Define your generation here. Generation What
«س» و«ج»: الإضراب في مصر.. حق أم منحة؟
 
 

إضراب عمال شركة مصر شبين للغزل يدخل أسبوعه الثالث، للمطالبة بصرف المستحقات المالية المتأخرة، وعمال “بوليفار” يواصلون احتجاجاتهم، اعتراضاً على عدم صرف رواتبهم المتأخرة، ورهن صرفها ببيع قطعة أرض من أصول الشركة فى منطقة السيوف، والعاملون بشركة “فيستيا” للملابس الجاهزة بالإسكندرية، يستمرون فى احتجاجاتهم رفضاً لبيع أرض الشركة، ونقلهم إلى شركة أخرى، وعمال شركتى الترسانة البحرية والبورسعيدية لإصلاح السفن يواصلون إضرابهم لليوم 22 للمطالبة بكادر مالى وإدارى، أو التبعية الكاملة لهيئة قناة السويس، وعمال “بترو تريد” في أسيوط مستمرون في إضرابهم للأسبوع الثالث، للمطالبة بضمهم للائحة 2004 التي تضمن لهم امتيازات مالية أفضل، وأنباء عن إضراب عمال “المصرية للاتصالات” اعتراضًا على خفض العلاوة الدورية. كل هذا كان جزءًا من المشهد العمالي في مصر خلال الأيام القليلة الماضية، في حين يقول وزير القوى العاملة جمال سرور في حوار مع “الشروق” اليوم، الإثنين، “من المؤكد أن تعطيل العمل وتخسير الشركات وإضعاف الاقتصاد المصرى أمور لا ترضى أى شخص إلا من يعادى الدولة ويعيق محاولة تعافيها” وسط إجابته عن سؤال حول موقفه من الاحتجاجات العمالية.

ولكن رؤية الوزير في مقابل تحركات العمال يمكن النظر لها في ضوء الحكم الذي أصدرته المحكمة الإدارية العليا مؤخرًا.

“لم يعد الإضراب السلمي منحة” هكذا قالت الدائرة الرابعة “التأديبية” في المحكمة الإدارية العليا، في حيثيات حكمها، الذي أودعت أسبابه في السادس من ديسمبر الجاري، برفض طعن وزير العدل بصفته ورئيس محكمة استئناف الإسماعيلية بصفته، على حكم سابق صدر لصالح إحدى الموظفات بالمحكمة بخصم ثلاثة أيام من أجرها؛ عقابًا لها على إضراب اشتركت فيه مع زملاء لها.

وأضافت المحكمة في الحيثيات إن الإضراب “صار من الحقوق الدستورية المكفولة لكل فئات العمال بغض النظر عن طبيعة الجهة التي يعملون بها، أي سواء بالقطاع الحكومي أو العام أو الخاص.. استعمال العمال لهذا الحق جلبًا لحقوقهم دون إضرار بالمرافق العامة إنما هو استعمال مشروع لحق ثابت دستوريًا ولا يستوجب عقابًا”.

اللافت أن الحكم صدر من الدائرة نفسها التي سبق وأصدرت حكمًا في أبريل من العام الحالي بحظر وتجريم الإضراب، وهو الحكم الذي أقر عقوبة “الإحالة للمعاش” في حال أقدم الموظفون على ممارسة الإضراب أو الاعتصام، بدعوى مخالفتهم للشريعة الاسلامية، وأن التزام مصر بالعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية -الذي أباح الحق في الإضراب- هو التزام مقيد بأحكام الشريعة الاسلامية.

هذه المفارقة يعقب عليها المحامي خالد علي -المستشار القانوني للمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والمدير السابق للمركز- موضحًا أن “المحكمة صححت في حكمها الأخير خطأ شاب الحكم السابق الذي خلطت فيه بين ممارسة الإضراب السلمي والإقدام على أعمال تخريب أو عنف تستوجب العقاب التأديبي”، مضيفًا: “الموظفون الصادر ضدهم الحكم السابق (17 موظف من العاملين بالوحدة المحلية بقرية قورص التابعة لمركز أشمون في المنوفية) نسب إليهم الاعتداء على مديرتهم، وهو أمر لا يجب أن يتعلق بحق الإضراب نفسه، وهو حق يمارس سلميًا”.

في ما يلي، يحاول “مدى مصر” الإجابة على أهم التساؤلات التي أعاد الحكم القضائي الأخير إثارتها حول حق الإضراب عن العمل في مصر.

  • هل يستند الحق في الإضراب إلى نص دستوري؟

تنص المادة 64 من دستور عام 2012 على أن “الإضراب السلمي حق، وينظمه القانون” كما تنص على أن “العمل حق وواجب وشرف لكل مواطن، تكفله الدولة على أساس المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص، ولا يجوز فرض أي عمل جبرًا إلا بمقتضى قانون. ويعمل الموظف العام في خدمة الشعب، وتتيح الدولة الوظائف العامة للمواطنين على أساس الجدارة دون محاباة أو وساطة، ومخالفة ذلك جريمة يعاقب عليها القانون. وتكفل الدولة حق كل عامل في الأجر العادل والإجازات، والتقاعد والتأمين الاجتماعي، والرعاية الصحية، والحماية ضد مخاطر العمل، وتوافر شروط السلامة المهنية في أماكن العمل، وفقا للقانون. ولا يجوز فصل العامل إلا في الحالات المنصوص عليها في القانون”،

وتنص المادة 15 من دستور العام 2014 على أن الإضراب السلمي حق ينظمه القانون.

  • وهل يبيح القانون المصري الإضراب عن العمل؟

يتضمن قانون العمل المصري نصوصًا تبيح الإضراب على نحو مقيد إلى حد بعيد. إذ تنص المادة 192 من هذا القانون على أن ممارسة حق الاضراب يجب أن تتم عبر المنظمات النقابية، مع ضرورة إخطار اللجنة النقابية لصاحب العمل قبل التاريخ المحدد للإضراب بخمسة عشر يوما على الأقل -بكتاب مسجل بعلم الوصول- بشرط موافقة مجلس إدارة النقابة العامة بأغلبية ثلثي الأعضاء.

“فإذا لم يكن بالمنشأة لجنة نقابية يكون الإخطار بالعزم على الإضراب من العمال للنقابة العامة المعنية، ويجب على الأخيرة بعد موافقة مجلس إدارتها بالأغلبية المنصوص عليها في الفقرة السابقة القيام بالإخطار المشار إليه. وفي جميع الأحوال يتعين أن يتضمن الإخطار الأسباب الدافعة للإضراب والمدة الزمنية المحددة له” تبعا للمادة نفسها.

كما تحظر المادة 193 من القانون على العمال ومنظماتهم النقابية “الإضراب أو الدعوة إليه بقصد تعديل اتفاقية العمل الجماعية أثناء مدة سريانها، وكذلك خلال جميع مراحل وإجراءات الوساطة والتحكيم”.

كما تنص المادة 195 من قانون العمل على أن الإضراب يترتب عليه وقف عقد العمل خلال فترة الإضراب وعدم استحقاق الأجر عن تلك الفترة .

  • هل يستثني القانون أية أطراف من الحق في الإضراب؟

تحظر المادة 194 من قانون العمل الإضراب أو الدعوة إليه في المنشآت الاستراتيجية التي يترتب على توقف العمل فيها الإخلال بالأمن القومي وبالخدمات التي تقدمها، وكذلك المنشآت الحيوية التي يؤدي الإضراب فيها إلى اضطراب في الحياة اليومية لجمهور المواطنين. ويصدر قرار من رئيس مجلس الوزراء بتحديد هذه المنشآت.

وبالفعل، صدر القرار لاحقًا متضمنًا: “منشآت الأمن القومي والإنتاج الحربي، المستشفيات والمراكز الطبية والصيدليات والمخابز ووسائل النقل الجماعي للركاب (النقل البري والبحري والجوي) ووسائل نقل البضائع ومنشآت الدفاع المدني ومنشآت الاتصالات ومنشآت المواني والمنائر والمطارات والعاملون في المؤسسات التعليمية”.

واعتبر القرار -الذي حمل رقم 1185 لسنة 2003- في مادته الأولى أن هذه المنشآت حيوية أو استراتيجية، يؤدي توقف العمل بها إلى اضطراب في الحياة اليومية لجمهور المواطنين، أو الإخلال بالأمن القومي والخدمات الأساسية التي تقدم للمواطنين.

كما أصدر رئيس الوزراء في العام نفسه القرار رقم 982، متضمنا، على سبيل الحصر، عددًا من المصانع الحربية يشملها حظر ممارسة الإضراب، وهي: “حلوان للمسبوكات، أبو زعبل للكيماويات المتخصصة، شبرا للصناعات الهندسية، المعصرة للصناعات الهندسية، المعادي للصناعات الهندسية، أبو زعبل للصناعات الهندسية، بنها للصناعات الهندسية، حلوان للصناعات الهندسية، حلوان للصناعات غير الحديدية، بنها للصناعات الكيماوية، حلوان للأجهزة المعدنية، حلوان لمحركات الديزل، حلوان للآلات والمعدات، مصنع إصلاح وإنتاج الدبابات، قها للصناعات الكيماوية، هليوبوليس للصناعات الكيماوية وأبو قير للصناعات الهندسية”.

في حين أجازت المادة 195 من قانون العمل إنهاء عقد العمل في حالة مخالفة العامل للضوابط والإجراءات المقررة في المادة السابقة.

  • هل تشمل نصوص قانون العمل كل العاملين في مصر؟

يقول خالد علي لـ “مدى مصر” إن قانون العمل لا يخاطب إلا العاملين في القطاع الخاص وقطاع الأعمال العام دونًا عن القطاع الحكومي والعاملين في الدولة، لكن المحكمة الإدارية العليا في حكمها الصادر لصالح الموظفة في محكمة الإسماعيلية استندت إلى أن نصوص قانون الخدمة المدنية -ومن قبله قانون العاملين المدنيين في الدولة- الذي يخضع له القطاع الحكومي، والذي جاء خاليًا من أي ذكر لحق الإضراب، لا يتضمن في المقابل تجريمًا أو حظرًا لممارسة هذا الحق.

  • هل لا يزال قانون تجريم الاعتداء على حرية العمل وتخريب المنشآت -والذي عُرف بقانون حظر الإضراب- ساريًا؟

يقول خالد علي إن هذا القانون لم يعد ساريًا، لارتباطه بسريان حالة الطوارئ فقط.

وكان المجلس الأعلى للقوات المسلحة قد أصدر ذلك القانون في أبريل من العام 2011، متضمنًا عقوبة الحبس والغرامة التي تتراوح بين 20 ألف و50 ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين لـ “كل من قام أثناء سريان حالة الطواريء بعمل وقفة أو نشاط ترتب عليه منع أو تعطيل أو إعاقة إحدى مؤسسات الدولة أو إحدى السلطات العامة أو إحدى جهات العمل العامة أو الخاصة عن أداء أعمالها (و) كل من حرض أو دعا أو روج بالقول أو بالكتابة أو بأية طريقة من طرق العلانية المنصوص عليها في المادة (171) من قانون العقوبات لأي من الأفعال السابقة ولو لم يتحقق مقصده”.

كما نص على عقوبة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن 100 ألف جنيه ولا تجاوز 500 ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين إذا استخدم “الجاني” القوة أو العنف أثناء الوقفة أو النشاط أو العمل أو “إذا ترتب على الجريمة تخريب إحدى وسائل الإنتاج أو الإضرار بالوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعي أو الإخلال بالنظام أو الأمن العام أو إلحاق أضرار بالأموال أو المباني أو الأملاك العامة أو الخاصة أو احتلالها أو الاستيلاء عليها”.

  • هل ساهمت القيود على الإضراب في قانون العمل، في تقييده فعليًا؟

يقول خالد علي إن مصر شهدت منذ صدور القانون حتى الآن عددًا من الإضرابات يصعب بشدة حصره، دون أي التزام يذكر من قبل المضربين بتلك القيود، حتى أن النقابات العامة لم تدع لأي إضراب -كما ينص القانون- منذ ذاك الحين باستثناء مرتين فقط.

  • كيف تقيم منظمة العمل الدولية ممارسة حق الإضراب في مصر؟

يقول محمد طرابلسي، منسق الأنشطة العمالية في المكتب الإقليمي لمنظمة العمل الدولية، لـ “مدى مصر” إن المنظمة تربط بين تقييد حق الإضراب في مصر والقيود التي تواجه الحقوق النقابية في ما يتعلق بحق التعددية النقابية، مضيفًا أن قانون العمل في صورته الحالية يقصر حق الدعوة للإضراب على النقابات التابعة للاتحاد العام للعمال، وهو أمر -من وجهة نظر المنظمة- لا يختلف كثيرًا عن القيود التي تحول دون تأسيس نقابات مستقلة عن هذا الاتحاد في قانون النقابات العمالية رقم 35 لسنة 1976.

وبحسب طرابلسي، تنتظر منظمة العمل من مصر إصدار قانونين جديدين للحريات النقابية والعمل، تتضمن التزامًا بالمواثيق الدولية التي وقعت عليها مصر في ما يتعلق بالحريات النقابية ومن ضمنها حق ممارسة الإضراب.

اعلان
 
 
بيسان كساب