Define your generation here. Generation What
أزمة سد النهضة: الدبلوماسية المصرية بين التفاوض والتصعيد
 
 

قبل أسبوع من الجولة المقبلة من المفاوضات الجارية حول سد النهضة، والتي تشمل مصر والسودان وإثيوبيا، والمنتظر إقامتها في العاصمة السودانية الخرطوم يومي 27 و28 ديسمبر الجاري، نرصد في هذا التقرير تطورات تعامل السياسة المصرية مع “أزمة السد”.

لم يبدأ ملف مصر المائي في الوجود بإلحاح على أجندة السياسة المصرية حتى أوائل العام 2010. قبلها، كانت اتفاقيات تقاسم مياه النيل عام 1929، ثم اتفاقية مصر والسودان 1959 تحفظان لمصر النصيب اﻷكبر من مياه النيل.

طبقًا للاتفاقية اﻷولى، تحصل مصر على حصة 48 مليار متر مكعب بنسبة 57% من مجموع مياه النيل، وتم توقيعها بين مصر وبريطانيا نيابة عن 3 من دول حوض النيل، هي: أوغندا وتنزانيا وكينيا، وقت خضوعها (بما فيها مصر) للاستعمار البريطاني. وتعطي الاتفاقية مصر حق الاعتراض (فيتو) على المشاريع التي تقام على النهر، وتسمح لمصر بإقامة اتفاقيات ثنائية مع السودان في ما يتعلق بترتيبات الاستفادة المشتركة من مياه النيل.

وفي 1959، عقدت مصر اتفاقها الثنائي مع السودان لتحتفظ مصر بنسبتها، وتوزيع الفائدة المائية الناتجة من السد العالي على الدولتين، وهو ما يرفع نصيب مصر إلى 55.5 مليار متر مكعب بنسبة 66% من المياه.

وبعد استقلال دول حوض النيل (مصر والسودان وأوغندا وإثيوبيا والكونغو الديموقراطية وبوروندي وتنزانيا ورواندا وكينيا، وإريتريا لاحقًا) من الاستعمار، طالبت بعض الحكومات بتعديل اتفاقيات تقاسم مياه النيل، بهدف السماح لهم بإقامة مشاريع على مجرى النهر دون تعقيدات الرجوع للحكومة المصرية من أجل التفاوض والتنسيق معها.

أدت النقاشات بين دول حوض النيل في فبراير 1999 إلى توقيع عشر دول على مبادرة حوض النيل. وطبقًا لموقعها اﻹلكتروني؛ فإن المبادرة تعمل بشكل انتقالي مؤقت إلى أن تنتهي الدول اﻷعضاء من التوقيع على اتفاقية إطارية جديدة للتعاون تحدد بشكل دائم حصص اقتسام مياه النيل وإنشاء مفوضية تتولى آليات تطوير مشاريع تنموية على النهر.

وبعد أكثر من عقد، فشلت دول حوض النيل في الاتفاق على اتفاقية إطارية. وفي مقر سكرتارية المبادرة في “عنتيبي” بأوغندا، في مايو 2010، قررت أربع دول، هي: إثيوبيا وأوغندا وتنزانيا ورواندا. توقيع مقترح باتفاقية إطارية لتقاسم المياه؛ على أمل إقناع دول أخرى بالموافقة وتحقيق أغلبية داخل مبادرة حوض النيل تسمح بإقرار الاتفاقية بشكل نهائي.

وبعد يومين، وقّعت كينيا على الاتفاقية كخامس الموقعين. وبهذا، أصبحت دول مبادرة حوض النيل العشر في انتظار انضمام دولة أخرى للاتفاقية لتحقيق الأغلبية بستة أعضاء.

وقتها، استنكرت مصر موقف الدول الموقعة ورفضت مراجعة اتفاقيات نهر النيل، وأعلنت تجميد أنشطتها بمبادرة حوض النيل. وأكد الخطاب السياسي الرسمي أن مصر لن تتنازل عن حصتها التاريخية من مياه النيل. وبالرغم من الرفض القاطع للاتفاقية؛ فإن مصر بدأت في هذه الفترة الانتباه للمخاطر المحتملة التي يواجهها أمنها المائي بعد توقيع اتفاقية عنتيبي.

وفي محاولة منها لتحسين علاقاتها بدول حوض النيل، قررت مصر إقامة دورة لكرة القدم لدول حوض وادي النيل. في نهاية 2010، دعت مصر تلك الدول للمشاركة في دورة الكرة في بداية 2011. لكنّ كلا من إثيوبيا ورواندا وإريتريا أعلنت انسحابها من الدورة بعد أن ألقى الخلاف السياسي حول اتفاقية عنتيبي بظلاله عليها.

فازت مصر بكأس الدورة وسط احتفال شعبي ودعم رسمي، لكن شيئًا لم يتحسن في علاقتها بدول حوض وادي النيل.

ولكن بعد أن انتهت مصر من احتضان دول حوض النيل في دورتها الكروية بأسابيع قليلة، أعلنت بوروندي توقيعها على الاتفاقية الإطارية كسادس اﻷعضاء، وهو ما حقق اﻷغلبية. ولم يعد أمام الاتفاقية سوى أن يتم إقرارها من قبل برلمانات الدول الموقعة حتى تدخل حيز التنفيذ قبل أن يتم تفعيلها بغض النظر عن موافقة مصر. وحتى الآن، صدقت ثلاث دول فقط منها على الاتفاقية في برلماناتها، وهي: إثيوبيا وتنزانيا ورواندا.

وفي مارس 2011، بعد شهر واحد من انضمام بوروندي وشهرين من اندلاع الثورة في مصر، أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي السابق ميليس زيناوي نية بلاده الشروع في بدء تنفيذ سد النهضة الإثيوبي الكبير.

وطبقًا لما قاله مصدر دبلوماسي مصري رفيع، رفض نشر اسمه، لـ “مدى مصر”، فقد بدأ التفكير اﻹثيوبي في مشروع السد منذ العام 2005، إلا أنه ظل حلمًا على ورق لمدة سنوات.

وحسبما يرى عدد من الخبراء في تقرير صدر عن ورشة عمل أجراها معهد “ماسوتشوسيس” للتكنولوجيا؛ فإن السد الإثيوبي يثير خمسة تحفظات أساسية. أولًا، لا بد من أن يعمل السد بالتنسيق الكامل مع عمل السد العالي في مصر. “لم يحدث في أي مكان آخر بالعالم أن يعمل سدان كبيران كهذين على النهر نفسه دون تنسيق شامل”.

ثانيًا، يتطلب تصميم السد الحالي أن يتم بناء سد آخر مساعد ليمنع المياه التي يتم تخزينها من الانتشار خارج الخزان. وطبقًا للتقرير؛ فإن المخاطر التي قد تنتج إذا ما فشل هذا السد المساعد في القيام بدوره “لم يتم تقييمها بدقة [من قِبل منفذي المشروع]”.

التحفظ الثالث، هو مدى كفاءة البنية التحتية التي من المفترض أن تستوعب حجم الطاقة الهائلة التي سيتم إنتاجها من السد، والتي تتجاوز بكثير حاجة إثيوبيا.

وتتعلق التحفظات الباقية بمصر بشكل أساسي. يقول التقرير إن هناك مشكلات حول موقع وسعة منافذ إطلاق المياه التي ستمر لمصر وإثيوبيا أثناء فترة ملء الخزان أو فترات الجفاف.

اﻷمر اﻵخر هو أن معدل تراكم اﻷملاح في اﻷرض الزراعية في دلتا النيل سيتزايد بشكل كبير، باﻹضافة إلى أن استخدامات المياه زراعيًا في السودان ستتسبب في انسحاب المياه من مصر، وهو ما قد يتسبب في انخفاض حجم المياه المتوفرة إلى مصر. ويرى التقرير أنه لا بد من إجراء دراسات عاجلة لتقييم هذه المخاطر وتحديد طرق تقليصها.

وبالرغم من التحفظات العديدة على المشروع؛ فإن الحكومة اﻹثيوبية أصرت على المضي.

أولى الصعوبات التي واجهت إثيوبيا كانت في تمويل المشروع. طبقًا للمصدر الدبلوماسي، تسببت الضغوط الدبلوماسية التي قامت بها مصر في امتناع كل المؤسسات الدولية المانحة عن تمويل المشروع.

ونتيجة لهذا، قررت إثيوبيا تمويل عملية بناء السد ذاتيًا إلى جانب بعض القروض من بنوك صينية. وأعلن مجلس الوزراء اﻹثيوبي عن تأسيس مجلس وطني كصندوق لـ “تشجيع المواطنين على المساهمة في بناء السد وتنسيق جهود اﻹثيوبيين بالداخل والخارج من أجل إنجاح المشروع”.

اندفعت الحكومة اﻹثيوبية في تنظيم حملات ضخمة لحث المواطنين على التبرع للمشروع. وفي تقرير للتليفزيون الفرنسي، نظمت الحكومة احتفالية لتكريم موظفي إحدى القرى الذين دفعتهم للتبرع للسد بما يقرب من 200 يورو من رواتبهم. وأمام الجموع، هتف أحد المسؤولين أن “سد النيل سوف يتم بناؤه كي يجلب لنا الكهرباء”، ورددت جموع المواطنين في القرية الهتاف.

وفي تقرير لمجلة Fortune حول السد، صرح زيناوي بأن إصرار حكومته على بناء أكبر سد في إفريقيا يظهر أنه “لا شيء يمكنه إيقافنا من مباشرة حقوقنا”. وحسبما يرى المصدر الدبلوماسي، فإن المشروع يأتي في سياق عدد من المشاريع القومية التي تحاول الحكومة اﻹثيوبية القيام بها “ﻷسباب سياسية وليست تنموية في اﻷساس”.

لهذا، حرصت الحكومة اﻹثيوبية على إسكات اﻷصوات الداخلية المعارضة ﻹنشاء المشروع. وفي يونيه 2011، تم الحكم على الصحفية ريوت أليمو بالسجن لمدة خمس سنوات بسبب انتقادها لمشروع السد والمخاطر البيئية والسكانية التي قد يتسبب فيها. وفشلت جميع المحاولات التي قام بها “مدى مصر” من أجل التواصل مع مصادر إثيوبية للتعليق على أجواء إنشاء السد العالي بسبب الخوف من تعرضهم لمشكلات أمنية هناك.

لكن أسلوب الخطابة الوطنية لم يقدم حلًا ﻹثيوبيا في مواجهة مشكلاتها. ولم تكن اﻹعلانات شبه الرسمية المتكررة عن التقدم في أعمال بناء السد سوى محاولة للتغطية على التأجيلات المتتالية التي تطال المشروع والصعوبات التي تواجهه. ورغم إعلان الرئيس اﻹثيوبيي في أكتوبر 2014، عن الانتهاء من 40% من عملية بناء السد مع وعد ببدء إنتاج 700 ميجا وات من الكهرياء بحلول يونيه 2015، إلا أن حكومته قد فشلت في الالتزام بوعودها حتى اﻵن.

مع بداية أعمال إنشاء السد، بدأت المفاوضات بين مصر وإثيوبيا والسودان للوصول إلى اتفاق فيما يخص اﻷزمة.

كان التصميم اﻷول للسد يحدد حجم استيعابه للتخزين بـ 14 مليار متر مكعب. ومع بداية المفاوضات في 2011، حددت الدبلوماسية المصرية موقفها، طبقًا للمصدر الدبلوماسي، بالتعامل مع اﻷزمة باعتبارها “ضررًا كارثيًا”، وهو ما يعني عدم إمكانية القبول بوجود السد بأي شكل كان.

لكن في 2012، رفعت إثيوبيا من مواصفات السد ليصل تخزينه إلى 79 مليار متر مكعب. يقول المصدر، إن موقف مصر الدبلوماسي قد تغير بسبب المواصفات الجديدة واستمرار تجهيزات عملية اﻹنشاء، ليتحول إلى القبول مع الحفاظ على شروط أساسية عدة تتعلق بالمشاركة في إدارة السد، وإطالة فترة ملء الخزان حتى لا تتأثر حصة مصر المائية خلال تلك الفترة.

ومع الفشل المستمر للمفاوضات، وفي يونيه 2012، تشكلت لجنة دولية من 10 خبراء، اثنان من كل دولة، باﻹضافة إلى أربعة خبراء دوليين، من أجل إعداد تقرير لتقييم عملية البناء وتحديد مدى اﻷضرار التي قد يتسبب فيها.

قدمت اللجنة تقريرها السري إلى الدول الثلاث في مايو 2013. وبعد خلافات بين مصر وإثيوبيا حول تأويل النتائج التي وصل إليها، تسرب التقرير إلى وسائل اﻹعلام.

تحدث التقرير عن عدد كبير من المشكلات التقنية والفنية فيما يتعلق بمواصفات أمان السد ومدى إسهامه في تحقيق تنمية حقيقية في إثيوبيا. وأوضح التقرير أيضًا عدم دقة ما طرحته دراسات المشروع حول تأثير السد على حصة مصر من مياه النيل.

وبعد أيام قليلة من زيارة الرئيس اﻷسبق محمد مرسي إليها في مايو 2013، قررت إثيوبيا تحويل مجرى النيل لبدء عمليات بناء السد.

تسببت الخطوة اﻹثيوبية في حشد شعبي ورسمي مصري، وتظاهر العشرات من المواطنين أمام سفارة إثيوبيا احتجاجًا.

طبقًا للمصدر الدبلوماسي، فإن رد الفعل تسبب في تخوفات داخل الحكومة اﻹثيوبية من أن تضطر الحكومة المصرية لاتخاذ رد فعل كبير إذا ما استمر الغضب الشعبي. “كانت هذه هي أقوى لحظات التفاوض في هذا الملف”، يقول: “ﻷول مرة يسعى اﻹثيوبيون لعقد اجتماع تفاوضي معنا”.

لكن لحظات القوة هذه لم تطل كثيرًا. عقد مرسي في يونيه اجتماعًا سريًا، أذيع عن طريق الخطأ، مع عدد من السياسيين لمناقشة تداعيات استمرار إثيوبيا في بناء سد النهضة. اقترح البعض تمويل متمردين داخل إثيوبيا، واقترح آخرون إرسال لاعبي الكرة ونجوم السينما في تنويعة مختلفة على مبادرة دورة الكرة وقت مبارك، ولم تجر أية مناقشة جدية للمسألة على اﻹطلاق.

تسبب الاجتماع المذاع في استدعاء الحكومة اﻹثيوبية للسفير المصري هناك، كما قدم سببًا منطقيًا لتأجيل الاجتماعات، مما أضاع فرصة دبلوماسية قوية على مصر.

استأنفت المفاوضات مرة أخرى في نوفمبر 2013 بعد رحيل مرسي. لكن الدول الثلاث فشلت في إحراز أي تقدم يذكر. وباستثناء تغير موقف السودان من معارضة بناء السد إلى تأييده؛ فإن أيًا من اﻷطراف لم يتغير موقفه.

ترى راوية توفيق -أستاذ مساعد العلوم السياسية بجامعة القاهرة- أن التغير في الموقف السوداني مهم من الناحية الرمزية والدبلوماسية. وتضيف توفيق أن إعلان السودان تأييدها لبناء السد يتناقض مع اتفاقيتها مع مصر وموقفها التاريخي من القضية.

يرجع البعض التغير في موقف السودان إلى مجموعة من اﻷزمات التي تصاعدت في الفترة اﻷخيرة بينها وبين مصر بسبب النزاع حول منطقة حلايب، وحالات التعذيب التي تعرض لها عدد من المواطنين السودانيين في أقسام الشرطة المصرية.

لكن هناك عوامل سياسية أكبر تتعلق بتغيير طال السياسة السودانية عمومًا. يرى المصدر الدبلوماسي أنه بعد تراجع التأثير المصري الدولي، تفضل السودان أن تقدم دعمها لإثيوبيا كحليف جنوبي صاعد يلقى دعمًا من الولايات المتحدة والصين، خصوصًا في ظل حالة العزلة السياسية التي يعانيها الرئيس السوداني عمر البشير بعد صدور أمر اعتقال دولي بصدده.

وباستثناء التحول في موقف السودان، لم يحدث أي تغيير في مواقف اﻷطراف المتفاوضة. وعبر عشر جولات من المفاوضات، كان آخرها يوم الجمعة قبل الماضي، لم يتمكن اﻷطراف من الاتفاق على وسيلة لحل اﻷزمة بالرغم من زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى السودان وإثيوبيا في مارس الماضي، وتوقيعه إعلان الخرطوم.

تضمنت تلك الاتفاقية اعترافًا ضمنيًا من مصر بحق إثيوبيا في بناء السد، في ما بدا وكأنه مبادرة ﻹثبات حسن النية من قبل مصر. وحسب عدد من المراقبين؛ فإن إثيوبيا تمكنت من الفوز قانونيًا وسياسيًا بهذا اﻹعلان، فلم تحصل مصر على أية ضمانات أو تصل إلى إطار واضح للتفاوض وحل المشكلات مع إثيوبيا.

لكن على العكس، ترى توفيق أن إعلان الخرطوم كان موفقًا من جانب الدبلوماسية المصرية. وفي مقال لها نشرته جريدة “الشروق” بعد اﻹعلان، قالت توفيق إن “الإعلان يعتبر محصلة واقعية للتغيرات فى حوض النيل خلال العقد الماضى”، ويمثل “محاولة لتحجيم الخسائر التى ستتحقق من تنفيذ إثيوبيا لهذا السد الذى فرضته كأمر واقع وأجبرت مصر على التفاوض عليه والتنازل بشأنه”.

لكن هذا الخلاف في الموقف من إعلان الخرطوم لا يقتصر على الخبراء والسياسيين فقط. “فريق التفاوض المصري نفسه لم يكن مجمعًا على موقف موحد من اﻹعلان”- يقول المصدر المصري.

يشير التخبط السياسي المصري إلى أزمة أكبر تتعلق بتحديد مسؤولية إدارة هذا الملف. رسميًا، تشترك وزارات الخارجية والري والموارد المائية والتعاون الدولي في إدارة الملف، وترجح مصادر اشتراك وزارة الدفاع والمخابرات فيها أيضًا باعتبارها مشكلة تمس اﻷمن القومي المصري.

ويتوزع الملف على هذه الوزارات: وزارة الري تخوض المفاوضات في ما يتعلق بالجزء التقني، وتدير الخارجية والتعاون الدولي الملف في ما يتعلق بالجزء الدبلوماسي والسياسي بعيدًا عن التفاصيل التقنية.

كما أضاف المصدر الدبلوماسي، أن الخطاب المصري الداخلي فشل في إقناع قطاع كبير من المصريين بعدالة القضية المصرية، وهو ما تسبب في ترديد البعض معلومات مغلوطة كثيرة.

إحدى أهم هذه المعلومات المغلوطة، هو أن مصر بحصتها من مياه النيل تحرم دول حوض النيل الاستفادة من المياه، خصوصًا أن هذه الاتفاقيات تم إقرارها تحت ظل حكم استعماري. لكن هذه المعلومات لا تتسم بالدقة. فطبقًا لدراسة أعدها معهد إدارة المياه الدولية؛ فإن إثيوبيا تتحصل سنويًا على 122 مليار متر مكعب من مياه اﻷمطار إضافة إلى 4 مليارات متر مكعب من المياه الجوفية في المتوسط.

يعني هذا أن الموارد المائية اﻹثيوبية تتجاوز في حجمها أكثر من ضعف حجم الموارد المائية لدى مصر التي تعتمد بنسبة 90% على مياه النيل. يجعل هذا نصيب متوسط الفرد في مصر حوالي 600 متر مكعب كل عام، في مقابل 1575 مترًا مكعبًا لكل فرد في إثيوبيا كل عام.

يوضح المصدر الدبلوماسي، أن متوسط نصيب الفرد في مصر يجعلها “فقيرة” على مقياس الفقر المائي Water Poverty Index، بينما يجعل نصيب الفرد في إثيوبيا “كافٍ” على المقياس نفسه.

لهذا يرى المصدر، أن المشكلة في إثيوبيا لا تتعلق بتوافر المياه وإنما باستغلالها. “هذه أمور يمكن استغلالها خلال التفاوض”، يقول: “من الممكن مساعدة إثيوبيا مثلا في إقامة مشاريع بنية تحتية ترفع من كفاءة استغلال مياه اﻷمطار مقابل الموافقة على المتطلبات المصرية فيما يتعلق بسد النهضة”.

وفي ندوة ألقتها عن التغيرات اﻹقليمية التي تؤثر في نهر النيل، قالت توفيق: إن تصاعد المواقف الوطنية البلاغية التي تتبناها حكومتا مصر وإثيوبيا إنما يأتي ﻷسباب سياسية في المقام اﻷول. وأضافت توفيق لـ “مدى مصر”، أن الخطاب الوطني المبالغ يرفع سقف توقعات الناس، وهو ما يعرض عملية التفاوض برمتها للعرقلة المستمرة.

وأكدت، أن هذا الخطاب تسبب في أن الخطاب الداخلي “يحصر الموقف المصري في مربع ضيق دون مرونة كبيرة في حركته”.

وأضافت، أن السد الإثيوبي أصبح أمرًا واقعًا وأنه من مصلحة مصر اﻹسراع في تقبله والتعاطي معه، وأوضحت أن التوصل لاتفاق مبكر قد يسهم في إشراك مصر في بعض جوانب بناء السد أو ملء الخزان لتقليص اﻷضرار التي قد تنتج عنهما.

مع هذا، فإن توفيق لا تعتقد أن حدة التوتر بين مصر وإثيوبيا ستهدأ قريبًا. بالنسبة إليها؛ فإن حالة الخطابة الوطنية التي سيطرت على الملف تسببت في حساسية كبيرة للحكومة تجعل من مسألة تقديم بعض التنازلات أمرًا صعبًا. مع هذا؛ فإنها تعتقد أن اﻷمر لا يمكن أن يستمر بهذا الشكل. “في النهاية، ستعرف الحكومات أنه لا مفر من تقديم بعض التنازلات”.

يتفق المصدر الدبلوماسي مع توفيق في أن حدة التوتر مرشحة للتصاعد بقوة خلال الفترة المقبلة. ويضيف المصدر أن الحكومة المصرية بدأت مؤخرًا في الانتباه لمخاطر إهمال هذا الملف، خصوصًا في ظل استمرار أعمال اﻹنشاءات اﻹثيوبية في السد وزيادة الضغط الشعبي. “هناك موجة من التصعيد ضد إثيوبيا من قبل الحكومة المصرية في المفاوضات المقبلة”- يقول المصدر.
كانت اﻷطراف المتفاوضة قد اتفقت في نهاية جولة المفاوضات اﻷخيرة على إجراء جولة مقبلة يومي 27 و28 ديسمبر الجاري. لكن جولة المفاوضات المرتقبة قد تحمل خطوات جديدة من الحكومة المصرية، قد تشمل تصعيدًا دبلوماسيًا جديدًا ضد إثيوبيا. “الموقف المصري قوي هذه المرة، قد نعلن فشل المفاوضات وانسحابنا منها”، يقول المصدر مضيفًا، “إذا حدث هذا، قد نُصعد اﻷمر دوليًا”.

اعلان
 
 
محمد حمامة