

كلُّ حاكِم مِن هؤلاء يتصور أن ما بعد سقوطه طوفان أكيد، خراب ودمار  يتوغلان في كل مكان ولا يتركان أخضر ولا يابس. لم لا وكلهم يرى أنه حامي الحِمى الأعظم الذي انتخبته الأقدار للقيادة والعبور. يعرف أكثر مما يعرف الجميع؛ يفهم أفضل، يفكر أفضل، يخطِط أفضل، وينفِذ أفضل، ومِن ثمّ يتكون لديه يقينٌ لا احتمال، بأن زواله زوالٌ لأطايب الأشياء كافة.

رأينا الحاكم الذي أكد أن بديله الوحيد هو انهيار الدولة وحلول الفوضى السرمديّة. ذهب وبقيت الدولة وتبخرت الفوضى التي اصطنعها أعوانه والموالون له في زمن قصير. نظم الناس حياتهم في غيابه بأفضل مما كانت، أعاد كثيرون اكتشاف أنفسهم وقدراتهم، ولم يَفُتهم إطلاق وابل مِن رصاصات التهكُّم وأطنان مِن النكات الحارقة، ساخرين من تصوراته وسذاجة أفكاره.

رأينا حاكماً تالياً حاول في فترة قصيرة أن يصبح هو الدولة، أن يُسَيطر على مفاصِلها وعلى المفاتيح الرئيسة التي تتيح استئناسها وترويض وحوشها، لكنه لم ينل الوقت الكافي. لفظته الدولة التي لم تَدِن له بالولاء أبداً، أفهمته أن التوحُّد بها له شروط لا يملكها ولا يقدر عليها. ذهب هو الآخر، وبقي الناس على ما هُم عليه، يمارسون طقوسهم المعتادة ويسخرون.

رأينا كذلك الحاكم الحالي يؤكد ويعيد التأكيد مرة بعد أخرى أن ما دونه ذهاب بلا عودة، نهاية لا يمكن الرجوع عنها، وأن مَن لا يعجبهم أسلوب إدارته، ومَن لا يؤيدون نظامه، ومَن يفكرون في ممارسة أي عمل احتجاجيّ تجاه سياسته وقراراته، ما هم إلا أشقياء مأجورون، يستهدفون إسقاط الدولة والقضاء عليها. رأيناه لا يميز بدوره بين كيانات مترابطة لكن كلاً منها قائم بذاته؛ نظام حُكمه، والدولة بأجهزتها ومؤسساتها، والوطن الذي تضمُّ مفرداته أرضاً وشعباً، حدوداً جغرافية وتاريخاً صنعه بشرٌ  ولا يزالون يضيفون إليه فصولاً. الحاكِم المُتوَحِّد بهذه المفردات جميعها يرى في الرافضين لأشكال الظُلم مُخربين، وفي الساعين إلى تحقيق العدل مُعتدين، وفي الوقت ذاته يغمض عينيه عن آلاف المغبونين. يُدلل مَن يُسلّمون بأنه والدولة واحدٌ لا تنفصم أجزاؤه، ومَن يرون مواتاً في غيابه، ويلفظ مَن لا يزالون حتى الساعة متمسكين بسلامة أبصارهم وبصائرهم.  

في إحدى خطبه الأخيرة يلوك اتهاماتٍ مكرورة، طالما أطلقها سابقون. يواجه معارضيه الداعين إلى إحياء يوم الخامس والعشرين مِن يناير، وينبه جمهوره إلى أنهم يريدون “إضاعة” البلد، و”تدمير” الناس، ويضيف أنه لا يقبل هذا ولا ذاك. الدولة التي تُدَمَّر “لا تعود”، والخوف الرئيس الذي ينتابه ويؤرقه هو خوفٌ على “المصريين”. في غمرة حماسته نسي الحاكم أن مُعارضيه هم أيضاً مصريون، وخَلَطَ بين الوطن الباقي ونظام الحُكم الزائل بالضرورة يوماً، مهما دام واستتبت له الأمور، ومهما بدت دعائمه ثابته مُستقرة، وأصفاده متينة مُستحكمة.

أظن ألا حاكماً بين حكامنا توجَّه مرة إلى مُعارضيه بما يليق؛ بقليل مِن الاحترام والاستيعاب؛ خطاب مُتزن، وكلمات لا مبالغات فيها ولا أوهام وضلالات، لا مَفرمة ولا نظريات مُطولة تشرح المؤامرة. أظن ألا حاكم اعترف في لحظة من اللحظات بحتمية وجود مخالفين دون أن يعمل على تشويههم، وألا حاكم استساغ أن يرى غيره يزاحمه المشهد، ويحرمه التمتع بالأضواء وحده. أظن كذلك ألا حاكم تشدَّق بأن الشعب قد أراده ذات مرة، إلا وتنكر لهذه الإرادة فور أن تغيرت وجهتها.

الخارجون في يناير وإن كانوا يجازفون بسنوات مِن أعمارهم يقضونها مَخفيّين، أو حتى مُقيدي الحرية في أماكن معلومة، وإن كانوا لا يعبأون برصاصات يتلقونها في أعينهم أو صدورهم النحيفة التي تُختَرَق بيُسر وسهولة، وإن اختلف معهم رفاقٌ آخرون يحبذون سُبلاً أقلَّ خسائر، الخارجون إلى الميادين وإن كانوا مجرد أحاد أو عشرات، ليسوا أعداءً للوطن ولا للشعب، بل هم معارضون للنظام على اختلاف انتماءاتهم، سواءً تمثل هذا النظام في فرد وحيد أو في صفوة حاكمة، هؤلاء هم على الأغلب البقية الباقية التي لا تزال قابضة على جمر الحرية، أما متلازمة “أنا الدولة” فأظنها لم تعُد صالحة للاستخدام ولا مقنعة لكثيرين، إنما يرضى بها نفرٌ مِن الناس لشُحّ البدائل، وفقر الاختيارات الحاضرة أمامهم في لحظة تعيسة مِن التاريخ.

اعلان
 
 
بسمة عبد العزيز