Define your generation here. Generation What

حروب النوستالجيا: أربعة يتنافسون على الماضي

“النوستالجيا” هي الشعور بالحنين إلى الماضي، وهي من أهم الأدوات التي تستخدم في الدعاية، والتواصل العادي، والتواصل السياسي، والأخير هو موضوع المقال.

كان للنوستالجيا دور كبير في الحرب على ثورة الخامس والعشرين من يناير، والتي لم تستخدم فيها فقط أدوات البطش والقمع، بل لعبت الأدوات الإعلامية الدور الأهم في هذه المعركة الحتمية بين المستقبل والماضي. ولأن النظام فشل في منافسة ٢٥ يناير في تخيل مستقبل أفضل ومشرق يتسع لأحلام الجميع في دولة مدنية تقوم على العدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، والعدل؛ فكان عليه الاتجاه للنوستالجيا جريًا على مبدأ “اللي نعرفه أحسن من اللي ما نعرفوش”. استُخدمت النوستالجيا لخلق حالة من الحنين للماضي بشكل عام، ولكن بشكل خاص أيضًا لاستعادة شرعية يوليو ١٩٥٢، وأهمية تدخل القوات المسلحة في العمل السياسي، على أساس أن القوات المسلحة لم تتدخل في السياسة قبل هذا التاريخ أو بعده.

1) عبد الفتاح السيسي و”البلد دي عايزة واحد عسكري يحكمها”:

ليس الموضوع في شخص السيسي، إنما هو مرتكز على فكرة الدولة العسكرية الناصرية أو الساداتية أو المباركية، أي شيء وكل شيء مقبول طالما من يحكم البلد شخص ذو خلفية عسكرية؛ لأن الحكمة التي خرج بها المصريون بعد أكثر من ستين عامًا من الحكم العسكري هي أن “البلد دي محتاجة لواحد عسكري عشان يعرف يمشيها كويس”. ولكن هؤلاء لا يدركون كون محمد نجيب عسكريًا أيضًا، ولكنه كان ينادي بعودة الضباط إلى الثكنات العسكرية، وبعودة مصر إلى الحالة المدنية بالتالي. واتفق مع نجيب الكثير من خيرة رجال القوات المسلحة من سلاح الفرسان، من خالد محيي الدين، إلى البطل سعد الدين الشاذلي، إلى غيرهم من القادة الذين رأوا أن خلط الحياة العسكرية بالسياسة وإدارة شؤون الحكم مفسدة لكليهما. أحيانًا يصور لنا المتحدثون بالنيابة عن فكرة الدولة العسكرية أن الجيش المصري ولد بعد يوليو ٥٢، وأن ما حدث قبل هذا غير محسوب. وهو شيء مضحك ومبك في الوقت نفسه، وبخاصة أن القائمين على تحرك ١٩٥٢ أنفسهم بدأوا تواصلهم مع الشعب بعد تأكيدهم أنهم “طهروا أنفسهم بأنفسهم”، وهو إقرار من الضباط الأحرار بالفساد الذي كان مستوطنًا في المؤسسة، التي تصور أحيانًا أنها خير من وطأ الأرض بعد الأنبياء والأولياء. في الفترة الأخيرة، تردد كلام مبسط وساذج عن الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، وحتى الثمانينيات والتسعينيات، وكأنها كلها شيء واحد. إن نجيب لو كان يدرك آخرته لأعدم ناصر، ولو علم ناصر ما سيفعله السادات من بعده -بالذات اقتصاديًا- لأمر بقتله رميًا بالرصاص، ولو أدرك السادات أن مصر الاستراتيجية التي حلم بها  “حتكون لا بتهش ولا بتنش” في عهد مبارك لحرمه من كل الامتيازات والمناصب. لكن في عقلية النوستالجيا العسكرية، كل شيء كان جميلًا قبل هؤلاء البؤساء الذين دعوا لثورة الخامس والعشرين من يناير. والحقيقة أن استدعاء النوستالجيا في مصر عمل سياسي وليس فقط حالة اجتماعية عامة. في علوم السيطرة والتواصل السياسي نجد أن الأنظمة التي تسعى للبقاء تروج وتثبت بعض القصص والمصطلحات في ذهن الناس عن طريق سبل التواصل الأساسية، وهي التعليم والإعلام. فإذا تصفحت كتب التاريخ، والتربية القومية، والدراسات الاجتماعية ومناهج الدين واللغة العربية، ستلاحظ تكرار بعض الرسائل عن بعض المؤسسات والشخصيات التاريخية، مما يسهل على الدولة استدعاء القيم القديمة والأشخاص للمحاربة في صفها ضد أي شروق لشمس المستقبل. لكن في استدعائها للماضي، تستدعي الدولة ماضي الآخرين ممن يلي ذكرهم.

وبينما لا أحد يملك ماكينة إعلامية وسلطة للتواصل والسيطرة مثل الدولة، إلا أن النوادر والقصص الشعبية هنا تلعب دورها كمنافس للقصة السلطوية، مما يجعلها أحيانًا تنافسها في السلطوية ذاتها.

2) محمد مرسي  و”حلم الخلافة الضائعة”:

“محمد مرسي لن يعود”، جملة يرددها معارضو الإخوان على سبيل المزاح، أو الحقيقة المغلفة بالمزاح، للنيل من الإخوان. ولكن إذا تعمقنا أكثر، فسنرى أن مرسي في حد ذاته ليس مهمًا للإخوان. كان الرجل بديلًا لخيرت الشاطر، الرجل الحقيقي لجماعة الإخوان. دور محمد مرسي الآن مجرد دور استراتيجي في المعركة الإعلامية، فهو يمثل نوستالجيا قريبة عن عهد الخلافة الضائعة. قبل مرسي، كان الإخوان يعتمدون على سلاح النوستالجيا للخلافة عمومًا كمثال تقريبي للدولة التي يحلمون بها. مشكلة هذا النوع من النوستالجيا أنه بعيد عنا جدًا ويحتاج من أجل استدعائه إعادة سرد القصة لتناسب واقعًا تغير بعد هذه الفترة بمئات السنين. لكن مرسي، والذي لم يحكم أكثر من عام، أصبح رمزًا جديدًا للنوستالجيا الإسلامية الإخوانية. هذه النوستالجيا تقوم على أمرين: أولهما، مقارنة مرسي بمن جاء بعده وهو السيسي، وفي هذه المقارنة يعتمد الإخوان على تسليط الضوء على الفارق في البطش ودرجة الدكتاتورية. متناسين أن حتى ٣٠ يونيه كان الإخوان يهددون المعارضة بالجيش وأن مرسي تحدث أكثر من مرة عن الشراكة القوية بين الرئاسة والداخلية والقوات المسلحة “العبور الثاني وعندنا رجالة زي الذهب”. وثانيهما، الاعتماد على ما كان من الممكن أن يحدث، وهي نوستالجيا من نوع خاص؛ فهي تحول ما كان من الممكن أن يكون إلى تاريخ نأسف على ضياعه. ولأن عامًا واحدًا لا يكفي؛ فإن نوستالجيا محمد مرسي، لا تعتمد عليه بشكل كبير، وإنما تعتمد بشكل أكبر على البطش الحالي.

3) أفندينا المعظم.. “شوف جمال الملكية يا فندم”:

ربما يكون الخطأ من الدولة نفسها، ربما يكون دور شبكات التواصل الاجتماعي، ربما يكون دور بعض الإعلاميين الذين يتحدثون عن زمن الملكية الجميل مثل الإعلامي عمرو أديب، وربما تكون نوادر شعبية ترويها الجدات والجدود. ولكن لا يخفى على أحد أن الكثير الآن يتمنون لو أطلق أحمد مظهر الرصاص على صدر شكري سرحان وصلاح ذو الفقار في فيلم “رد قلبي”. مشكلة نوستالجيا المَلَكية أنها تجمع بين الشيء ونقيضه، فهي أولاً، تدافع عن هذا العصر كأنه أيقونة للمساواة والرقي بينما في الفريق نفسه من يضيف: “قبل ما الفلاحين يمسكوا البلد!” ثانيًا، تتحدث عن اللباقة والأناقة، ثم يضيف آخرون “أصل البلد لازم تمشي بالكرباج!” أشياء غريبة. فكرة أن ينصب الناس عليهم ملكًا، هو أمر غريب في حد ذاته. لكني متفهم لماذا يبدو الأمر واقعيًا لبعض الناس. أولًا، آخر ملوك مصر أحمد فؤاد ما زال حيًا يرزق، وأولاده ما زالوا يلقبون أنفسهم بالأمراء. ومن ينظرون إليهم بعين الرضا والندم على الماضي الجميل يتعدون حدود الطبقات والأعمار وغيرها. الغريب أننا نجد بعض أصحاب المدرسة العسكرية منجذبين للملكية؛ لأنهم يريدون أي نظام قديم والسلام، وبعض الإسلاميين يتحدثون عن تلك الفترة بشيء من الحنين أيضًا اعتقادًا منهم أنها ربما تقيهم شر الدولة، مثل نموذج المغرب حاليًا. الغريب والذي لاحظته شخصيًا، ولكن لم أدرسه، هو أنه كلما زادت الدولة العسكرية بطشًا كلما زاد الترحم على الملكية، وكلما طغت الدولة في استخدام نوستالجيا يوليو ١٩٥٢، كلما زادت نوستالجيا مصر العلوية ـنسبة لمحمد علي باشا ونسله. سيكون من المضحك جدًا إذا تسببت هذه الدولة في رجوع شعبية الملكية لسببين. أولهما، أنها تقضي بهذا على دولة يوليو بنفسها. ثانيهما، أن تعود الملكية إلى الحكم ولا يعود مرسي.

4) “كانوا أجمل ١٨ يومًا في حياتي”

ثوار يناير أيضًا وقعوا في فخ النوستالجيا. لكن مشكلة ثورة يناير أنها قصيرة جدًا، فلا تستطيع أن تنافس أي من النوستالجيات السابقة. أيضًا، هي نوستالجيا تعتمد على المشاركة والتجربة، ومن ثمة هي محصورة في من شارك فيها وأيدها، لا توجد نوستالجيا هنا إلا في عقل من شارك فيها. لعل هذا يكون شيئًا طيبًا في ذاته. إما يعيش أصحاب يناير على ذكرى الـ ١٨ يومًا، أو ينجذبون لنوستالجيا أخرى مما سبق، أو يتوجهون كما اتجهوا من قبل إلى المستقبل. على أية حال، هؤلاء يمرون بتجربة إنسانية مريرة، بين الهروب والصمود، بين الذكريات واللجوء للنسيان، بين تقديس الذات وكراهية الذات. مرحلة نفسية معقدة مليئة بالحسرة وخيبة الأمل والوقوف أمام أية فرصة للتصالح مع المستقبل بشعارات مثل “الأمل خيانة”.

***

النوستالجيا مرنة حسب من يستدعيها في مخيلته ويصدرها للناس، ولكن لأنها في ذاتها تعتمد على الذاكرة وقدرة العقل على الاستدعاء أو دراسة الماضي، فهي أيضًا تستعين بالخيال. والخيال قادر على تصور ماضٍ يغني عن المستقبل وبالتالي سيشكل -مع الوقت- أكبر تحد للحاضر.

إن اعتماد النظام على استدعاء الماضي كأداة في حروب التواصل والإعلام التي نعيشها، سيكون له أثر سلبي في هذا النظام نفسه. لكن، علينا أن نكون واقعيين عندما نقول إنه من دون تقديم صورة ملموسة للمستقبل ستبقى حروب مصر حروب الماضي. ولذلك لا أريد شخصيًا أن أكون جزءًا من نزاعات حول الماضي المتجسدة الآن في دولة يوليو والإخوان. أو ربما في يوم من الأيام نجد تطورًا لنوستالجيا الملكية والحالمين بعودتها، وهو أمر لا أستبعده في بلد تتفوق على نفسها يوميًا في تقديم ما لا يدركه الخيال.

ولكن بالنسبة لي شخصيًا؛ فأنا لا أريد للزمن أن يقف أو يرجع، ولا حتى إلى ٢٥ يناير. أريد أن أكون جزءًا من المستقبل وصياغة هذا المستقبل، في حالة عامة يستطيع أن يشكلها الإعلاميون، والكتاب، والمبدعون، وكل من له قدرة على التأثير والتغيير. إن أول انتصار حققه النظام على الثورة هو أنه خطف منها الحوار وموضوعات النقاش والأجندة المجتمعية، ولكي يحدث أي تغيير يجب أن يصبح المفعول به فاعلًا.

اعلان
 
 
أحمد أبو حسين