Define your generation here. Generation What

تدوينة: كلام عن أمي ورضوى.. العناية المركزة.. الأحلام والكوابيس

قبل بضعة أسابيع نظرت جارتي الهندية إلى دبوس يحمل صورة صغيرة لرضوى عاشور يرقد تحت زهرية ورد في مدخل شقتي الصغيرة، وقالت: “صورة أمك؟” ورددت بتصحيح المعلومة.

كنت قبل عام، عقب صلاة الجنازة على جثمان رضوى في الجامع القريب من منزل عائلتها بالمنيل، قد التزمت عادتي في الاكتفاء بالصلاة وعدم مرافقة الأعزاء إلى المقابر. غادرت المنيل وحدي إلى جهة لا أذكرها الآن، ولكن أذكر جيداً أنني ما أن اتخذت مقعدي في التاكسي، حتى انخرطت في بكاء مرير لم أقو على كتمان نشيجه في حضور السائق الغريب.

“أنا خايفة على ماما أوي يا رضوى”، كتبت لصديقتي التي تشارك رضوى عاشور الاسم وتشاركني حباً خاصاً لها.

قبل نوفمبر 2014 لم أكن أعرف طبيعة مرض رضوى عاشور والورم الشرس الذي أصاب رأسها. كنت أعرف بالطبع طبيعة مرض أمي، والورم الأقل شراسة الذي أصاب ثديها وانتشر في بعض العظام وجزء من الكبد. وأعرف أنه بعد استجابة محدودة للعلاج الكيماوي على مدى ستة أشهر في النصف الثاني من 2014، لم يعد ذلك العلاج يجديها نفعاً. وأعرف أن آخر طبيبين زرتهما قالا إننا نستنفد خطوط العلاج المتاحة واحد تلو الآخر، وأننا قاب قوسين أو أدنى من اليأس، “مش هيبقى عندنا غير إننا نتفرج عليها” قال أحدهما. كنت قد قررت أنني لن “أتفرج عليها”، وأنني سأطرق أبواب كل الأطباء داخل مصر وخارجها مطاردةً خيطاً رفيعاً من الأمل. كانت هي وقد أنهكها الألم تتأرجح بين قليل من الأمل وكثير من اليأس.

في الأشهر التي تلت رحيل رضوى كانت أمي تبكي صباح كل يوم. تشكو الوجع حيناً والوهن أحياناً.

“زعلانة على نفسي، عاوزة أعرف أعيش حياتي”، تشكو في زيارتها الأولى للطبيب الإنسان حمدي عبد العظيم من كونها لا تأكل ولا تنام ولا تقوى على الخروج من المنزل. تقول له ببساطة “أنا باحب أروح سيتي ستارز أتمشى، أحب أقف في المطبخ أعمل حاجات، مثلا رز معمر بالحمام”. يضحك الدكتور حمدي ويؤكد أنه واثق من كونها ستعود للأكل وللخروج ولطبخ الرز المعمر بالحمام، “بس تبقي تعزميني”. يقرأ تحليل عينة الورم التي توضح اعتماده بشكل شبه تام على بعض هرمونات جسدها. يقول “ما هو احنا بنعمل التحاليل دي عشان نقراها”. يمنحها الكثير من الأمل ويمنحني بعض الطمأنينة. بعد الانتقال إلى العلاج الهرموني الذي قال أطباء آخرون أنه ضعيف جداً بالنسبة لحالتها، أراها رويداً رويداً تستعيد شهيتها وقوتها وتعود لممارسة الحياة. يقول لي مساعد الدكتور حمدي أن لا شيء يدعى “حالة ميئوس منها”. “كل حالة هي حالة بذاتها، الموضوع مش بقوة أو ضعف العلاج، الورم ده مش بتاع علاج كيماوي”.

قالت أمي إنها حلمت بجدتي وأختها وجمع من الراحلين في بيت جدتي القديم، وإنهم أخبروها أنها “مش لازم تيجي دلوقتي بما إنها مش عاوزة”. أقبّلها وأبتسم. أطمئن. ها هي تقارع المرض وتهزمه بشهادة أطبائها وصور السونار ونتائج تحاليل دلالات الأورام التي تنخفض سريعاً لتقترب من معدلها الطبيعي بعد أن تجاوز مؤشرها عدة آلاف.

صليت لله شكراً أن منحها عمراً جديداً.

تقول رضوى عاشور: “الأمهات يمتن مبكراً .. حتى إن امتد بهم العمر إلى الثمانين”.

أتذكر وجه أمي -التي لم تبك في حياتها قبل المرض إلا مرات معدودة حصراً- عندما انقلبت طفلة صغيرة تضج بالبكاء وقت رحيل أمها التي كانت جاوزت الثمانين.

من سيصدق أنني حلمت بمشهد بعينه من جنازتها قبل شهر؟ عمرو عزت سيصدق بالتأكيد.

رأيت نفس الومضة لنفس المشهد مرتين. الجنازة تدخل مقابر عائلتي في ريف الغربية -المقابر التي لم أدخلها أنا قبل الحلم وجنازتها. يخبرني غريب أن الجنازة لها. وحين أصحو أطرد ما اعتبرته كابوساً سريعاً من رأسي. أمي بخير. تحدثني عبر كاميرا السكايب وترسل لي عبر الواتساب رسائل بالانجليزية وإيموكشنز وأدعية وصور ورد وطيور. ترتب دواليب المنزل وتشرف على غسيل السجاد. قبل أسبوعين كانت “بتتمشى” في سيتي ستارز، وأيضاً طبخت “رز معمر بالحمام”. فقط اشترت “أبرمة” صغيرة تحتاج منها مجهوداً أقل في رفعها من الفرن. ذكّرتها بأن الدكتور حمدي له عندها عزومة.

-اتغديتي إيه يا ماما النهاردة؟

-لو قلتلك هتزعلي.

-لأ معلش قوليلي!

-أصل كان نفسي في الممبار.

-…

تخبرني أمي عن حلم آخر فأبكي. في الحلم ترى أن أمها تسهر على رعايتها في المرض. في الحلم يتحول وجه جدتي الساهرة على رعايتها إلى وجهي. “أنا من غيرك ضعيفة” تقول أمي وهي تغالب دموعها.

***

تجلس منى سيف إلى جواري في العزاء وأقص عليها قصص غرفة العناية المُركزة. أخبرها أن أمي التي أصابها هبوط مفاجىء في الدورة الدموية كانت بخير، وكانت تريد فقط فرصة لتخرج من كابوس الغرفة الملعونة. قالت لي أمي: “فيه أربعة خرجوا، اتنين ماتوا واتنين اتنقلوا حتت تانية”. وقالت أيضاً “أنا مش مستريحة. لو خدت راحتي وكلت وشربت هابقى كويسة. عاوزة آخد راحتي. انشالله سرير في أي حتة”. تخبرني منى أن أباها كان قد خرج من العناية المركزة إلى غرفة عادية، ولكن بعد مرور يوم، وبسبب عدوى مشابهة لتلك التي ألهبت صدر أمي في العناية المركزة، عاد إليها مرة أخرى.

“باستعيد الأحداث وافكر إن أكيد كان فيه حاجة ممكن تتعمل، لكن الموضوع مش كده”، تقول منى.

أخبرها أنني طوال الوقت أفكر في ذلك. أقول إني لو كنت في القاهرة كنت سأجبر أمي على التوجه لطوارىء المستشفى فور شعورها ببعض الوهن. لم تكن ستحتاج لعناية مركزة لو أُسعفت مبكراً. ربما لو كنت سعيت لنقلها إلى مستشفى آخر منذ اليوم الأول ربما لكان المستشفى الآخر أكثر هدوءاً وأطباؤه أكثر رحمة، وربما “أخدت راحتها” واستطاعت الخروج إلى غرفة عادية لمتابعة العلاج. نسيت وأنا أعدد مساوىء كابوس المستشفى الخاص الذي ماتت به أمي أن أخبر منى عن بائعة الشاي التي قالت لي عند المدخل الخلفي لغرفة العناية المركزة “لو عاوزة تشربي سجاير هنا اشربي عادي”. حكيت عن الأطباء الذين يدخلون الغرفة بأحذيتهم، وعن ضجيج الممرضات الذي كانت تشكو منه أمي، “كل اللي حواليا مش فايقين. الممرضات كإنهم متضايقين إن أنا فايقة”. قلت لها إن أمي ظلت مستقيظة طوال أسبوع على جهاز التنفس الصناعي وبدونه، وأنني عندما حدثت الطبيب عن “حالتها النفسية التي تسوء”، قال لي “أنا ماليش دعوة بحالتها النفسية. ماقدرش أخرجها من هنا غير لما يعدي عليها تمانية وأربعين ساعة من غير التنفس الصناعي”. في الساعة السادسة والثلاثين انهارت مقاومتها. عادت لجهاز التنفس الصناعي وبدأت في الغياب عن الوعي.

تطاردني آخر جملة نطقت بها: “لو ما خرجتش من هنا هاموت”.

هزمت أمي السرطان، وهزمها هبوط وجفاف وعدوى من غرفة العناية المركزة وأطباء غير معنيين بحالتها النفسية.

***

يقفز وجه رضوى عاشور أمامي طوال أيام الحزن. أفكر أنني لم أقرأ بعد كتابها الأخير. أفكر في نبوءة جارتي الهندية. وأكتشف أن رضوى وأمي -أُمنية- متقاربتان في العمر، تتقاسمان شبهاً في الملامح والقوام، وشعراً صبيانياً قصيراً، ومرضاً وكبرياء وعناداً ومقاومة وحزناً وروحاً طفولية مندهشة. أستغرب أنني لم ألتفت إلى هذا الشبه من قبل. أشتري نسخة “الصرخة” من صالة السفر في المطار بضعف ثمنها، وأشرع في القراءة فور صعودي إلى الطائرة.

في “الصرخة” تحدثني رضوى عن أيامها في العناية المركزة عقب الجراحة الأخيرة التي أجريت لها في الدنمارك. في الغرفة الهادئة ووسط فريق الأطباء المحترفين والممرضات الرحيمات وطلبة كلية الطب الذين سهروا على رعايتها، أصيبت رضوى بالتهاب رئوي كالذي أصاب أمي. قبل وضع رضوى على جهاز التنفس الصناعي، رأى الأطباء إدخالها في “غيبوبة متعمدة”. أتذكر اقتراحي لأطباء مستشفى القاهرة “مش ممكن طيب نديها حاجة عشان تعرف تنام؟” من المؤكد أنه في الدنمارك وبعد الحرص على دفع الألم وجلب النوم، لم يستخدم الطبيب تعبيرات مثل “بنعتبرها حالة ميئوس منها”، أو “المريضة قاطعة البول”. ولم تقترح ممرضة غاضبة من ملحوظة وجهت لها تعرية المريضة الغائبة عن الوعي “عشان تشوفوا إنها نضيفة زي الفل من فوقها لتحتها”.

تستخدم رضوى نفس تعبيرات أمي عن “البهدلة”، وعن حزن خاص يخلفه المرض يصيب كبرياء المريض وثقته بقدراته. سيان إن كانت تلك القدرات هي الكتابة والبحث وزيارة المتاحف، أو ترتيب الدواليب والإشراف على غسيل السجاد وزيارة “سيتي ستارز”. أتذكر قول أمي قبل بضعة أشهر “صحتي عمرها ما هترجع زي الأول. عمري ما هاعرف أمسك سجادة أنفضها”. ضحكت وقلت مستهينة بأزمتها “وهو مين يعني يقدر يمسك سجادة ينفضها؟” قبل المرض كانت أمي تفخر دائماً بأنها “جامدة عننا وبتستحمل”.

غادرت رضوى العناية المركزة في مستشفى الدنمارك بعد مرور أسبوعين على جراحة دقيقة في الرأس، ثم رحلت بعد ذلك بعام أو أكثر. غادرت أمي العناية المركزة في مستشفى القاهرة بعد مرور أسبوعين على هبوط مفاجىء -أصابها لسبب لم نعلمه على وجه اليقين- إلى مثواها الأخير.

ربما كانت منى على حق. “الموضوع مش كده”. ربما لا جدوى من اجترار تفاصيل ما قبل الرحيل.

***

أعرف أن الكون أحياناً يتآمر ضدي ويحاصرني بالعلامات.

لماذا تكون كل الأفلام التي استوقفتي، في رحلة الساعات العشرة على ظهر الطائرة العائدة إلى البر الآخر للأطلنطي، تدور أحداثها داخل مستشفيات؟ لماذا تشبه السيدة، الجالسة على يساري، أمي، بنظّارتها وشعرها القصير وهي منهمكة في طقس أمي المفضل، قراءة الجرائد؟

“هتيجي تزوريني في الصيف. هاحجزلك تذكرة بيزنس عشان الكرسي بيتفرد سرير”. على غير عادتها لم ترفض أمي عرضي الأخير.

تبدو زينات الكريسماس المبهجة موجودة فقط لتطاردني بحقيقة غيابها. موعد عودتي للقاهرة جرى ضبطه على موعد عيد ميلادها الذي يصادف الكريسماس الغربي. “مش إحنا متفقين نتفسح لما أرجع في عيد ميلادك؟” أهمس في أذنها محاولة تحدي الغيبوبة. أوصي الممرضة أن تريها لو أفاقت فرع الورد الأبيض الذي أتت به دينا. تبحث أمي منذ انضمت لعالم التواصل الاجتماعي عن “صفحة الورد على الفيسبوك. أكيد فيه صفحة كلها صور ورد”.

أتذكر شتلات الورد الصغيرة التي اشتريتها لشقتي الجديدة وأرسلت لها صورها قبل أسابيع قليلة. لماذا لاحظتُ، يوم نقلت أمي إلى المستشفى، أن شتلة الورد الحمراء أصابها الجفاف وأنها غالباً في طريقها للموت؟ لماذا انخلع قلبي، وأنا أخلع نسخة مفتاح أمي من سلسلة مفاتيحها لأستخدمه، حين لم أجد نسختي من مفتاح البيت في القاهرة؟

يفاجئني تطبيق الـ”تايم هووب” بتعليقات قديمة نقلتها عن أمي إلى الفضاء الالكتروني، تغاير طابع خلافاتنا السياسية والحياتية العميقة التي كانت تتحول عادة إلى شجار روتيني دائم يبدو كأنه لا ينتهي. أعرف أنه لو عاد بنا الزمن سنكرر شجارنا دون أن ينقص منه حرف واحد. ولكني أعرف أيضاً أن حضورها -كأم وأب وكل ما تبقى لي من مفهوم العائلة- ارتبط بنوع من الأمان المطلق والحب غير المشروط يفيض في يوم جمعة شتوي على سفرة عامرة تمتلىء بأصناف لا أحد سواها يتقن صنعها.

-“عاوزة أعلمك طريقة الرز المعمر بالحمام”.

-“انا عمري ما هاعرف أعمل رز معمر بالحمام. انتي بس اللي بتعرفي تعمليه”.

***

لا أنكر أن الكون، مثلما يتآمر ضدي بالعلامات في كثير من الأحيان، يغدق عليّ في أحيان أخرى بنفحات من السكينة، عن طريق العلامات أيضاً. تأتي نفس اليمامة كل يوم لتقف على شباك حجرة نوم أمي ويعلو صوت هديلها. أقترب منها فلا تنزعج. أشم رائحة مسك لا أثر مادي لوجوده في الحجرة ولا في المنزل كله. يخيل لي أن اليمامة تبكي، فأبكي.. وأبتسم.

يجدر بي الآن أن أكف عن الكلام. كل الكلام، مهما طال، يقصر عن أن يفيها قدرها.

فقط أنتظر أن تزورني في الحلم لتحمل عني الحزن والغضب.

اعلان
 
 
حنان البدوي