Define your generation here. Generation What
قرار السعودية زيادة استثماراتها في مصر ٣٠ بالمائة.. بين الاقتصاد والسياسة
 
 

“القرار سياسي” هذا ما يتفق عليه عمرو عادلي- الباحث المتخصص في الاقتصاد السياسي في مركز “كارنيجي” للشرق الأوسط-، ومعتز سلامة- مدير وحدة أبحاث الخليج في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية-، فيما يتعلق بقرار المملكة العربية السعودية رفع استثماراتها في مصر إلى نحو ثمانية مليارات دولار (30 مليار ريال سعودي).

وتبلغ الاستثمارات السعودية في مصر حاليًا أكثر قليلًا من 6.144 مليار دولار تبعًا لبيانات حصل عليها “مدى مصر” من الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة.

من جهته، يربط عادلي بوضوح بين الوعد الذي أطلقته المملكة وانضواء مصر تحت راية ما يسمى بـ “الحلف العسكري الإسلامي” الذي تقوده السعودية في مواجهة “الإرهاب”.

وهو رأي يدعمه من وجهة نظر عادلي “انعدام أية وجاهة اقتصادية تقريبًا في اتخاذ قرار من هذا القبيل في هذا التوقيت، على نحو لا يمكن معه تفسير الأمر إلا من وجهة نظر جيوسياسية”، على حد قوله. مضيفًا: “صحيح مثلا أن السعودية لا تزال تحتفظ لنفسها باحتياطيات ضخمة من النقد الأجنبي تصل إلى 600 مليار دولار.. لكن من الواضح أنها ستبدأ في مواجهة مشكلات في المدى المتوسط تتعلق بتآكل الاحتياطيات المتولدة تاريخيًا من سنوات ارتفاع أسعار النفط الماضية في حال واصلت أسعار النفط انخفاضها الحالي”.

كانت أسعار النفط قد تراجعت في السوق العالمية بواقع 50% خلال السنة الحالية.

وتبعًا لبيانات صندوق النقد الدولي؛ فقد تتراجع الإيرادات النفطية السعودية في العام 2015 إلى 24.2% من الناتج المحلي، قياسًا إلى 33.9% في العام 2010، ويرجح أن يرتفع عجز الموازنة إلى 19.5% بنهاية العام الحالي قياسًا إلى 3.4% في العام الماضي، وإلى فائض في الموازنة بلغ 3.6% في العام 2010، و11.2% في العام 2011.

ويحذر صندوق النقد من تباطؤ متوقع في معدل نمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي خلال عامي 2015 و2016، “وثمة مخاطر وتطورات سلبية تهدد آفاق النمو تنشأ في الأساس من تراجع أسعار النفط (…) وتصاعد الاضطرابات الإقليمية”- حسبما يقول في تقرير “مشاورات المادة الرابعة” (عن العام الحالي– وهو تقرير سنوي يصدره خبراء الصندوق حول الأداء الاقتصادي لدولة من الدول الأعضاء على حدة).

يستكمل عادلي قائلًا: “من ناحية أخرى لا يبدو أن زيادة الاستثمارات السعودية في مصر بملياري دولار تقريبًا هو أمر مكلف للغاية بالنسبة للسعودية، لكن في المقابل هذه الزيادة تمثل ما يقرب من 30% (من حجم الاستثمارات الحالية). من غير الواضح متى يفترض أن تتم هذه الزيادة، في ظل غياب لافت لأي بيانات حول تفاصيل هذا الوعد السعودي، لكن إذا افترضنا أن الزيادة ستتم خلال سنة فسيكون الأمر غير واقعي لدرجة لا يمكن تفسيرها إلا في إطار سياسي”.

معدلات الزيادة السنوية في الاستثمارات السعودية منذ العام 2011، تشير إلى أن زيادتها بواقع نحو ملياري دولار إضافية قد تكون أمرًا استثنائيًا للغاية -حسبما يبدو من بيانات تعود لنهاية أكتوبر الماضي، صادرة عن الهيئة العامة للاستثمار. إذ كانت الاستثمارات السعودية في مصر في العام 2011، قد بلغت 421 مليون دولار، و310 ملايين دولار في العام 2012، وهبطت إلى 111 مليون دولار في العام 2013، والذي شهد قرب نهاية حكم الإخوان، و342.5 مليون دولار في العام 2014، والذي شهد انتخاب عبد الفتاح السيسي رئيسا للجمهورية، و249 مليون دولار في العام الحالي، والذي شهد وفاة الملك عبد الله بن عبد العزيز وانتقال الحكم لولي العهد الملك سلمان، وهي أيضًا الفترة التي شهدت تكهنات بشأن فجوة ما بين البلدين.

ويتصدر القطاع الصناعي قائمة القطاعات التي تتركز فيها الاستثمارات السعودية في مصر بإجمالي استثمارات تتجاوز 2.062 مليار دولار، ثم القطاع الإنشائي بإجمالي استثمارات تبلغ 1.331 مليار دولار، ثم السياحي باستثمارات تتجاوز 948.6 مليون دولار، ثم التمويلي باستثمارات تبلغ 696.78 مليون دولار، ثم الزراعي باستثمارات تبلغ 543.8 مليون دولار، ثم 493.14 مليون دولار، وأخيرًا قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات 69.18 مليون دولار.

إلا أن اللافت في هذا السياق هو تغير أولويات الاستثمارات السعودية خلال 2014 و2015، ليتصدر القطاع الإنشائي قائمة تلك القطاعات باستثمارات تبلغ 126.67 مليون دولار، و145.15 مليون دولارعلى التوالي.

وفي حين يرى معتز سلامة، أن تعهد السعودية بزيادة استثماراتها في مصر هو أمر يتعلق في المقام الأول بخدمة أهداف السياسية الخارجية السعودية لا بالجدارة الاقتصادية، إلا أنه لا يرى في المقابل ارتباطًا مباشرًا بين هذا التوجه وقرار السعودية بناء تحالف عسكري إسلامي يضم مصر.

وأوضح سلامة، قائلًا: “لا تتوفر إلى الآن أدلة على هذا الطرح بسبب عدم وضوح الدور الذي ستضطلع به مصر ضمن هذا التحالف، كما لا تتوفر أدلة واضحة أصلًا على إمكانية قيام تحالف عسكري بهذه السرعة في ظل تعثر تأسيس هذا التحالف بين بلدان مجلس التعاون الخليجي مثلا منذ عقود، ولا (أدلة كذلك) عن أية مساعدات ستقدمها السعودية في هذا السياق لبقية الدول المنضوية ضمن التحالف”، مضيفًا: “التحالف أصلًا جرى الإعداد للإعلان عنه بسرعة… خلال 72 ساعة من بدء التشاورات غير المعلنة عنه، من الواضح أن السعودية اتخذت قرارًا سريعًا بسبب الضغوط الغربية والاتهامات التي طالت عددًا من الدول الإسلامية بدعم التطرف أو الوقوف مكتوفة الأيدي حيال انتشاره”.

واستكمل قائلًا: “السعودية تستهدف (من وراء زيادة استثماراتها) إعادة دعم العلاقات مع مصر والتأكيد على أن العلاقة معها لم تتضرر بعد تولي الملك سلمان خلفًا للملك (الراحل) عبد الله بن عبد العزيز”.

مثله٬ قال أنور عشقي- مدير مركز الشرق الأوسط للدراسات السياسية في السعودية- لـ “مدى مصر” عبر رسالة هاتفية: إن الاتفاق بين مصر والسعودية حول الاستثمارات الجديدة جاء في مقابل “أن تقوم مصر بتحسين البيئة الاستثمارية وحماية الاستثمارات الخارجية”، مضيفًا أن الاتفاق يستهدف “إفهام أعداء مصر أن السعودية مع مصر”. كما أكد أنه لا يوجد ارتباط بين الاستثمارات وانضمام مصر للتحالف؛ فالتحالف لصالح مصر لأنه يدعمها ضد الإرهاب.

ويقول عادلي: “بالرغم من ارتباط القطاع الخاص السعودي بالحكومة هناك على نحو وثيق -وهو أمر يعود إلى حد كبير إلى العلاقات العائلية المتشابكة بين كبار رجال الأعمال والأسرة المالكة-؛ فإن صيغة التعهد (الصادرة من الملك سلمان بن عبد العزيز تبعًا لوكالة الأنباء السعودية) توحي بأن الحكومة السعودية ستضطلع بزيادة الاستثمارات السعودية بنفسها ربما عبر صندوق سيادي أو غيره”.

لكن سلامة يرى في المقابل أن الارتباط بين القطاع الخاص السعودي والحكومة يسمح بالاعتماد في تنفيذ هذا التعهد على القطاع الخاص، مضيفًا أنه “لطالما اقتفى القطاع الخاص (السعودي) إثر القرار السياسي وأولويات السياسة الخارجية للحكومة هناك”.

بدوره، قال أحمد صبري درويش- رئيس جمعية رجال الأعمال المصرية السعودية- لـ “مدى مصر” إن الاتفاق المبدئي يتضمن أن توفر الحكومة السعودية تمويلا لشركات خاصة تنفذ الاستثمارات.

وبالنسبة لعشقي٬ فيقول إن الصورة لم تتضح عما إن كانت الحكومة السعودية ستقدم على تنفيذ تلك الاستثمارات عبر أذرع حكومية أم عبر تفاهمات مع القطاع الخاص، ولكنها غالبًا ما ستكون عبر القطاع الخاص بتسهيلات وحماية من الدولة.

أسامة النقلي- المتحدث باسم وزارة الخارجية السعودية- رفض الإجابة عن أسئلة “مدى مصر”، حول ما إن كان قرار توجيه استثمارات سعودية إلى مصر يرتبط بوجاهة اقتصادية أم سياسية، وما إن كانت المملكة تنوي توجيه تلك الاستثمارات عبر أذرع تابعة للدولة من قبيل الصناديق السيادية أم عبر القطاع الخاص، وما إن كان بالإمكان أصلًا إطلاق وعد بهذا “السخاء” باسم القطاع الخاص، وما إن كانت المملكة تعتبر القطاع الخاص السعودي ذراعًا معاونة لها عمومًا في توجيه استثماراتها أم تفضل الاعتماد فقط على الصناديق السيادية؟؟

واكتفى النقلي بالقول عبر رسالة هاتفية، إن السفير السعودي في مصر هو ممثل المملكة لكونه المتابع لهذا الملف، لكن تعذر الاتصال أيضًا بالسفير السعودي في القاهرة أحمد القطان.

اعلان
 
 
بيسان كساب