Define your generation here. Generation What

عن الحزن

1

كان الشهر رمضان، عائد من صلاة التراويح، هاتف أبي يدق، يبسمل ويحوقل، يردد أنه لا حول ولا قوة إلا بالله، يقول في اقتضاب إن أخيه، عمي الأقرب، أصبح الآن بين يدي خالقه مستردا وديعته، أدفن وجهي في كفيّ وأدرك أن يداي حجبت النور عن وجهي لساعات حين سافرنا للدفن.

الدموع، الشعور أن ثمة شيء بداخلك يتم اعتصاره، القلب يخفق في عنف: أنت في أتم حالات الحزن. مرة أخرى يحضر الموت، كآية تفرّخ الحزن، فكرة أن شخص كان يملأ العالم بالكلمات، فجأة يواسيك الرفاق بأنّه الآن في مكان أفضل. كلمات السلوان في مثل هذه المواقف تبعث على الغضب وزيادة الحزن: أنا أعلم أنّه ترك العالم القميء المليء بالقبح، لكنّ الراحل أيّاً كان خلف من ورائه ذكريات تؤلم القلب كلما يترسّخ أن الماضي قد انطوى والمستقبل لن يحمل هذا الشخص قط.

هل الموت فقط؟..

الفراق نفسه موت.. أن يسافر جليس المقاهي، رفيق النقاشات التي لا تنقطع بحثاً عن نفسه غير المتحققة في بلده.. أن تهجرك من حكت معها خطط المستقبل.. أن تبتعد عن أصدقاء لأنّ دوائر المعرفة تتبدّل. منذ شهرين كنت في كافيه بوسط البلد، أثناء قيامي للشجار حول تأخر الحساب، لمحته خارجاً لعمل مكالمة ما. صديق من بلدتي في الصعيد، اللقاءات بيننا كانت لا تنقطع، نقرأ على بعض القصص، نثرثر حول ما استجد نشره، نلوك في سير الكتب والأدباء، هيئتنا غريبة عن بلدة لا تعترف بالثقافة. طبيب للأسنان هو، ظل في البلدة يحث الخطى نحو رزقه الموجود فيها، وطمحاً إلى التحقق غادرت أنا الصعيد كملايين نزحوا لعاصمة ربما تبتسم لهم. ندر سفري للصعيد، بهت التواصل، خرج من الدائرة القريبة إلى دائرة الذكريات البعيدة. شعرت بالحزن الشديد عندما سألني الغياب فأجبته: “الحياة قاسية” إكليشيه ينهي كثيراً من الكلمات بفلسفة هزلية.

2

تجرني التكنولوجيا إلى الحزن رغماً عنّي، كلما افتتحت يومي عبر “فيس بوك” أجده يصر أن يمنحني دفتر طويل من “حدث في مثل هذا اليوم” على مدار ثماني سنوات مضت، هو عمري المعترف به في الموقع الشهير. بالتطلّع إلى هذه السنوات القليلة أشعر بالعجز للتحولات والأحداث الجسام التي مررنا بها. في البدء كانت السذاجة، الغضب، الثورة، الأمل، التشجيع، التوجّس، الإحباط، اليأس، غض الطرف، الحزن. غمامة تلفني عندما تحل ذكرى مينا دانيال كل عام، تحوّل الأيقونة، شبيه جيفارا الذي صنعت له الأغاني إلى مجرّد “بوست”. كنت أسعى لظروف عملي الصحفي إلى عمل جدول بأهم الأحداث لكيلا يفوتني التغطية عبر ملف عن شهداء مجلس الوزراء، محمد محمود، العباسية.. إلخ. ما الجديد في الذكرى إلا حزن قاتم يجعلك ترزح تحت خيارين أحدهما مر: التجاهل، أو “الشير” الضعيف قليل الحيلة. منذ أيام ذكرّني أحدهم بما كنت قد كتبته في حينه، حيث يقول “فيس بوك” أنني في عيد ميلاد الشهيد أنس محيي كتبت له:

عزيزي أنس محيي..

ربما أنت الآن في مكان أفضل، قد تكون فقط محتاجاً لونس من نوع بلاستيكي متمثل في التالتة شمال، قد لا تعرفني، لكننا تقابلنا، أثناء حملك للجلاد وتوزيعه علينا لعمل الدخلة، أو أثناء التحام كتفينا في الهتاف، أو جريك بين الشوطين لترتوي بالماء الذي يعينك على مواصلة التشجيع.

ربما توقفت لديك الحياة في مطلع فبراير، لكن هل تعرف؟.. لقد توقفت لدينا أيضاً، كل مباراة نشعر أن هناك قطعة ناقصة، أو هتاف غير مكتمل، الحزن نفسه يا أنس لم تعد له نفس الجلالة، بات عدد الـ74 شهيداً يضاعف أكثر من مرة، وباتت تفاصيل الحياة اليومية تلتهم كل شيء، حتى الموت.

عزيزي أنس..

كنت تهتف يوماً “وحياة عبد الوهاب.. إفريقيا يا شباب” هل كنت تدرك أنك ستحل مكان عبد الوهاب في الهتاف أنت ورفاقك، يوم مات اللاعب الشاب بات تميمة للصمود وعشق الكيان، ويوم رحلتم بأجسادكم، ظلت أرواحكم تلهم ذويكم الإباء والقدرة على الرسوخ.

هل رأيت صورة والد زميلك الشهيد أسامة محمد وهو لا يفارق المدرجات يبتغي السير على نهج ابنه في كل ما فعل، الصورة كلها يأس وبهجة وأمل وحزن ورغبة وإيمان وحنين، هكذا المشاعر متضاربة منذ رحلتم، ومنذ باتت ذكرى ميلاد أيٍ منكم، تبعث في الروح التضارب.

عزيزي أنس..

كل سنة وإنت طيّب.

ما هالني، أنني نسيت ميلاده، وفشلت جدران الذاكرة في التأكيد على أنني كتبت هذا فعلاً، وفي أي حالة شعورية. أقول لنفسي إن أقسى لحظات الحزن كانت يوم موت الشباب في بورسعيد، هل تآكلت الذاكرة بفعل الحزن؟

يقول العالم الشهير كارل ساجان في مقال له بعنوان “هل نستطيع التعرّف على الكون من حبّة الملح”: “يعتقد أن هناك 10 11 خلية عصبية في المخ، وهي مكونات الدوائر والمفاتيح المسؤولة بواسطة وظائفها الكهربية والكيماوية عن وظائف المخ. ولكل خلية عصبية تقليدية حوالي ألف من الأسلاك الدقيقة تسمى الدندريتات تصل الخلايا ببعضها ببعض، فإذا افترضنا، وهو أمر محتمل أن كل كِسرة بسيطة من المعلومات تقابل واحدة من تلك الوصلات فإن العدد الإجمالي لكل المعلومات التي يحتفظ بها المخ لا يزيد عن 1014  أي 100 تريليون. غير أن هذا العدد لا يمثّل إلا 1 بالمائة من عدد الذرات الموجودة في حبّة الملح”.

يا ليت جدران الذاكرة مصنوعة من برطمان ملح، ربما خفف الحزن من سطوته.

3

سوف تجد في الأثر الأدبي استخدامًا واسعًا ومتنوّع الرؤى لتيمة الحزن، حيث يرى مولانا نجيب محفوظ في خالدته “الحرافيش” أن “الحزن كالوباء يوجب العزلة” ويقول إبراهيم نصر الله الروائي الفلسطيني في “أعراس آمنة”: “الدموع ليست هي الحزن، الحزن هو أن تستطيع أن تمنع نفسك من أن تبكي أمام أحد من أجل هذا الأحد”.

أما الفليسوف جبران خليل فيقول: “حين يغمُرك الحزن، تأمل قلبك من جديد، فسترى أنك في الحقيقة تبكي مما كان يوما مصدر بهجتك”.
وتصفه سيدة الرواية رضوى عاشور: “الحزن قوة جاذبة تشد لأسفل، تسحب الرأس والكتفين إلى تحت، كأن الجسم في حزنه يُمسي واهناً خفيفاً فتستقوي الجاذبية عليه وتستشرس”.
ويعبّر عنه الروائي الكويتي سعود السنعوسي: “الحزن ماده عديمة اللون، غير مرئية، يفرزها شخص ما، تنتقل منه إلى كل مكان حوله، يُرى تأثيرها على كل شيء تلامسه، ولا تُرى”.

وشعرا يقرض الأبنودي: “أحلى ما في الفرحة بتنسي الكبير سنه، وأحلى ما في الحزن كل الحكمة تيجي منه”.

في الأثر الديني وردت لفظة الحزن لغة ومعنى أكثر من مرة، مثل الآية 34 من سورة فاطر بالقرآن الكريم: “الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنَّا الحَزَنَ”.. والحديث الشريف: “اللهم لاَ سَهْلَ إِلاَّ مَا جَعَلْتَهُ سَهْلاً وَأَنْتَ تَجْعَلُ الْحَزْن إِنْ شِئْتَ سَهْلاً”.

كما جاء في العهدين القديم والجديد؛ ففي سفر المزامير 31: 10: “لأَنَّ حَيَاتِي قَدْ فَنِيَتْ بِالْحُزْنِ، وَسِنِينِي بِالتَّنَهُّدِ. ضَعُفَتْ بِشَقَاوَتِي قُوَّتِي، وَبَلِيَتْ عِظَامِي”. وفي رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس 2: 5: “وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ قَدْ أَحْزَنَ، فَإِنَّهُ لَمْ يُحْزِنِّي، بَلْ أَحْزَنَ جَمِيعَكُمْ بَعْضَ الْحُزْنِ لِكَيْ لاَ أُثَقِّلَ”.

4

شاهدت منذ فترة فيلم (Atonement) الذي يترجم اصطلاحاً على أنه “تكفير”. الفيلم يلعب على تيمة الصدفة التي تغيّر مجرى التاريخ للأسوأ، فتفرّق بين حبيبين بسبب شهادة زور، تدفع هذه الشهادة بالعاشق إلى الزج في السجن، وعوضاً عن السجن طواعية يلتحق بالجيش الذي يموت فيه في الحرب العالمية نتيجة تسمم الدم، وترحل حبيبته في اليوم نفسه بعد فيضانات بمحطة مترو. لتطرح على نفسك السؤال: ماذا لو لم تكن الشهادة الزور: لكتب للحب نهاية سعيدة غير مألوفة. هذا فيلم من نوعية الأفلام التي تجعل قنوات الدموع تعمل بكفاءة منقطعة النظير وتصيبك بحزن شديد.

هاتفت الطبيبة منال عمر استشاري الطب النفسي، سائلاً عن الحالة الشعورية في ثنائية الفيلم والحزن. تقول “عمر” إن هذه الثنائية تفرز نوعين من المشاعر: توحّد وهو الأغلبية من الجمهور الذي يحزن عندما يرى نفسه جزء مما يشاهد، يصيبه الغم جراء الوقائع السيئة التي تتجسّد على الشاشة، هنا يقول المشاهد: “حسناً، مشاعري ما زالت تعمل بعد ولم يصبها التبلّد”. وفي كثير من الأحيان يذهب الناس لمشاهدة الأعمال التي تبعث على الكآبة لإيقاظ الإحساس في دواخلهم، إذ يستطيع الحزن بنبل أن يفعل ذلك أكثر من الأعمال المبهجة. النوع الثاني من المشاعر هو: التضامن، حيث يتحوّل التوحّد مع العمل الحزين إلى فعل على أرض الواقع؛ كأن تشاهد فيلماً عن العشوائيات مثلاً فتكتب مقالاً، تتبرّع بأموال، تتحدّث مع أصدقائك حول القضية وكيفية دعمها.

تقول د. منال عمر إن هناك نوعية أخرى يكون أصحابها من المسؤولين وأولي الأمر في الأغلب، وهم الذين يشاهدون ما يهيّج النفس والشعور دون أن يغمض لهم طرف، تدلل على ذلك بسوزان مبارك ووزراء حكومة نظيف الذي حضروا مسرحية “قهوة سادة”، صفقوا، هللوا في نهاية العرض التراجيدي، وكأن المسرحية التي تنتقد أحوالاً سيئة من عمل أيديهم لا تخصهم من قريب أو بعيد، ربما رددوا في نهاية كل سكتش “يا حرام” هذه نوعية من أناس يغسلون ذنوبهم عبر مشاهدتهم للأعمال الحزينة.

5

كلّما حضر الحزن، كان نموذج صابرين عبد الله السيدة الأربعينية لا يفارق مخيلتي. صابرين أم لأربع فتيات اختارت لهن أسماء جميلة: تمر وياسمين وأوركيد وندى. حياتها عادية، لولا مرض ألم ببنتيها، بدأ المال ينفد، طفق الحزن يتسرّب إلى داخلها، صلّت العشاء مساء ليلة، دلفت إلى غرفتها، تناولت كل ما في حافظتها من أدوية، حيث رأت المرض ينهش جسد الصغيرتين، والزوج لا يجد قوت يوم الأسرة، لا عنوان سوى الهم الذي يطبق على الأنفاس. أصبحت صابرين من ضمن مليون مصري حاولوا في العقد الأخير الإقبال على تجربة الانتحار بسبب الاكتئاب الشديد.

للحزن طاقة لا يمكنك تجاوزها، هذا ما ردده الأديب عزت القمحاوي في جلسة نقاشية في جواب على سؤال قارىء حول روايته الشهيرة “بيت الديب” بان الحزن على موت بطل ما بالرواية أكبر من الحزن على وفاة نصف القرية نتيجة للطاعون. يرى القمحاوي أن الحزن يمكن تقسيمه إلى عشر درجات، لو كان حزنك لسبب ما كبيراً للغاية ووصلت إلى عشر درجات، ثم قرأت في الأخبار عن عشرات القتلى وخامرك حزن كبير فإن العلامة الكاملة للحزن تساوي حزنك لنفس السبب الأول. ربما يفسّر هذا بشكل واضح سبب حالة الحزن الطاغية التي سيطرت على المجتمع لموت المجند الشاب الذي احتضن الإرهابي، والتي يمكن بالقياس أن تساوي نفس درجة الحزن على شهداء مجزرة ككرم القواديس.

يشير مؤشر العلامة الكاملة للحزن بالنسبة إليّ حين ألمح طفلاً يصطنع الرسم في محطة مترو ليحصل على جنيها..امرأة تبيع جسدها لمن يملك المال.. أم تربّي جيلاً مشوّهاً.. أحمد موسى ينظّر في الإعلام.. موت فجأة.. فراق جغرافي، وقصة حب تنقلب لذكرى.

ربما أنسب ختام في حضرة الحزن قولة بهاء طاهر في “أنا الملك جئت”: أبشع شيء ليس الحزن ولكن اختفاء الحزن.

اعلان