Define your generation here. Generation What
لهذا اختارت فرنسا النظام المصري حليفًا لها
 
 

الكثير من الأمور في المشهد السياسي المصري تطرح علامات استفهام عدة حول موقف الدول الغربية من النظام المصري بعد 30 يونيه 2013. وتعد فرنسا واحدة من الدول التي غيرت نظرتها للنظام المصري بشكل كامل خلال الفترة الماضية. بخاصة أن سياسة فرنسا الخارجية عادة ما تضع “حقوق الإنسان” في معايير انحيازاتها، أو هكذا تدّعي. إلا أن الموقف الفرنسي من ما يحدث في مصر لم يعد يقع فقط في خانة الموافقة، بل صار يتعدى ذلك إلى الدعم المباشر الذي وصل إلى إبرام الصفقات العسكرية.

“مدى مصر” زار العاصمة الفرنسية بعد أيام من الأحداث الأخيرة التي خلّفت عشرات القتلى المدنيين، في عملية أمنية تبناها تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.

بالرغم من أن الجميع هناك اتفق على أن الوضع العام في الشوارع في حالة متشنجة جراء الهجمات؛ فإن الإجراءات الأمنية باتت خفية. ففي يوم الجمعة 27 من الشهر الماضي، كانت قيادات فرنسا وعلى رأسها الرئيس فرانسوا هولاند في حفل تأبيني لأرواح الضحايا. في الوقت نفسه الذي كانت طوابير المواطنين تحيط بمكان الحدث، وأفراد قليلة من الشرطة والجيش منتشرون في المكان. عند كل طابور من المدنيين وقف واحد أو اثنان فقط من العناصر المكلفة بالتأمين.

وبعد أيام من ذلك، استضافت العاصمة قمة باريس حول المناخ التي حضرها أكثر من 150 رئيسًا وملكًا. اتخذت بعض الإجراءات التأمينية، كان أبرزها انتشار أفراد من الجيش في الشوارع، بكثافة، قال الباريسيون إنها عالية، وأيضًا إغلاق عدد قليل من محطات مترو الأنفاق وأجزاء من الشانزليزيه أمام حركة السيارات فقط. إلا أن الإجراء الأوضح كان منع مظاهرة ضخمة كان مقررًا انطلاقها من ساحة “ريبابليك” نظرًا للظروف الأمنية الحالية.

وبالرغم من الصعوبة التي تواجهها العين الزائرة في رصد الاستنفار الأمني هذا، وبخاصة تلك المعتادة على رؤية الدبابات والعناصر المدججة في الشوارع؛ فإن الأجواء كانت تحمل ترقبًا وخوفًا دائمين، ما ينقل صورة قاتمة ومرعبة مفادها بأن “الإرهاب بات يخيف العالم”. خلت المسارح والسينمات من المشاهدين، وندر وجود المستهلكين في المحال التجارية الضخمة التي بدأت مواسم التخفيضات فيها، وذلك قبل أيام من أعياد الكريسماس وبداية العام الجديد.

كيف ترى باريس الأمور؟

تُرسخ العمليات الأخيرة توجه السياسة الفرنسية الخارجية في المنطقة. فيقول المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية ورئيس دائرة الاتصال رومان نادال، لـ “مدى مصر”، إن “الأحداث تجعل الأولوية الآن لمحاربة الإرهاب ومحاصرة شبكات الجهاديين الأجانب في سوريا والذين قد يعودون إلى فرنسا. نحن تلقينا ضربة قوية لكننا لا نزال أقوياء. تحقيق ذلك يتطلب التعاون من كل الدول في أوروبا وشرق أوروبا والشرق الأوسط. بالطبع لنا ملاحظات على سياسات العديد من الدول، لكن مواجهة الإرهاب الآن تتطلب مجالًا واسعًا من التعاون والتنسيق في مجالات شتى”.

وعن المرونة في معايير هذه السياسة، يضيف نادال: “نحن مثلا كنا مختلفين مع روسيا، وكنا نرى أنها تستهدف المعارضة المعتدلة في سوريا، لكن بعد الأحداث الأخيرة وإسقاط الطائرة الروسية في شرم الشيخ، بات التعاون مع روسيا ضرورة أكبر، وبدأت القوات الروسية في تركيز هجماتها على مواقع داعش”.

باختصار، رأت فرنسا أن الوقت الحالي يشهد يدًا طولى للإرهاب في كل العالم، وبات يضرب في كل أنحاء الشرق الأوسط وإفريقيا وفرنسا وحتى الولايات المتحدة. وكل هذه المصالح بالنسبة لفرنسا تستدعي حماية حاسمة وهجمات مباشرة على مواقع داعش، وبخاصة مع استحالة إرسال قوات فرنسية إلى الخارج، لإشكاليات عدة ليس أبسطها أن الدولة لا مبرر لها لتسحب قوات عسكرية من الشارع الفرنسي لترسلهم للقتال دفاعًا عن مصالح الآخرين.

العديد من الآراء الرسمية في باريس ترى أن المنظور الآن في تحديد السياسة الخارجية بات أكثر براجماتية. خاصة تلك الآراء التي ترفض الحديث بشكل مباشر للصحافة. يرى الكثير أنه بعد تلقي الضربة الأخيرة في باريس يجب أن “ندقق النظر في مصالحنا الخاصة، ونرى ما يهدد أمننا القومي أولًا. حتى وإن أتى ذلك على بعض المبادئ فالأولوية الآن للجانب الأمني والاستخباري”. وعلى هذا الأساس بدأت بعض الأصوات داخل الدولة الفرنسية في المناداة بضرورة التعاون مع روسيا وإيران، وحتى احتمالية التعاون مع النظام السوري دون شخص الرئيس بشار الأسد.

وفي هذا السياق أيضًا، يقول رئيس المكتب العربي في معهد الأبحاث الاستراتيجية في الكلية الحربية الفرنسية، بيير رازو، لـ “مدى مصر”: إن “على الدول الغربية رؤية مصالحها بشكل أكبر. نحن نريد محاصرة شبكات الإرهاب التي ستعود إلى فرنسا ودول شمال إفريقيا، وعلينا أن نؤمن المجرى الملاحي في البحر الأحمر وقناة السويس لحماية تجارتنا الدولية مع الدول المصدرة في آسيا، ناهيك عن حماية مصادر إنتاج وتصدير النفط”.

وماذا عن مصر؟

أهم ما اتفق عليه الجميع في كيفية مواجهة الإرهاب، هو ضرورة دعم الأطراف الدولية الموجودة بالقرب من أراضي الجماعات الإرهابية هذه. باختصار، مصر.

يقول نادال: “بالنسبة لنا فالنظام المصري حليف لنا. نحن بالطبع نبدي له ملاحظاتنا عن مشكلات حقوق الإنسان في مصر، لكننا في النهاية لا نرى الرئيس السيسي مثل بشار الأسد، ونرى النظام يحارب الإرهاب وعلينا الحفاظ عليه. باختصار لا نريد لمصر المصير الذي واجهته ليبيا وسوريا والعراق. مصر دولة كبيرة، وانهيارها سيؤدي لتدهور الوضع في الشرق الأوسط كله”.

بالنسبة للكثير من الفرنسيين؛ فإن لمصر أهمية خاصة. أولًا، يرى الجميع أن مسألة إرسال قوات أجنبية إلى الشرق الأوسط من شأنها أن تزيد المشكلات، ناهيك عن عدم احتمال الجيوش الغربية أية خسائر بشرية. ثانيًا، فالجيش المصري هو واحد -في تقديرهم- من الجيوش القليلة الباقية في الشرق الأوسط دون تهديد بالتفكيك، ويجب الحفاظ على ذلك. وأخيرًا؛ فإن لمصر موقعًا أساسيًا في حركة التجارة البحرية.

ويقول مدير المطبوعات في المعهد الفرنسي للدراسات الدولية مارك هيكير: “بات واضحًا بعد التجارب في العراق وأفغانستان أن فكرة إرسال قوات غربية إلى الشرق الأوسط هي مسألة مستحيلة. الرأي العام هناك يرى ذلك على أنه احتلال، ويدخل الناس في مواجهة مع هذه القوات بدلًا من السماح لها بتحقيق أهدافها”.

ويزيد رازو الحديث في هذا الاتجاه قائلًا: “نحن بالطبع من مصلحتنا الوقوف وراء مصر في مساعيها لتأمين حدودها الغربية مع ليبيا ووقف تدفق المقاتلين والسلاح هناك، وأيضًا تأمين المجرى الملاحي لقناة السويس والبحر الأحمر وباب المندب”.

ربما يفسر هذا الحديث المرونة التي رافقت صفقات السلاح للطائرات المقاتلة وحاملتي الطائرات الفرنسيتين إلى مصر، وأيضًا الاتفاق الدولي على إتمام هذه الصفقات. تبدو هذه الأسلحة قادرة على التحرك بين الحدود مع ليبيا ومصادر الغاز الطبيعي في البحر الأبيض المتوسط، وأيضًا في البحر الأحمر وبالقرب من باب المندب.

وأشار رازو إلى وجود جدل واسع داخل الدولة الفرنسية بخصوص مصر، وإذا ما كان الطبيعي هو دعم الدولة هناك، وأكد أنه “حتى الآن فإن هذا هو الاتجاه السائد”.

من جانبه، يقول ممثل وزير الخارجية ورئيس دائرة الأديان جان كريستوف بوسال: “بالنسبة لنا؛ فإن مجرد السفر إلى سوريا ليس جريمة. هناك من يرون أنهم يسافرون للمساعدة الخيرية. نريد تنشيط عمل مخابراتي لإحكام المعلومات عن الشبكات الأجنبية المنخرطة في أعمال إرهابية، وهذا ضروري جدًا أن يتم بتنسيق وتعاون مع دول مثل مصر”.

وفي نهاية تقديرات الدولة، يختم المتحدث باسم الخارجية الحديث قائلًا: “لا أعتقد أن الحرب مع داعش صعبة. هي بالطبع خطرة، لكننا في النهاية نواجه حفنة من آلاف المقاتلين، وهزيمتهم ليست أمرًا صعبًا إطلاقًا شريطة وجود هذا التعاون الدولي”.

إذن، هكذا ترى الدولة الفرنسية الأمر، الذي حول الموقف الفرنسي في أشهر قليلة من إدانة “المذابح في مصر” والتأخر كثيرًا في الاعتراف بشرعية نظام 30 يونيه، إلى الحليف القوي الذي يشارك اقتصاديًا ويُصدّر السلاح والعتاد. تراهن الدولة الفرنسية على قدرة النظام في مصر على مواجهة الإرهاب، وعلى ضرورة التعاون سويًا في ذلك المسعى، ويأتي هذا الرهان وسط جدل عن أولوية الجانب الأمني أم الجانب الاجتماعي.

ولكن بعض الأصوات الخافتة تقول إن رؤية فرنسا لسياستها الخارجية هي رؤية قصيرة النظر، وترى أن طريقة الدول العربية في مواجهة الإرهاب “قد تكون مفيدة على المستوى الأمني والعسكري، لكنها على المستوى الاجتماعي والاقتصادي تمنح الإرهاب خزانات بشرية على المدى الطويل، نتيجة الفقر والبطالة وإغلاق المجال السياسي أمام المواطنين”.

الإسلاميون في فرنسا

تشكل معايير الدولة الفرنسية نصف الصورة في ما دفعها لإيصال العلاقات مع مصر إلى الحالة الحاضرة. والنصف الآخر يشكله وضع الإسلاميين داخل المجتمع نفسه.

هنا، يقول جان كريستوف بوسال، لـ “مدى مصر”: إن “هناك إشكالية بالنسبة للمجتمع المسلم في فرنسا. عند وضع قوانين 1905 حول علمانية الدولة الفرنسية لم يكن هناك مجتمع مسلم في فرنسا كما هو موجود الآن، ومن ثمة الكثير من الأمور بخصوص الأبنية الدينية وسلطة رجال الدين والدعاة لم يتم تنظيمها”.

ويستطرد بوسال: “هناك حالة من العزلة بخصوص المجتمع المسلم، يلعب الإرهاب دورًا محوريًا فيها، الآن يقول الكثير: ’انظر، نعم ليس كل المسلمين إرهابيين، لكن كل الإرهابيين مسلمون’. أسس هذه المشكلة متنوعة، جزء منها موضوعي والآخر ذاتي”.

يضيف: “إذا استقطعنا بعض النصوص من الإنجيل فقد تحمل ميول عنف، الأمر ليس في الإسلام فقط، لكنها مشكلة تبدأ من النظام التعليمي. بالطبع أنا مؤمن أننا لدينا واحد من أفضل النظم التعليمية، لكنه يبدو أنه لا يُعلِّم تقبل وفهم الآخر بشكل كافٍ. على الجهة الأخرى؛ فبسبب نمو المجتمع المسلم بعد وضع قوانين 1905، بالإضافة إلى أن الإسلام السني ليس كالشيعي، فليس هناك تراتبية لسلطة رجال الدين تمكنك من النقاش والحوار معهم، ومن ثمة تضمن أن هذا الحوار يشمل المسلمين كلهم”.

ولفت بوسال إلى أن “الدولة الفرنسية تحاول الآن حلّ هذه المعضلات لكن بما يضمن التزامها بالسياقين القانوني والعلماني. نحن نتلقى نصائح عدة من دول إسلامية أن نأخذ إجراءات جذرية بالسجن والترحيل للدعاة، لكننا لا نريد هذه الطريقة، لا نريد طريقة القتل الجماعي ولا طريقة جوانتانامو في الحل”.

ويبدو أن مسألة السلطة داخل المجتمع المسلم محل اتفاق في الدولة الفرنسية على الأقل بالنسبة للعاملين في الدبلوماسية. فيقول نادال: “نحن نفرق جيدًا بين المتدينين المسلمين والراديكاليين، الأول حق والثاني إجرام. نحن نريد تشجيع المجتمع المسلم على تنظيم نفسه وخلق سلطة داخلية تستطيع مواجهة الراديكالية”.

الماضي الشخصي للفرنسيين المنخرطين في العمليات الإرهابية يبدو موضوعًا مثيرًا للانتباه. يتفق الكثير من ذوي الصلة الرسمية على أن معظم هؤلاء لم يكن لديهم أي تاريخ من التطرف الديني، بل كان إجراميًا جنائيًا بوضوح. اتفق على ذلك نادل وبوسال، الذي قال لـ “مدى مصر”: “يبدو أننا لم نكن أقوياء بما فيه الكفاية على مستوى مكافحة الجريمة الجنائية، معظم الراديكاليين لهم تاريخ من الإدمان وجرائم السرقة”.

وبالنسبة للمعلومات حول هؤلاء، فلمارك هيكير، الكثير من النقاط المهمة.

يقول هيكير: إن “المعلومات المتوفرة أن عدد الفرنسيين الذين سافروا للقتال في سوريا، سواء مع داعش أم تنظيمات إرهابية أخرى مثل “جبهة النصرة”، حوالي 1000 مقاتل. وهذا يفوق بكثير عدد أولئك الذين سافروا إلى كل مناطق الصراع في البوسنة والشيشان والعراق على مدار عشرين عامًا كاملة بدءًا من عام 1990، والذين قدروا بـ200 شخص فقط”.

ويفسّر هيكير: “أغلب الألف مقاتل هؤلاء في مقتبل العشرينيات، بينهم 250 امرأة ومعهن أطفالهن. وما زال هناك 600 خارج فرنسا، وعاد 300، وهناك تقديرات بأن ما بين 100 و150 منهم قُتلوا في المعارك هناك (..)، وبالإضافة إلى هؤلاء استطاعت الدولة توقيف عدد من الراديكاليين قبل خروجهم من فرنسا، وحصلوا على أحكام قضائية طبقًا للقانون الفرنسي بالحبس 18 شهرًا”.

ويضيف هيكير: “بالنسبة للأمن الفرنسي، تتعدى المشكلة العائدين إلى فرنسا وتصل إلى هؤلاء الذين سيعودون إلى تونس. الأمر بالنسبة لي يشابه كثيرًا عندما عاد المقاتلون الجزائريون إلى بلادهم عقب الجهاد في أفغانستان أول التسعينيات. بالنسبة لتونس هناك 3000 مقاتل سيعودون من سوريا والعراق، عودة هؤلاء تشكل خطرًا بالطبع، وبخاصة أن العديد من المسلمين الفرنسيين يحمل الجنسية التونسية بجانب جنسيته الفرنسية.. هؤلاء مطروحون للبحث أيضًا”.

هذه الأوضاع تطرح على الدولة إجراءات محتملة لطريقة المواجهة، الكثير منها محل اتفاق في الشكل والمضمون، على المستويين الداخلي والخارجي.

يقول هيكير: “بجانب ملاحقة الشبكات بدأت الدولة في العام الماضي تخصيص خدمة تليفونية للإبلاغ عن الأشخاص الذين يُظهرون ميولًا راديكالية، ليحولوا بعدها إلى الدعم النفسي أو تدخل الشرطة إن لزم الأمر. وخلال العام الماضي تلقى هذا الرقم 4000 بلاغ 80% منها ذات صلة بالراديكالية”.

وبالنسبة لبوسال؛ فإن الأمر يتطلب “تشديد الملاحقة الجنائية للمجرمين، وإلزام النظام التعليمي بمبادئ تقبل الآخر بما يضمن اندماج مرن للمسلمين في المجتمع الفرنسي، وأيضًا يجب التشديد على شبابنا بالتعاون مع الإجراءات الأمنية الاستثنائية وضرورة الإبلاغ عن المتحولين في محيطهم إلى الميول الجهادية”.

اتفق بوسال مع المتحدث باسم الخارجية على “ضرورة تنظيم المجتمع الإسلامي لنفسه وخلق تراتبية سلطة داخلية، على أن يكون ذلك جهدًا ذاتيًا دون تدخل مباشر من الدولة، حفاظًا على الهوية العلمانية للدولة”.

ولكن يبقى السؤال هو: إلى أي مدى تسهم مساعي التعامل مع الوضع الداخلي في مواجهة العنف وسط ضربة موجعة هي الأكثر إيلامًا في أوروبا بعد هجمات مدريد في 2004؟

اعلان