Define your generation here. Generation What
القطاع العقاري يتباطأ بعد صمود
 
 

نظر المصريون على مدار عقود إلى قطاع العقارات بوصفه أكثر أشكال الاستثمار قبولًا وأمنًا في البلاد. فلطالما فضل الفتيات الزواج من شخص يمتلك منزلاً على الزواج من شخص يؤجر شقة. وبالمثل يسعى الآباء إلى شراء شقق لأبنائهم وهم لا يزالون في سن المراهقة، كما تتبارى العائلات في تنمية متلكاتها العقارية باستخدام المُتاح لديها من مُدخرات.

وفي ظل مُعاناة الاقتصاد ككل أثناء السنوات التي شهدت اضطرابات بعد الثورة، حافظ القطاع العقاري على تماسكه. بل إنه في الواقع استفاد من الأزمات التي ضربت قطاعات اقتصادية أخرى. ففي الوقت الذي أحجم فيه الكثيرون عن دخول البورصة، وانتابهم قلق من تراجع قيمة الجنيه، فقد اتجهوا إلى تحويل ما لديهم من نقود إلى أصول ثابتة في شكل عقارات.

شهدت أسعار العقارات ارتفاعًا مطردا سنويا منذ عام 2011، وفقًا للأرقام التي جمعها “فاروس للأبحاث”. وفي عام 2014 وحده شهد سعر المتر المُربع ارتفاعًا بمقدار 50 بالمائة.

غير أن الثقة اهتزت في الارتفاع المضمون لأسعار العقارات في عام 2015. فعلى عكس السنوات الملتهبة لما بعد الثورة تراوح ارتفاع الأسعار حتى نهاية أكتوبر من هذا العام بين 5% إلى 10% فقط ، وهي نسبة بالكاد تواكب نسبة التضخم.

كما تلقت العقارات ضربة في سوق الأسهم. فقد جاء الطرح العام الأوليّ الذي تقدمت به شركة إعمار مصر للتطوير العقاري في يوليو مُخيبًا للآمال. وتم طرح الأسهم بسعر مُخفض، وشهد السهم مزيدًا من التراجع أثناء التداول، مما دفع الشركة إلى التقدم لشراء الأسهم من حامليها من أجل تحقيق استقرار للأسعار. كما يتم تداول أسهم الشركات العقارية الكبيرة، مثل مجموعات إعمار وطلعت مصطفى وبالم هيلز وسوديك، بأسعار أقل من قيمتها العادلة.

يطرح هذا سؤالًا حول مدى قدرة هذا القطاع على الاستمرار، وإذا ما كانت السوق قد وصلت أخيرًا إلى التشبُع، ودخلت بالفعل في حالة ركود.

محمد أبو باشا، الخبير الاقتصادي في بنك الاستثمار للمجموعة المالية هيرميس يقول إن سوق العقارات في مصر لا يزال في حالة جيدة، ويفسر ذلك بأن “السُكان في ازدياد مستمر، وهم يُقبلون على الاستثمار في العقارات. إنها لا تزال وسيلة جيدة لحماية أموالك من ارتفاع معدلات التضخم، لاسيما مُقارنة بالبنوك، لذلك فالركائز الأساسية للسوق لا تزال بخير”.

ويضيف: “لا أعتقد أن القطاع يواجه أزمة. ما يحدث الآن أمر طبيعي، فهناك فترات تتسم فيها السوق بالهدوء”.

يتفق هاني جنينة، رئيس قسم الأبحاث في شركة فاروس القابضة، مع الرأي القائل بأن القطاع لا يزال بخير عمومًا، ويقول: “لدى الناس دائمًا أسباب للشراء في مناطق مثل مدينة السادس من أكتوبر والمُجمعات السكنية الجديدة بشكل عام. تعتبر تلك المناطق استثمارًا جيدًا، والأسعار في ارتفاع دائم”.

ويرى جنينة أن طريقة بيع العقارات، في أوقات من عدم الاستقرار الاقتصادي، تساعد أيضًا على الحفاظ على جاذبية القطاع. ويشرح هذه الفكرة قائلًا: “تبيع شركات التطوير العقاري الوحدات مُباشرة، وليس عن طريق البنوك، وبالتالي لا يقع الزبائن تحت الضغط القانوني الذي ينجم عن عدم قدرتهم على سداد القروض المصرفية. فبموجب قوانين الإفلاس الصارمة في مصر، قد ينتهي الحال بالمُقترضين إلى السجن إذا ما تعرضوا لأزمات غير مُتوقعة في السيولة النقدية وتخلفوا عن سداد القروض المصرفية، بينما يُبعد الشراء مباشرة من المطورين العقاريين هذا الخطر”.
 ويُضيف جنينة: “أسوأ ما يمكن أن يحدث هو استعادة الوحدة عند عدم دفع الأقساط لمدة بضعة أشهر، وسوف تحصل على ما دفعت من مال بعد إعادة بيعها، وبالتالي فإن الخوف من الذهاب إلى السجن غير موجود”.

ورغم ما يُبديه كُل من جنينة وأبو باشا من تفاؤل، إلا أنهما يُقران بوجود تحديات حقيقية تواجه القطاع العقاري.

فيقول جنينة: “رغم قوة السوق العقارية الملحوظة، إلا أنك لا تستطيع الجزم بأنها لا تتعرض لفترات ركود. فقد تعرضت السوق لركود شديد في عامي 2002 و2003، وأوشكت شركات كثيرة على الإفلاس. هناك شعور بوجود تقلبات في السوق على نحو عام، لكن يمكنك القول إن السوق تشهد حالة من الاستقرار في الوقت الراهن”. 

وإذا كان ثمة سبب لهذه الحالة، فهو وقوع سوق العقارات ضحية لنجاحه، مع ارتفاع جنوني للأسعار يفوق قدرة المُشترين.

بعد ارتفاع كبير في 2014 شهدت الأسعار هبوطًا. ويرجع جنينة ذلك إلى سببين: “أولا ارتفع سعر المتر المُربع في أراضي البناء، وارتفع سعر المباني ككل على نحو كبير في 2014، والثاني هو والتدني الذي أصاب  منظومة القدرة الشرائية. فقد تراوح سعر المتر المربع من ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف جنيه مصري قبل الثورة. أما الآن، فقد ارتفع إلى تسعة آلاف وعشرة آلاف جنيه”، وأضاف مُوضحًا: “يركز القطاع الخاص على فئة دخل مُعينة، وأغلب أصحاب هذه الدخول كانوا قد اشتروا وحدات بالفعل في السنوات القليلة المُنصرمة، وهم الآن غارقون حتى آذانهم في سداد الأقساط”.

ويُضيف أبو باشا: “تظهر أزمة ضعف القوة الشرائية من حين لآخر، إنه أمر سائد. وتحاول الشركات حل هذه المُشكلة عن طريق بناء وحدات أصغر، وبيعها بسعر أقل، أو تحاول مد فترات السداد، لتصبح خمسة أعوام أو ستة، بدلًا من عامين أو ثلاثة”.

وكانت “إعمار مصر” قد بدأت بالفعل الإعلان عن مواعيد سداد تصل إلى سبع سنوات، وهو ما اعتبره “فاروس للأبحاث” أحد مؤشرات تضاؤل الطلب في السوق. ويتوقع الخبراء أن تحذو شركات كبرى أخرى حذوها، وهو ما يعتبره المُحللون في “فاروس” دليلًا على أن “القوة الشرائية للزبائن لم تعد قادرة على استيعاب الجديد المطروح في الأسواق، كما كان عليه الحال خلال السنوات الثلاث الماضية”.

وتكمن واحدة من المشكلات الأساسية في تركيز القطاع الخاص- المسؤول عن نحو 95% من الاستثمار العقاري– على الـ 20% من المصريين الأكثر ثراءً. وتتركز أغلب المشروعات في المُدن المحيطة بالقاهرة، مثل التجمع الخامس، ومدينة السادس من أكتوبر، وتتخذ هذه المشروعات شكل تجمعات سكنية مُغلقة، تبدأ أسعار الوحدات فيها من مليوني جنيه وأكثر. وهناك منطقة شهيرة أخرى، هي الساحل الشمالي، حيث يتم الترويج لها في المقام الأول باعتبارها منازل لقضاء العطلات، وأسعارها تتراوح في نفس النطاق. ويؤدي هذا إلى تفاقم أزمة السكن لدى الغالبية العظمى من المصريين؛ والتي يعجز المطورون من القطاع الخاص عن التصدي لها.

يقول جنينة: “لا يستطيع القطاع الخاص أن يستثمر في مشروعات تستهدف شرائح ذات دخل مُنخفض، فهي لا تحقق ربحًا، ولن تكفي أسعار الوحدات لتغطية التكاليف بالشكل الكافي. هذا هو الحال في جميع أنحاء العالم، ولا يقتصر على مصر”.

يعتقد جنينة بضرورة تدخل الدولة بتوفير التمويل حتى يتمكن القطاع الخاص من الشروع في الاستثمار بمناطق جديدة، واستهداف شرائح أخرى من المصريين، بطريقة تساعد في حل أزمة السكن. ويُضيف قائلًا: “ينبغي دعم مواد البناء، إلى جانب قروض الرهن العقاري وغير ذلك من أشكال الدعم. وقد بذلت الحكومة بعض الجهود للمساعدة، والمزادات التي يقيمها بنك الإسكان والتعمير هي مثال على ذلك”.

تمكنت حكومات أخرى في المنطقة من البدء في برامج مُشابهة. يقول أبو باشا: “لدى دولة المغرب تجربة ناجحة في بناء مساكن اقتصادية بمساعدة القطاع الخاص. قدمت الحكومة حوافز، وركزت على التخفيضات الضريبية، وخفضت أسعار الأراضي. كما عملت الحكومة كذلك على تقديم التمويل للمُشترين”.

ورغم ذلك، فبحسب دراسة نشرتها المُبادرة المصرية للحقوق الشخصية عام 2014، بذلت الحكومة جهودًا من أجل حل أزمة الإسكان من خلال القيام بمشروعات عملاقة؛ مثل “إسكان مُبارك”، ومشروع المليون وحدة سكنية، وأنفقت على المشروعين نحو 33 مليار جنيه، إلا أن تلك الجهود لم تكن فعالة، ولم يستفد منها في النهاية سوى أصحاب الدخول الكبيرة والمتوسطة. وفي الوقت نفسه، لا يزال الفقراء يُعانون من أجل الحصول على المسكن، ويقطن الكثير منهم في مناطق غير رسمية أو “عشوائية” حول القاهرة.

يقول أبو باشا إن الحكومة بذلت بعض الجهود في التعاون مع القطاع الخاص، إلا أنها تظل جهوداً مُشتتة، ويمكن أن تؤدي إلى إعاقة التقدم في بعض الأحيان. وأشار إلى “هرم سيتي” كمثال، وهو مشروع إسكاني اقتصادي تقوم به شركة “أوراسكوم للإسكان التعاوني”. حيث يقول إن المشروع  كان يمضي على نحو جيد في البداية، إلا أنه واجه عقبات من جانب الحكومة حين حاول القائمون عليه التوسع.

يشير عاملون آخرون في القطاع إلى عوائق إضافية تمنع تحقيق المزيد من النمو. وكان كثير من المُشاركين في المؤتمر الاقتصادي في شرم الشيخ في مارس الماضي قد طالبوا الحكومة بإتاحة الفرصة لتحقيق النمو عبر إنشاء بنية تحتية مُناسبة في المُدن الجديدة. وقالوا إن مشكلات المياه والكهرباء والطرق في بعض المدن الجديدة، مثل مدينة الشروق، أدت إلى تحويلها إلى مُدن أشباح، رغم إنفاق مليارات الجنيهات من أجل إنشائها.

ومن جانبها، تتوقع الحكومة نموًا في القطاع بنسبة 6.3% في السنة المالية الحالية، مما يُساهم بنسبة 13.8% من إجمالي النمو الاقتصادي.

قد لا يكون الأمر بهذه البساطة. فجنينة يعتقد أن “النمو البطيء” في الفترة الراهنة سوف يمتد إلى عام 2016. وقد يشهد عام 2017 انفراجة فقط إذا ما تحسنت أوضاع الاقتصاد الكُلي، أو ارتفعت مُعدلات الدخل في العامين القادمين.

 

اعلان