Define your generation here. Generation What

كان فيه وخلص.. أخي في الله

(1) 1995

عندما كنا ندرس في الابتدائي أن السيارات ستسير بعصير القصب عام 2000..

وعندما كان “بم بم” حريصًا على أن “يقدم جوايز”، وظل “سافو” حافظًا مقامه، بينما كان هناك إنسان فخور بشكل غير مبرر في الإعلان بأنه “نحن البربري”.

عندما كنا نشاهد “اخترنا لك” يوم الأربعاء، بينما عمرو خالد يتحدث عن حب الله في بيوت أصدقائه في المهندسين، وحزب “التجمع” يقود المعارضة في البرلمان.

عندما بدأ أحمد خالد توفيق في كتابة أول قصة في سلسلة “ما وراء الطبيعة”، وانتقل رضا عبد العال من الزمالك إلى الأهلي بـ 615 ألف جنيه لمدة خمس سنوات في صفقة وصفت بالخيالية.

عندما كنت في أولى ثانوي وكانت أهدافي في الحياة إصلاح كوكب الأرض والانتهاء من قراءة سلسلة “رجل المستحيل” وحفظ الجزء الـ 30 من القرآن..

وقتها تعرفت على الإخوان.

(2) 1996

أريد التقرب إلى الله فأقرر الانتظام في الصلاة بالمسجد، هناك ألتقى أستاذ عبد المنعم، خريج جامعي بالغ اللطف، يقول لي: تعال العب معانا كرة.

أجلس مع أستاذ عبد المنعم في المقرأة لأتعلم أحكام التجويد.. أخرج مع أحمد شمس لتوزيع وجبات رمضان.. أمر على الأطباء لإقناعهم بقوافل طبية مجانية للفقراء.

أتقاسم مع حسام ياسين كوب الماء البارد الوحيد خلال سفرنا إلى الإسكندرية، بينما والدتي تقول لي: “أصحابك مؤدبين جدًا يا أحمد”.

أكتشف أن أصدقاء المسجد إخوان.. هل أحب الإخوان؟.. قطعًا أحب الإخوان.. وأدهشني لحظتها أن هناك شخصًا بالعالم لا يحب الإخوان.

(3) 1999

وأعانه عليها قوم آخرون..

أقف في المدرج مبتسمًا أنظر في عيون الطلبة بثقة، أقرأ القرآن ثم أبدأ في الحديث عن التوبة ومساعدة الناس.

الغالبية تستمع بإنصات، وفجأة يقف طالب مشيحًا بيديه بغضب ثم يخرج محتجًا.

يبدو كارهًا لي بوضوح. أنزعج، فنادرًا ما كان لي خصوم أو حمل أحد ناحيتي ضغينة. أنهي حديثي بسرعة وألحق به ثم أسأله بمودّة:

ــ إنت زعلان مني في حاجة؟

ــ بتعمل كده عشان انتخابات اتحاد الطلبة.

ساءني كلامه، فلم أكن أفكر في أصوات انتخابية. أوضح مقصده قائلاً:

ــ نازل انتخابات اتحاد الطلبة كمان شهر قدامك.. كل اللي باعرف أعمله نشاط للطلبة.. أنت اتعرفت وبتدخل المدرجات.. أنافس إزاي الولد اللي خلى دي تتحجب وخلى ده يصلي.

تعالت حولنا أصوات “ما تعمل زيه” أو “آه بيتكلم صح”، لكني لم أخض جدالًا.

اقتنعت، ووحدي فكرت طويلًا مرتبكًا قبل أن أتعهد أمام نفسي بعدم الاشتراك في أي عمل تنافسي أو انتخابي مستفيدًا من شهرة لم تخلقها السياسة.

بدا القرار لي بسيطًا.. لكنه لم يكن كذلك للتنظيم.

(4) 2000

مظاهرات التيار الإسلامي “حضارية” تسير في طابور منظم، بينما تتطور مظاهرات “الطلبة الاشتراكيين” إلى اشتباكات بالحجارة مع الأمن فيجمع مسؤول الجامعة طلبة التيار الإسلامي، موضحًا أن دورنا إيقاف ما يحدث قائلًا:
ــ اتفقنا نفصل بينهم.

لا يعجبني الأمر؛ فأقول له بعصبية:
ــ إيه الكلام ده؟.. نفصل بين مين ومين؟.. وافرض اتجرينا لاشتباك مع طلبة زينا.

ــ يعني يرضيك العساكر الغلابة اللي بيترمي عليهم طوب دول؟.. مش حرام يعني؟.. واتطمن، رايحين نمنع الصدام.

تحرك زملائي طلبة التيار الإسلامي بينما تجمدت معاندًا في مكاني.

لم يعاتبني أحد، ربما لأن الانطباع السائد أن الجدال مع “الواد اللي بيقرا كتير ده” ينتهي بانتصاري كلاميًا، وربما لأني كنت مشهورًا بمزاح يمنع الوصول معي إلى أية نتيجة.

لا أعلم، هو فقط تجاهلني وواصل، قبل أن يعودوا سريعًا دون أن يفعلوا شيئًا عندما وجدوا الأمن فض مظاهرة الطلبة بالفعل.

مر اليوم ولم تمر تساؤلاتي، وكل شيء يبدأ بالتساؤل.

(5) 2007

اختفى الإخوة من حياتي لسنوات بعد التحاقي بالتجنيد ثم انشغالي بعملي بالصحافة.

بعد سنوات اشتقت لأصدقائي، عدت للقاء بهم؛ فانضممت فعليًا للتنظيم (عضو منتظم).

عدت بأفكار.. في لقاء الأسرة تحدث النقيب “المسئول التنظيمي” عن حق الأخوة.

ذكر آيات وأحاديث جميلة عن حب أخيك تنتهي إلى أنه من حقوق الأخوة عليك، إذا تقدم اثنان للعمل الذي تديره، أن تفضل المسلم على المسيحي، والملتزم على غير الملتزم، وعضو التنظيم الذي يدعو معك إلى الله، على الملتزم العادي الذي لا يحمل هم تحكيم شرع الله، فقاطعته قائلًا:
ــ ده فساد.

بدا مصدومًا من وصف ما يراه حق الأخوة بالفساد؛ فدافع قائلًا:
ــ أكيد لو “اللي مش أخ” أكفأ تختاره.. باقول في حالة التساوي في الكفاءة تختار الأخ.

ــ وأنا بقول ده فساد.

حاول شرح فكرته عبر ما يعتبره المدخل الأكثر وضوحًا وهو تفضيل تعيين المسلم على المسيحي.

سخرت منه ومن مثاله، فرد متصورًا أنه تخلص منّي بالقاضية:
ــ من أحب قومًا حُشر معهم.. بتحب المسيحيين؟

ــ آه.. بحبهم.. انت متخيل إني بكرههم؟

ــ حتتحشر معاهم حبيبي.

(6) 2011

ما أصعب الهدم وما أسهل البناء..

أكتشف أن السلفيين ليسوا وحدهم السلفيين، أفكار الإصلاح تتحول إلى أفكار ثورة.. أكتب مقالات منتقدة للتنظيم فأُحال للتحقيق.. أصك مصطلح “المبرراتية” فأحال للتحقيق.

تنتهي علاقتي بالتنظيم تدريجيًا، يقتربون من السلطة فأقترب من الرحيل، أدرك أنه لا معنى لأن تنتمي لمن صرت مرتابًا منه لدرجة عدم انتخاب قائمته أصلًا في مجلس الشعب.

بعد أحداث “محمد محمود” بات الأمر محسومًا لديّ، فأكتب، ليس عن سبب تركي لهم، ولكن عن قضايا تصب في وجوب تركهم هم للتنظيم.

ألتقى “فخري”، وكان واحدًا من أقرب الناس لقلبي خلال سنوات الجامعة، يقول لي:
ــ عاملين دوشة على بنت اتعرّت.. علشان يخدموا على تيار بعينه.. فاكرينا هبل، حنصدق إن الكاميرات كانت جاهزة تصور أول العساكر ما قربوا من البت بتاعتهم.. وإنها مش قصة مترتبة عشان يبوظوا لنا الانتخابات.

ثم قال لي بحكمة:
ــ بس أنا مش مع الإخوة اللي بيتكلموا في ده علنًا.. ده يخسرنا.. وليس كل ما يُعرف يُقال.

تحدث طويلًا فاستمعت له بإنصات وهدوء حتى قال بانزعاج:

ــ مبتردش ليه؟.. هو أنا بكلم نفسي؟.. عايز أسمعك.

تكلمت، لذا أعتقد أن علاقتنا انتهت إلى الأبد.

(7) يناير 2013

خلال حكم محمد مرسي، وأثناء ذكرى 25 يناير الثانية، تقتل الداخلية 72 شخصًا خلال احتجاجات في القاهرة أو السويس أو أمام سجن بورسعيد.

أنشر صورة لوالدة أحد الضحايا عبر حسابي على “فيسبوك”؛ فيعلق عبد الرحمن عندي قائلًا:

ــ أنت مش فاهم حاجة يا أحمد.. الداخلية أخيرًا بتقف ضد مؤامرة العلمانيين والبلطجية على الرئيس المسلم.

أستاذ عبد الرحمن علمني أحكام الفقه، وما جدوى أحكام الفقه إن كانت ستبرر قتل الناس؟

أفزعني التوحد النفسي مع السلطة، فأصبت بهوس البحث عن عضو بالتنظيم يدين إزهاق الشرطة للأرواح.

النتيجة: لم أجد أحدًا.. ربما رفض شخص من التنظيم القتل ولكن الأكيد أنه، من بين مئات ومئات كانت تربطني بهم علاقة، وتحدثت معهم أو تابعت آراءهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لم أجد أحدًا.

أتأملهم بريبة. أصبحت واثقًا من شماتتهم لو قُتلت أو مُنعت من الكتابة أو سُجنت باعتبار هذا عقابًا إلهيًا لمعارضي ما يسمونه “مشروعهم الإسلامي”.

كان عبد الرحمن الأقرب لقلبي.. الآن لم أعد أرتاح أصلًا لوجوده في دائرة معارفي.

(8) 2013

“قلوب لم تجتمع وأحباب لم نرهم ولكننا نذكرهم في دعائنا.. أحبك الله”.

هكذا وصلتني رسالة من صديقي خلال الجامعة حمادة.. كانت مريبة جدًا.. أنا أحباب؟ هل أفهم من هذا أنه لا يتابع مواقفي السياسية الآن؟

أرد على رسالته بتهذيب حذر، ولا تمضي سوى أيام حتى يكتب لي على “فيسبوك”:
ــ لقيت حسابك هنا.. أعتقد أن اللي أنت متصور معاه ده هو “ذكر اسم صديق ناشط”.. هي وصلت لكده؟ اللهم ثبتنا على طريق الحق.

ــ أنت زعلان مننا في حاجة؟

ــ مننا؟ أكيد قصدك العلمانيين الشواذ.. أصحابك اللي بيحقدوا على الإسلام ومسلمين بالبطاقة اللي تلاقيك بقيت بتكره الدين زيهم.

أرد على ما أعتبره إهانة بإهانات أشد؛ فيبهت قائلًا:
ــ إيه ده؟.. أنت بتشتم؟.. أحمد اللي اعرفه صاحب مبادئ ومحترم.

ومن كان يرفض أن يشاهد برنامج باسم يوسف الساخر، وحجته أن الله قال: “لا يسخر قوم من قوم” أصبح ينشر على حسابه فيديوهات “جوتيوب” الساخرة.

بدا مثيرًا للرثاء.. لم يعد لديه أي معيار موحد للصواب والخطأ.

كلنا نخطئ، لكنني أكذب فلا يحوّل هذا الكذب إلى حلال، أسب فلا يكون السباب تقربًا إلى الله، أخطئ فلا يصبح خطئي صوابًا، والأهم أني أعرف أنك يمكن أن تهزمني في جدال دون أن ينهزم دين الله.

مررت على الإخوان.. حالي أفضل من غيري.. فالكثير مروا على التنظيم في شبابهم.. والكثير مر التنظيم على شبابهم.

حمادة لم يعد يرسل لي رسائل ودودة في المناسبات.. خسرت من كانوا يرونني أخًا في التنظيم.. وأتمنى أن أكسب إخوة في الله وفي الإنسانية.

اعلان