Define your generation here. Generation What
2015: عام “الطيف الرمادي” في العلاقات الدولية
 
 

خلال العام الماضي عززت الدولة المصرية فكرة اللعب في الطيف الرمادي في كل علاقاتها الدولية، مؤكدة على أن المسألة في السياسة الخارجية ليست محصورة في الاختيار بين النقيضين: الأبيض والأسود. وهو ما خالف العديد من التصورات التي ذهبت في تحليل علاقة الدولة بالدول الأخرى إلى أنها إما تقع في خانة التبعية العمياء، للسعودية والإمارات مثلا، وإما العداء المطلق، كحالة قطر أو تركيا، وتصوير أن العداء قد يصل إلى محاولاتهم “إسقاط النظام الحاكم” أو “هدم مؤسسات الدولة”.

في الحقيقة وقعت كل العلاقات الدولية بين هذين النقيضين، وتراوحت مواقف الدول الأخرى من الدعم السياسي للنظام المصري وضخ الاستثمارات المالية والمساعدات العسكرية، وصولًا إلى الإدانة في المحافل الدولية وحتى التشكيك في “شرعية النظام”.

في السطور التالية يحاول “مدى مصر” رصد بعض هذه الأطراف وموقعها في هذا الطيف الرمادي.

روسيا.. الحليف المرحلي

قال باحث سياسي فرنسي تحفظ على ذكر اسمه لـ”مدى مصر” إن “العلاقات بين مصر وروسيا ليست كما يتصور الناس. كل ما في الأمر أن النظام المصري يريد طرفًا دوليًا قويًا يقف ورائه حتى النهاية، مهما كانت أخطاؤه أو التهديدات التي تواجهه. أنظر إلى تمسك بوتين ببشار الأسد وأنت تعرف المقصود”.

تتراوح المصالح بين مصر وروسيا على مستويات عدة. بالنسبة للنظام المصري، كان الحليف الروسي المنتظر ضرورة مرحلية قصوى. إذ كانت العلاقات متدهورة مع الدول الغربية عقب ترشح السيسي ووصوله لمقعد الرئاسة، خاصة مع اتخاذ الولايات المتحدة الكثير من الخطوات التي ظهرت وقتها وكأنها معادية، بالإضافة لأن السعودية كانت تواجه خطرًا حقيقيًا قبل موت الملك السابق وتواجه احتمالات عدة بشأن انتقال السلطة.

كل ذلك جعل النظام المصري يحتاج حليفًا دوليًا قويًا ومخلصًا، يقدم الدعم مهما بلغت الانتقادات الدولية. وهنا كانت روسيا هي الإجابة الأكثر تأكيدًا.

على المستوى الروسي، بات واضحا أن روسيا تخسر سوريا، ليس فقط على المستوى السياسي، بل أيضا على المستوى الاقتصادي. باختصار كانت روسيا تريد سوقًا جديدة، تنعش التجارة الخارجية الروسية، وبدا أن السوق المصرية تستطيع استقبال الاستثمارات الروسية بنهم.

ناهيك عن أن العلاقة بين مصر روسيا تحقق توازنًا مطلوبًا في سياق العلاقة مع السعودية. وحتى ربما تكون أداة ضغط على تلك الأخيرة.

فرنسا.. عدو عدوي صديقي

انتقلت فرنسا من نقيض لآخر في علاقتها مع مصر خلال شهور قليلة. بدأت هذه العلاقة بإدانة المذابح والصمت المشكك حيال شرعية نظام 3 يوليو. ثم وصلت لدرجة عقد صفقات سلاح من العيار الثقيل.

تطور العلاقة عبر عنه المتحدث باسم الخارجية الفرنسية رومان نادال في لقاء سابق مع “مدى مصر”. وقال: “السيسي ليس بشار الأسد. وهو يرأس نظامًا يحارب الإرهاب، ونحن ندعمه لأن حربنا مشتركة، ولإن انهيار مصر يعني انهيار المنطقة بالكامل”.

وكان من أبرز علامات العلاقة الثنائية إتمام صفقة توريد حاملتي طائرات “ميسترال” وطائرات “رافال” إلى مصر.

السعودية.. من الشقيقة الكبرى؟

للمملكة العربية السعودية خصوصية في مسألة العلاقات الخارجية مع مصر. إلا أنها أيضا تمثل الفكرة المثيرة للجدل في مسار العلاقات الدولية، هل الأمر أبيض وأسود أم هناك توازنات بين هذا وذاك؟ فالبعض يرى أن مصر تتبع السعودية بشكل أعمى، وتحفز مساعي المملكة في قيادة المنطقة، والبعض الآخر ذهب، في بداية عهد الملك الحالي، إلى أن السعودية ستتخلى تماما عن مصر، وربما تنقلب عليها.

في الواقع، تمثل العلاقة بين البلدين مثالًا نموذجيًا للعبة السياسية الدولية. هناك اتفاق واضح على عدد من الملفات، أبرزها الوقوف ضد المصالح الإيرانية في المنطقة. وهناك الاختلاف الأوضح بخصوص المسألة السورية، ففي حين تصر السعودية على إسقاط نظام الرئيس السوري بشار الأسد وتتخذ مواقف ملتبسة من الجماعات المتشددة هناك غير داعش، كأحرار الشام وجبهة النصرة. ترى مصر أن مسألة استمرار حكم الأسد من عدمها ليست أولوية على استئصال كافة التنظيمات المتطرفة من جذورها.

وبين هذا التناقض الكبير نجد الكثير من القضايا الرمادية، أولها اليمن وتنضم لها الآن مسألة التحالف العسكري الإسلامي.

فبعيد أيام من الإعلان عن الحرب الخليجية على اليمن، علت انتقادات حادة في أوساط الطبقة الحاكمة السعودية ضد مصر واعتبرت أن مشاركتها في “عاصفة الحزم” مسألة رمزية، خاصة وأنها اكتفت بإرسال قطع بحرية عند باب المندب دون المشاركة الفعلية في الحرب التي تخوض غمارها قوات سعودية. وهو الأمر نفسه الذي ينطبق على القوات الإسلامية التي دشنتها السعودية كفكرة منذ أسابيع.

ومن أبرز الخلافات أيضًا كانت مسألة القوات العربية المشتركة، حيث يرى الكثيرون أن مصر تؤيد هذا المسعى أكثر من نظيره الاسلامي، أولًا لأن ذلك سيعفيها من العمل مع تركيا، ثانيا لأن الغلبة العسكرية ستكون للجيش المصري من بين باقي الجيوش العربية، ثالثا أن التحالف الإسلامي يبدو طائفيًا في معظمة، وربما لا يحبذ النظام المصري ذلك.

ووصل إظهار التناقض إلى ذروته قرب نهاية العام، مع إعلان ملك السعودية عن زيادة الاستثمارات السعودية في مصر وصولًا إلى نحو ثمانية مليارات دولار، وهو الإعلان الذي تم في اليوم نفسه الذي أعلنت فيه السعودية -منفردة- عن فكرة إنشاء الحِلف الإسلامي العسكري بقيادتها، والذي سيشمل مصر. إعلان زيادة استثمارات المملكة في مصر قال عنه أنور عشقي- مدير مركز الشرق الأوسط للدراسات السياسية في السعودية- في حديث سابق مع “مدى مصر”: إنه يستهدف “إفهام أعداء مصر أن السعودية مع مصر”.

الإمارات.. “المساعدات” كلمة السر

في واقع الأمر، فإن العلاقة بين الإمارات ومصر خلال العام المنقضي يميزها القليل عن مثيلتها مع السعودية. حيث أن الاقتصاد يأخذ الأولوية هذه المرة على المسائل السياسية والإقليمية. وهو ما تجيده الإمارات في إدارة علاقاتها الخارجية، فرغم كونها مثلًا صاحبة العداء الأكبر من بين الدول الخليجية مع إيران، وبينهما خلافات على عدد من الجُزر، إلا أنها تحتفظ بعلاقات اقتصادية هامة معها.

وإن كانت الاستثمارات الإماراتية انسحبت من تنفيذ مشروع العاصمة الإدارية الجديدة في مصر، وبدت الأسباب في حينها اقتصادية في أغلبها، ما أدى لتهديد استكمال المشروع بأكمله، بكل ما مثله من أهمية وما نال من اهتمام من إعلام الدولة، إلا أن ذلك لم يشكل تهديدًا للعلاقات المصرية الإماراتية، خاصة مع تصريح مثل الذي قالته لبنى بنت خالد القاسمي، وزيرة التنمية والتعاون الدولي، ورئيسة اللجنة الإماراتية لتنسيق المساعدات الإنسانية الخارجية، بأن مصر استأثرت بما يوازي 52% من المساعدات الخارجية الإماراتية خلال عام 2014، بقيمة بلغت 3.2 بليون دولار، وحوالي 48.6% من إجمالي المساعدات الخارجية الإماراتية خلال الفترة من عام 2010 وحتى 2014، بقيمة بلغت حوالي 5.8 بليون دولار.

ألمانيا.. الاقتصاد ومكافحة الإرهاب

كان العام 2014 هو الأكثر أهمية على مستوى العلاقات مع ألمانيا، فوصل حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى أعلى مستوى (4.4 مليار يورو). وهو الرقم الذي تشير المؤشرات إلى قرب تكراره في نهاية 2015، وكانت ألمانيا من أولى الدول الكبرى التي تطور علاقتها مع دولة 3 يوليو. وأبرمت العديد من الشراكات والاتفاقات الاقتصادية.

ويتشابه المنطق الألماني في التعاون مع الدولة المصرية الآن مع مثيله الفرنسي. وظهر ذلك جليا في لقاء السيسي مع وزير التعاون الاقتصادي والتنمية الألماني جيرد موللر، الذي أكد فيه الأخير على “أهمية الدور المصري في مكافحة الإرهاب والحفاظ على النسيج المصري ووحدة الدولة”.

الولايات المتحدة.. سياسة شعرة معاوية

على الرغم من الخطوات الهائلة التي اتخذتها مصر تجاه المنافس الروسي للولايات المتحدة، وعلى الرغم من تأخر الولايات المتحدة في تبني شرعية نظام ما بعد الإخوان المسلمين، إلا أن كلا الطرفين حريصان على إبقاء شعرة معاوية قوية وموصولة.

وفي كل خطوة تجاه توطيد العلاقات مع روسيا، كان المسؤولون المصريون، أحيانًا دون مناسبة أو سؤال، يؤكدون أن مصر لا تستبدل حليف بآخر وأن العلاقات مع روسيا لن تأتي على حساب العلاقات مع الدول الأخرى، في إشارة صريحة للولايات المتحدة.

ومع التقدم الديبلوماسي الذي أحرزه النظام المصري في التسويق لشرعيته وانتزاع اعترافات سياسية دولية بذلك، تُرجمت إلى اتفاقات اقتصادية وصفقات سلاح، تغير الموقف الأميركي، وتم إنهاء تجميد المعونات المقدمة إلى مصر.

وبالطبع كل ذلك لا يلغي أن فتورا يشوب العلاقات بين البلدين.

قطر.. جفاء رسمي تزيده “الجزيرة”

يقدم الطرف القطري طريقة خاصة في التعامل مع الملف المصري. من جهة تقرر قناة “الجزيرة” القطرية مواصلة معارضتها الحادة للنظام في مصر، والإصرار على تسميته “سلطة الانقلاب”. ومن الجهة الأخرى تفضل قطر الرسمية الصمت، ولا تأتي على ذكر مصر في سياق الإدانة الدولية، حتى أنها أنهت إقامة العديدين من المنتميين والمتعاطفين مع “الإخوان” عقب سفرهم بعد عزل مرسي.

وشهد اجتماع المندوبين الدائمين لدى جامعة الدول العربية في فبراير الماضي إحدى ذُرى التوتر بين البلدين، حين تحفظت قطر على طلب مصر دعمًا عربيًا لعملياتها العسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا بعد مقتل 20 مصريًا هناك، وأصدرت الخارجية المصرية بيانًا وصفت فيه قطر بأنها تدعم الإرهاب، وعلى إثر ذلك استدعت الدوحة سفيرها في القاهرة “للتشاور”، قبل أن يعود بعد قرابة شهر ونصف الشهر، في أعقاب القمة العربية التي انعقدت في شرم الشيخ، والتي شهدت لقاءً بين السيسي وتميم بن حمد أمير قطر.

وعلى الرغم من المحاولات التي بذلتها السعودية تحديدًا لإنهاء الجمود بين البلدين، إلا أن أمورا كثيرة تعوق ذلك. كان آخرها قيام وزير الخارجية المصري سامح شكري بتحطيم ميكروفون “الجزيرة” وإلقائه من المنصة قبيل إلقاء البيان الختامي لمفاوضات سد النهضة منتصف الشهر الجاري في الخرطوم، فيما استمر التمثيل الدبلوماسي المصري في الدوحة على مستوى نائب السفير، للعام الثاني، منذ استدعاء مصر سفيرها هناك “للتشاور” في يناير 2014، على خلفية ما وصف بـ “تحركات قطر المساندة لجماعة الإخوان الإرهابية”.

تركيا.. الأبعد

هنا الحرب المفتوحة الواضحة. نستطيع القول مطمئنين إن تركيا هي الدولة التي تقف في النقطة الأبعد من مصر الآن. الحرب الكلامية بين البلدين مفتوحة على كل المستويات، السياسية والديبلوماسية والإعلامية.

وعلى الرغم من انضمام الدولتين للتحالف “الإسلامي” بقيادة السعودية مقتبل هذا الشهر، إلا أن مستجد ما لا يلوح في أفق العلاقة بينهما. في الوقت الذي يبدو فيه أن السعودية تلعب دور الوسيط لتحسين العلاقات التي تضررت بشدة منذ عزل محمد مرسي في 2013، والتي شهد العام المنقضي عدة محطات مهمة فيها، سلبًا وإيجابًا، إحدى تلك المحطات السلبية كانت عدم تجديد مصر لاتفاقية الـ “رورو” الاقتصادية الموقعة مع تركيا منذ 2012، بعد انتهائها سنواتها الثلاث في مارس الماضي، وعلى الجانب التركي وفي أبريل الماضي، نقلت تقارير صحفية عن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اشتراطه الإفراج عن محمد مرسي، وإلغاء أحكام الإعدام بحق مؤيديه، لإعادة النظر في العلاقات مع الحكومة المصرية.

إسرائيل.. “الغاز” وأشياء أخرى

علاقة مصر بإسرائيل هذه الأيام يصعب رصدها أو التعليق عليها. ولا نستطيع سوى استعارة تصريح من المتحدث باسم حكومة الاحتلال أوفير جندلمان، أثناء الحرب الأخيرة على قطاع غزة المحاصر: “أهم ما في هذه الحرب أنها أكدت على العلاقات المتينة مع المصريين”.

وهنا أيضا نعود للمصدر الفرنسي، الذي تحدث عن علاقة مصر بإسرائيل قائلًا: “العلاقات (المصرية) مع إسرائيل ممتازة. إسرائيل على علم بكل خطوات ملاحقة الإرهاب في سيناء. العلاقات مستقرة ويجب أن تظل كذلك”.

اقتصاديًا، شهدت الأسابيع الأخيرة من العام صدور حكم دولي باستحقاق شركة الكهرباء الحكومية الإسرائيلية تعويضًا من هيئات حكومية مصرية قدره 1.76 مليار دولار بسبب وقف مصر تصدير الغاز لإسرائيل عقب ثورة يناير، وهو الحكم الذي قالت الحكومة المصرية إنها ستطعن عليه، كما أعلن رئيس الوزراء عقب هذا الحكم عن إيقاف أي مفاوضات من شركات مصرية لاستيراد الغاز من نظيراتها الإسرائيلية.

اعلان