Define your generation here. Generation What

الإخفاء القسري منهجية.. مش حالة فردية

*تحذير: قد يكون هذا المحتوى غير مناسب لبعض الفئات العمرية.

في ساعة متأخرة من مساء يومٍ مشؤوم يستيقظ الجميع وسط حالة من الفزع على أصوات ضجيج الأبواب وصياح رجال أغراب يحاولون اقتحام المنزل. تبدأ الأنوار في الاشتعال ويضاء المنزل وتهرع الأسرة إلى الصالة. يفتح الأب الباب مسرعاً قبل أن يتم تحطيمه. يقف الأب في حالة من الذهول بعد مشاهدة عدد من الرجال ضخام الجثة، منتفخي الكروش وغلاظ الصوت يحملون أسلحة نارية يشهرونها في وجهه بمجرد فتحه للباب. تحتضن الأم أبنائها وتصرخ في الخلفية “يا ساتر يا رب، هو في إيه؟”، يندفع الأب للداخل بعد أن دفعه أحد الرجال المسلحين وهو يصرخ “شرطة”. يدخل عدد من المسلحين المنزل شاهرين أسلحتهم في وجه الجميع ويسأل أحدهم “فين مازن؟”، حينها يتشبث طفل صغير بذراع والدته وهي تصرخ “إنتو مين؟ وعاوزين إيه من ابني؟”، يرد أحدهم بحزم “إحنا الأمن الوطني”، ينظر إليه الأب على عجل ويقول “هو الأمن الوطنى عاوز من ابنى إيه يا سعادة البيه؟” يجيبه الضابط “عاوزين نسأل ابنك سؤالين”، ينادي الأب على ابنه “تعالى يا مازن”، فيهرع الطفل ليتشبث بذراع والده ويقول بصوت متقطع “والله يا بابا ما عملت حاجة”.

تستفسر الأم من الضابط “حضرتك عاوز تسأل على إيه يا بيه؟”، يرد الضابط “إنت ليك علاقة بالإخوان يا مازن؟ نزلت مظاهرات معاهم قبل كده؟”، ينظر الطفل إلى والديه وعيناه تملؤها الدموع ويرتجف من شدة الخوف. يربت الأب على كتف ابنه قائلاً “ما تخافش يا حبيبي”، ويجيب “إحنا انتخبنا السيسي يا سعادة البيه وابني مش إخوان، انتو أكيد غلطانين”، يطلب الضابط تفحص الهاتف الخاص بمازن، ثم يخبر الوالدين بأن ابنهم -البالغ من العمر 14 عاماً- سيجري اصطحابه إلي القسم لاستجوابه، يطلب الأب الذهاب مع ابنه وإحضار محامي، فتزداد نبرة الضابط حدةً: “همّا سؤالين يا حاج، وابنك هيرجع. مش لازم تيجي”. يخرج الطفل من المنزل ويضع أحد رجال الأمن غمامة سوداء على عينيه ويضعه في سيارة الشرطة التي تنطلق مسرعة. يحاول الأب الإسراع في ارتداء ملابسه للذهاب إلي القسم بينما تهرع الأم للاتصال بأحد أقاربهم لتوقظه في هذه الساعة المتأخرة بعد منتصف الليل، ليساعدهم في الاتصال بأحد أصدقائه من المحامين.

يخرج الأب مسرعاً إلى قسم الشرطة وبصحبته عدد من الجيران الذين استيقظوا على خلفية اقتحام الأمن للمنزل. يصل الأب القسم ويدخل مسرعاً ليصل إلى أمين شرطة يجلس خلف مكتب، وفي الخلفية شعار “الشرطة والشعب في خدمة الوطن”. يسأل الأب في لهفة: “يا سعادة البيه، ابني مازن فين؟” فيصرخ أمين الشرطة: “عاوز إيه يا جدع أنت؟ وابنك مين ده اللي جاي تدور عليه عندنا؟”، فيحاول الأب أن يشرح للسيد أمين الشرطة ما حدث: “يابيه بتوع الأمن الوطني جم خدوا ابنى، عنده 14 سنة وبيقولوا عليه إخوان، وقالولي هياخدوه على القسم”. تعتري وجه أمين الشرطة ابتسامة عريضة ويقول “آه.. قولتلي بقى إخوان! لا طالما إخوان يبقي تدوّر عليه في حتة تانية، وابقى ربي ابنك الأول”، يصرخ الأب “يا ناس يا هووه، ابنى مش إخوان وأنا انتخبت السيسي”، ينهره أمين الشرطة: “باقولك إيه يا جدع انت، ابنك مش عندنا وما نعرفش عنه حاجة، وبطل وجع دماغ وامشي بدل ما أبيّتك في التخشيبة”.

يخرج الأب من قسم الشرطة ويعود للمنزل، يفتح الباب لتندفع في وجهه الأم وعيناها تدمعان لتسأل، لماذا لم يعُد الصبي، يجيب الأب في حسرة “الواد مش في القسم”. يقضي الوالدان ليلة هي الأسوأ في حياتهما في محاولة لفهم ما حدث. يشق نور الفجر صمت الموقف لتبدأ الأسرة رحلة البحث عن طفلها المختفي قسرياً. بعد مضي ما يزيد على أسبوع يظهر مازن أمام النيابة ليجري التحقيق معه بتهم تتعلق بالتظاهر والانتماء لجماعة الإخوان.

تمثل هذه القصة محاولة لتخيل ما حدث للطفل “مازن محمد عبدالله “، و الذي ألقي القبض عليه في نهاية سبتمبر 2015، وظل مختفياً قسرياً لمدة طويلة حتى ظهر أمام نيابة أمن الدولة ليواجه اتهامات بالتظاهر بدون إخطار وطباعة منشورات تحرض على التظاهر والانتماء لجماعة الإخوان المسلمين وفقاً لبيان منظمة العفو الدولية.

وعلى الرغم من أن القانون رقم 12 لسنة 1996، والمعروف بـ”قانون الطفل” وتعديلاته في عام 2008، حظر الحبس الاحتياطي للأطفال تحت سن 15 سنة، ولكن لا يمكن اعتبار ما تعرض له الطفل مازن مجرد حبس احتياطي مخالف لقانون الطفل، فما تعرض له هو جريمتا إخفاء قسري وتعذيب. فوفقاً لبيان منظمة العفو الدولية، الصادر بتاريخ 11 ديسمبر 2015، فقد تعرض مازن للتعذيب والصعق بالكهرباء في أعضائه التناسلية بجانب تكرار اغتصابه بعصا خشبية طوال فترة احتجازه، التي جرى حرمانه فيها من الاتصال بذويه والتحدث إلي محاميه -وهي أبسط حقوق المتهم مهما بلغ جرمه- وذلك لإجباره على الاعتراف بجرائم لم يرتكبها، وفقاً لرواية والديه.

قد تبدو قصة مازن كارثية، فمن هذا الشخص الذي يقدم على تعذيب واغتصاب طفل في عمر أبنائه؟ هل هناك إنسان قادر على تجريد طفل من ملابسه وإقحام عصا خشبية في مؤخرته؟ هل يمكن لإنسان أن يصعق طفلاً بالكهرباء في أعضائه التناسلية؟ والسؤال الأهم: من الذي يستطيع أن يكرر ذلك؟

في تقديري أنه رغم كارثية هذه القصة وأثرها المدمر على حياة الطفل وعلى أسرته، إلا أن الأخطر الأن هو حقيقة أن جرائم الاختفاء القسري والتعذيب أصبحت ثقافة اعتيادية لدى قطاع عريض من أجهزة الأمن المصرية. فالحالات التي تمكن “مركز النديم لتأهيل ضحايا التعذيب” من توثيقها وصلت إلى 625 حالة تعذيب و37 حالة وفاة في أماكن الاحتجاز في 2015. بينما تمكنت حملة “أوقفوا الاختفاء القسري” التابعة لـ”المفوضية المصرية للحقوق والحريات”، من توثيق 125 حالة اختفاء قسري لمواطنين مصريين، من بينهم 11 طفلاً فقط خلال شهري أكتوبر ونوفمبر 2015. وهذا الاتساع غير المسبوق في انتهاكات الأجهزة الأمنية لأبسط حقوق وحريات المواطنين، لا يمثل فقط خطراً يهدد أمن وسلامة المجتمع، بل خطراً يهدد تلك الأجهزة الأمنية ذاتها، فالجميع يتذكر جيداً أن أحد الدوافع الأساسية لخروج الشباب في 25 يناير 2011، كان متعلقاً بانتهاكات وزارة الداخلية.

وفي اعتقادي أن التعذيب وسوء المعاملة وغيرها من ضروب المعاملة اللا إنسانية هو نمط غير جديد على الأجهزة الأمنية، فتقارير “المفوضية السامية لحقوق الإنسان” في عام 2010 أشارت إلى وجود أدلة حول لجوء الأجهزة الأمنية إلى ممارسات التعذيب وسوء معاملة المحتجزين بشكل منهجي، كما أوصت “لجنة مناهضة التعذيب” والمقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية حقوق الإنسان في سياق مكافحة الإرهاب في عام 2002 بضرورة إخضاع أماكن الاحتجاز المختلفة للرقابة والتفتيش المستقل والدوري، كما شدد على ضرورة توفير ضمانات للوصول العاجل والحر إلى المحامين والأطباء وأفراد الأسرة، كما تشير الوثيقة رقم A/HRC/WG.6/7/EGY\2.

وعلى الرغم من رفض التعذيب وسوء المعاملة بشكل مبدئى، إلا أن اتساع دائرته في الوقت الحالي يشكل خطورة شديدة، فقد تأتي لحظة يضطر فيها ضحايا التعذيب وأسرهم إلى انتهاج العنف المضاد، ونظراً للميراث السلبي لدى الأجهزة الامنية منذ 25 يناير وأحداث اقتحام الأقسام وما اتخذوه من تعزيزات أمنية وتحصينات للأقسام وغيرها من أماكن الاحتجاز، فإن الصدام قد يكون بالفعل كارثياً ومدمراً.

وفي النهاية يبقي السؤال قائماً: ما الذي يدفع شخصاً لممارسة التعذيب؟ ما المبرر لإخضاع إنسان للصعق في أعضائه التناسلية؟ ما الذي يدور بذهن هذا الكائن الذي يمارس الاغتصاب لانتزاع الاعترافات؟ هل يعتقد أنه بذلك يقدم خدمات للوطن؟ هل يعتقد أنه بذلك سوف يضمن صمت المعارضين، ويهنأ الحاكم بالتالي بسلطة مستقرة سعيدة ويغدق عليه الأموال والامتيازات؟ في الحقيقة لا يوجد مبرر للتعذيب كما لا يوجد مبرر للإخفاء القسري للمحتجزين، فالفلسفة العقابية للدول القومية الحديثة تقوم على فكرة الحرمان من الحرية، لا على العقوبات البدنية التي كانت تطبق في العصور الوسطى، كما أن هذه الممارسات تهدم بالأخص أسس ودعائم الدولة القائمة على مبدأ سيادة القانون والدستور والفصل بين السلطات، حيث تنتهك الأجهزة الأمنية سيادة القانون والدستور الذي يجرم التعذيب وسوء المعاملة، كما تحرم المواطنين من حقهم في الخضوع لمحاكمة عادلة ومن التواصل مع أسرهم ومحاميهم، حيث تتحول الأجهزة الأمنية التي يفترض أنها جزء من السلطة التنفيذية، إلى القاضي والمنفذ معاً.

حاول هذا المقال إلقاء الضوء على خطورة ولا منطقية جرائم التعذيب والإخفاء القسري التي تنتهجها أجهزة الأمن المصرية، وخطورة هذه الممارسات على المواطنين، ومن ثم المجتمع والدولة. فقط ضع نفسك موضع مازن، ماذا ستكون مشاعرك حينما يُقبض عليك من منزلك في منتصف الليل وأنت في عمر الرابعة عشر، وتتعرض للتعذيب المتكرر لإجبارك على الاعتراف بجريمة لم ترتكبها؟ تخيل أن هناك شخصاً ما يقحم عصا خشبية في مؤخرتك ويصعق قضيبك بالكهرباء بشكل متكرر حتى تجد نفسك مضطراً للاعتراف بأي شئ فقط لتجنب هذه الأوضاع المزرية. تخيل أن هذا كله حدث، وأنت شبه مختطف ولا يعلم أهلك مكان تواجدك ولا يمكنك التحدث مع محام. فقط أطلق لخيالك العنان، وقد تعرف ساعتها مدى قبح وخطورة ما تفعله أجهزة الأمن المصرية.

اعلان