Define your generation here. Generation What

سجناء لا يراهم أحد (1)

مهند إيهاب.. طفل يقاتل السجن والإصلاحية والمستشفى الميري

***

في العاشر من ديسمبر الجاري، وبمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان، أصدرت الخارجية المصرية بياناً تؤكد فيه على اعتزاز مصر بهذا اليوم، مذكّرةً بأن سعي مصر لحماية الحقوق والحريات ليس وليد اللحظة، لأن حقوق الإنسان بلابلابلا…

بهذه المناسبة أريد أن أحكي لمصر ولخارجيتها، لا عن السجناء الذين يواجهون البرد بلا بطانيات ولا ملابس شتوية ولا أدوية بسجن العقرب، بل عن طفل وحيد أبويه، يقتله السجن الآن، رغم خروجه منه، أقسى قتل وأشنعه.

مهند إيهاب.

طفل سكندري اعتقل مرتين؛ الأولى من 27/12/2013 إلى 2/4/2014، بتهمة التظاهر ضد النظام، وكان عمره وقتها 17 سنة، فأودِع في إصلاحية الأحداث بكوم الدكة بالإسكندرية، حيث يُسجن الأحداث، وقد نُشرت له رسالة عن التعذيب هناك، هذا نصها:

“امبارح يوم الخميس 13-13-2014 تعرضت للضرب والإهانة والذل، ووقت النوم جاء وأنا منمتش، الظابط دخل لقاني صاحي، مسكني وقالي اطلع اقف برة، وقعد يسبلي الدين ويشتم أهلي وأمي بكلام ميتقالش للمسجون الجنائي. وبعد كدة راح قالي نام على بطنك وايدك ورا ضهرك وخلاني أسحف على بطني رايح جي، ويضربني على ضهري ويشتم أمي. وإحساس وانت وشك في الأرض ونايم على بطنك وبتسحف في قمة الإهانة بتكون عاوز تولع في نفسك”.

هكذا يعاملون الأطفال! وهكذا اسمها: “إصلاحية”!

صدر حكم بسجن مهند 5 سنوات ثم خففها الاستئناف إلى 3 شهور، فخرج.

بعد خروجه قدّم شهادة، بمركز “الشهاب لحقوق الإنسان”، عن تعذيبه في مديرية أمن الإسكندرية فور اعتقاله، قبل تسليمه لـ”إصلاحية” الأحداث، يقول فيها:

“تعرضت خلال فترة اعتقالي… إلى حفلات تعذيب وانتهاكات على يد قوات الشرطة، بدءاً من احتجازنا في الدور الرابع بمديرية أمن الإسكندرية، حيث التحقيق يجرى بمعرفة ضباط أمن الدولة، الذين يستخدمون الصعق الكهربائي والضرب بطرق موجعة لا تترك أثراً في الجسد، ونحن معصوبي العينين، واحتجزوني ضمن 30 شاباً في غرفة ضيقة للغاية لم نكن نستطيع التنفس فيها، وكنا ننام في تلك الغرفة بالتناوب لضيق المكان”.

المؤلم حقاً أنه لم يكن، هذه المرة، متظاهراً، بل كان على موعد مع صديقه فادي عند حي المنتزه للذهاب معاً إلى أحد المقاهي. ورغم أنه كان في تلك الفترة يشارك أحياناً في مظاهرات شباب الإخوان، ولكن المشكلة هذه المرة أنه كان يمسك بحقيبة أثارت ريبة الضابط، فقبض عليه وعلى صديقه.

أما الحبسة الثانية “القاتلة” فبدأت يوم 21/1/2015، وكان قد أتم 18 سنة، فسُجن بالمديرية ثم رُحّل في مارس 2015 إلى سجن “برج العرب” الذي بدأ المنافسة على المراكز المتقدمة لأكثر السجون المصرية انتهاكاً لحقوق الإنسان. وهذه المرة كان متوجهاً للمظاهرة فاعتُقل في محيطها، قبل وصوله هناك للتظاهر!

حكى مهند لي حكايته بعد ذلك عبر الفيسبوك بعد خروجي من السجن، حين طلبت منه ذلك للكتابة عن حالته. وقد حكى لي ولكثير من أصدقائه عما تعرض له في الإصلاحية، لكني آثرت نقله من رسالة وشهادة منشورتين. هنا سأنقل ما حكاه لي عبر “الفيسبوك” لأنه كان يُعالج في أمريكا، وما زال هناك:

“في شهر خمسة بدأت ارجّع وانزل دم من مناخيري وما أقدرش أتكلم ومش عارف أمسك حاجة، ومش عارف أدخل حمام لوحدي وكده، رحت مستشفي السجن، قالولي عندك أنيميا وبعد كده قالولي تايفويد، وبعد كده قالوا فيروس في الكبد، وودّوني مستشفى الحميات. ماعرفوش يشخصوني أصلاً، بعد كده كل ما أحاول أعمل تحليل دم في السجن يرفضوا، مش موافقين، لحد ما مرة جه والدي وعرف ياخد التحليل ووداه معمل. قالوله سرطان دم. بس بعد كده فضلت لحد ما اتنقلت (المستشفى) “الميري”. وزني نزل ٢٥ كيلو في شهر. طبعاً كان في محاولات كتير فشخ إنهم يرجعوني السجن، وما أكملش علاج”.

هنا، لا بد من بعض التوضيح: الآن لا يتم نقل أي سجين سياسي بسجن “برج العرب” لأي مستشفى إلا إذا كان يحتضر أو ينزف نزيفاً خطيراً كحالة مهند. والأسوأ أنه مع الإلحاح وتقديم شكاوى وإثارة ضجة في الصحافة، يجري نقل السجين للمستشفى الميري متأخراً فلا يمكن القيام بإجراءات عرضه على الأطباء، فيعود للسجن بالتالي، ويتكرر ذلك بلا جدوى. عادل عبدالكريم ويوسف شعبان مثالان أتابعهما شخصياً عبر أهليهما، ويحدث هذا معهما، رغم أن اللواء أبو بكر عبد الكريم، مساعد وزير الداخلية للعلاقات العامة، الذي لا يمل من التصريح بأن كله تمام التمام، ردّ عليّ في “المصري اليوم” بأن يوسف عُرض على المستشفى، دون أن يكمل بأن عرضه يتم دون جدوى كل مرة بسبب تأخر الترحيلة، بينما السجين عادل عبد الكريم يقترب من الموت بجلطة في الشريان التاجي، ولا ينقلونه للمستشفى الميري إلا متأخراً، للمرة الرابعة على التوالي.

أيضاً، لا يسمح السجن بعمل تحاليل في مستشفاه، وحين يعرض الأهالي إحضار “آيس بوكس” فيه ثلج وحقنة وأنبوب لسحب العينة، وأخذها معهم لأقرب معمل تحاليل بعد الزيارة، يرفض الضباط إدخال لوازم التحليل. في حالة مهند، لا أدري كيف أُجريَ التحليل لأني عاجز عن الوصول إلى أسرته الآن، لكن في أكثر من حالة أخرى، ينجح الأهالي في إخفاء الحقنة والأنبوب فقط ويخططون تخطيطاً مطولاً إلى أن ينجحوا في سحب العينة بقاعة الزيارة المزدحمة دون علم الضباط. (أعرف حالة سجين تابعتها بعد خروجي، كان ينزف دماً بشكل مرعب، وأصرت الإدارة على رفض التحليل، حتى نجحت أسرته في أخذ العينة دون علم الإدارة، وعرضتُ على الأسرة نشر الحالة في الصحافة فرفضت خوفاً من تنكيل الإدارة بابنهم السجين، إذا عرفوا أنهم أخذوا العينة، مفضّلين تهريب الأدوية له حتى يتعافى، لأن مرضه لم يكن خطيراً).
ستجد حكايات أخرى عن معاملة السجناء الأصحاء والمرضى في المقالين التاليين: 1، 2.

أعود لحكاية مهند، الذي ظل السجن يتعنت في علاجه حتى أثار أهله ضجة حول حالته وقدموا شكاوى كثيرة، بعد أن هزل مهند واشتد عليه النزيف. اقرأ هذه التويتة لصديقه مروان يوم 11 يونيو: “مهند إيهاب معتقل ف برج العرب. مهند تعبان جداً. رجّع فالمحكمة واغمى عليه دخل مستشفى فالسجن مش راضيين يدخلوله أدوية”.

هكذا نُقل مهند يوم 28 يونيو إلى أحد أقذر مستشفيات الإسكندرية، المستشفى الميري.

سألته عن سبب المرض، وعلاقته بالسجن، وما قاله طبيبه في ذلك، فقال بنزاهة وصدق:

“في مصر قالّي ما أعرفش. في أمريكا قالّي ده حاجة في جيناتك. يعني الموضوع كان موجود بس مش نشط. لو ما دخلتش سجن برضه كان هيجيلك، بس البيئة المحيطة ساعدت المرض إنه يطّلع.. هما أخروني على بال ما عرفوا إني مريض، ف ده عمل تدهور في الحالة، وطبعاً سوء تغذية ومياه مصدية وكده. دي مش أسباب المرض، بس دي دهورت الحالة.. نسبه السرطان وصلت في دمي وأنا في السجن ٩٣٪… يعني لو واحد عنده ٥٪، يبقي عنده سرطان، وياخد كيماوي. أنا بقى وصلت عندي لغاية ٩٣”.

صورة التقرير

صورة التقرير

كان ذلك التحليل يوم 29 يونيو، بعد أول تحليل بمستشفى الميري بعد نقله. (صورة التحليل مرفقة). وكان مهند يتلقى علاجه الكيماوي ويداه في الكلابشات في هذا المستشفى الحكومي الذي يموت فيه الأصحاء، ناهيك عن المرضى. وبعد تدهور صحته أكثر، مع شكاوى كثيرة أيضاً، أُخلي سبيله على ذمة القضية أواخر يوليو، ليطير إلى أمريكا حتى يُعالج كإنسان. وما زال على ذمة القضية! معنى هذا أنه ظل طوال مايو ويونيو بلا أي علاج، وطوال يوليو بعلاج المستشفى الميري، الشنيع. فما الذي سيفعله سرطان الدم به؟!

صوره تريك كيف يتعذّب ويعاني، ليس لأنه سُجن، بل لأنه لم يُعامل كإنسان في السجن.

مهند

مهند

لم ألتق بمهند، غير أنه كبر في نظري حين نقل كلام طبيبه بصدق. كان بإمكانه الادعاء أن السجن سبب مرضه، كان بإمكانه المتاجرة بالأمر، وكان سيربح الكثير. ابحث عنه على الإنترنت، ولن تجد أنه تحدث عن مرضه لأي وسيلة إعلام.

في يوم 30/11 كتب مهند هذه التدوينة على صفحته بـ”الفيسبوك”:

“الحمد لله الذي لا يحمد علي مكروه سواه. أنا وقفت كيماوي بس ده مش عشان خفيت و كده. لا ده عشان مفيش نتيجة و الحالة ميئوس منها والجو ده :).  المفروض فيه تجربه أخيرة كده بس هما متوقعين عدم نجاحها، بس غير كده هقعد في بيتنا 😀
Stay in the fight till the final
round.”

لن أكتب عن شجاعة هذا الطفل في مواجهة الموت والمرض والظلم والسجن والميري، وحده، لأنني أخشى أن نخسره، وأرجو من صميم قلبي أن يصمد. ربما لا نملك إلا أن نكتب على صفحته كلمات التشجيع والمحبة والدعاء.

كم فتى كهذا لا يملك أهله ثمن العلاج بأمريكا، فيقتله السجن قتلاً بطيئاً، مؤلماً، مروعاً، سواء كان سجيناً سياسياً أو جنائياً؟ لأن إدارة السجن لا توفر معمل تحليل بالمستشفى، ولا تسمح بأخذ عينات دم، ولا تنقل المريض لمستشفى خارجي إلا بعد أن يكون المرض قد فتك به، ثم تنقله أخيراً للمستشفى المطلوب تماماً لقتل أي مريض يدخله.

ذكّرني كل هذا بصيحة إسلام حسنين، زميلي في القضية، الفتى الريفي ذي الـ19 سنة، الذي سُجن معنا لمجرد أنه خرج من معهده القريب من المظاهرة دون أن تكون له أي علاقة بأي مظاهرة في الدنيا. ذكّرني هذا بصيحته “تعملي فيا كده يا مصر”؟

قلبي معك يا مهند، مع أنه لن يجديك شيئاً.

اعلان