Define your generation here. Generation What

أسطورة الشعب الكسول: لماذا يصدق المظلومون ظالميهم؟

إحدى الخرافات المسلم بها في الوعي الجماعي لغالبية المصريين أننا شعب كسول لا يحب العمل، ولا يريد سوى أن يملأ جيوبه مالًا، وأمعاءه طعامًا، دون عرق.

أخذت هذه الخرافة تروج بقوة مؤخرًا كتفسير لسوء الأحوال الاقتصادية، رغم الآمال السابقة في تحسنها بسرعة، وهي آمال طاولت السحاب بعد 30 يونيه عام 2013 . فهل المصريون حقًّا شعب لا يحب العمل، ولا يعملون إلا بالكرباج؟

مبدئيًا، وما دمنا قد وصفنا تلك المقولة بأنها خرافة، فالإجابة الإجمالية والقاطعة هي أن العكس هو الصحيح، فالشعب المصري من أكثر شعوب الأرض حبًا للعمل، وللإتقان فيه، على الرغم مما يبدو عكس ذلك في هذه الحقبة من التاريخ.

ومبدئيًا أيضًا فإنه –وباستثناء سكان الأقاليم المتطرفة مناخيًا مثل القطبين الشمالي والجنوبي، والصحاري القاحلة- فلا يوجد شعب كسول وآخر نشيط، وإنما يأتي الفارق من وجود حكومات، وإدارات عامة سيئة، وأخرى جيدة، وهذه بدهية مسلم بها عند المحدثين من علماء الاجتماع والسياسة والمؤرخين، بل وعلماء البيولوجيا بعد انهيار النظريات العنصرية التي سادت في قرون الاستعمار الأوروبي وحتى العقود الأخيرة من القرن الماضي، وبعد التسليم بأن المناخ ليس عاملًا مانعًا من التقدم، كما كان يتردد في القرنين السابقين حول أفضلية المناخ البارد كمحفز للنشاط الإنساني تفسيرًا لتقدم الأوروبيين، في تجاهل لكون الحضارات الكبرى ازدهرت أصلًا في المناطق المعتدلة والدافئة.

ولكن في الحالة المصرية كيف نقيس موقف شعبنا من قيمة العمل؟ في غيبة أي بحوث علمية حقيقية، ومع الاعتراف بوجود نسبة في كل مجتمع من الكسالي والطفيلين؛ فإن المطلوب منا إلقاء نظرة على مختلف قطاعات الاقتصاد المصري، لنحكم حول ما إذا  كان ما تعانيه قصور أو نقص في الإنتاج يعود إلى عنصر العمل أم الإدارة.

في القطاع الزراعي التقليدي مثلًا، أي في الأراضي القديمة في الوادي والدلتا يجب أن يكون السؤال هو: هل يوجد شبر واحد غير مستزرع؟ لا أن يتساءل المتبطلون الحقيقيون في أروقة نوادي وفنادق القاهرة: لماذا أدخلتم الكهرباء والفضائيات بيوت الفلاحين، وتركتموهم يسهرون أمام التليفزيون، ولا يستيقظون مع الفجر ليذهبوا إلى حقولهم، كما كان الحال في الماضى “السعيد”، حين كان الفلاح مجرد عبد للأرض و الأمراض المتوطنة، وكذلك أبناؤه من بعده؟

إجابة السؤال الأول هي أنه لا يوجد شبر واحد في هذه الأراضي لا يستزرع طوال العام بسبب كسل الفلاحين، أما إن وجد فلأسباب أخرى، تصنعها الإدارة, ويشكوها الفلاح، كندرة مياه الري، أو شح الأسمدة، أو فساد البذور، أو عدم القدرة على تسويق المحصول.

ذات مرة سألت الدكتور محمود أبو زيد وزير الري الأسبق- وهو رجل فاضل: لماذا لم تعد مياه الري تصل إلى نهايات الترع، ومن ثم تترك أحواض بأكملها بلا استزراع؟ فأجابني: بسبب إلغاء نظام توزيع المياه بين الترع بالمناوبة. سألته مرة ثانية، ولماذا أُلغي نظام المناوبات؟ فكانت الإجابة صاعقة: لأن البوابات الحديدية للقناطر الفرعية سُرقت، وكلما جئنا ببوابات جديدة تُسرق. قلت وأين خفير الري الذي كان يحرس تلك البوابات في الزمن القديم حتى السبعينيات؟ فابتسم الرجل ابتسامة يستشف منها الحسرة والتسليم بالعجز.

وفقًا لهذا المثال، هل الفلاح هو الذي لم يقم بواجبه، أم أن الحكومة هي التي لم تقم بواجبها؟

يقال بخصوص الأراضي الجديدة، إنه لا يوجد عمال زراعيون، وإن أجر عامل اليومية ارتفع بصورة مبالغ فيها، وأنه لا يعمل أكثر من 6 ساعات، لكنهم لا أحد يسأل نفسه: لماذا نصر على إدارة الاستثمار الزراعي في مناطق الاستصلاح بأسلوب الوادي والدلتا؟ أي لماذا تكون الملكيات الفردية الصغيرة و المتوسطة هي الأسلوب السائد، ولا نفعل ما فعلته دول غيرنا، بما فيها إسرائيل، وهو أسلوب التعاونيات، أو الشركات المساهمة؟ ذلك أن أسلوب الملكيات الفردية الصغيرة والمتوسطة، لا يوفر للعامل الزراعي بيئة عمل مستقرة، ولا حياة اجتماعية جيدة؛ لأنه في الغالب يتنقل يوميًا بين مقر إقامته، ومقر عمله البعيد، ومعنى ذلك أن يضيع وقت ليس بالهين في هذا التنقل، كما أن العامل يتكبد نفقة ليست بسيطة أيضًا، وفي الوقت نفسه فهو لا يستطيع الإقامة في مكان عمله غير المجهز بمقومات المعيشة.

وبالطبع فهذا عيب إداري أيضًا، وليس عيب العامل، وهو يضاف إلى عيوب إدارية أخرى في التسويق والتخزين.

هذا النمط من الاستثمار الزراعي يقوم به في الأغلب مستثمرون ليس هذا نشاطهم الأساسي، فهم أصحاب مهن أخرى هي نشاطهم الأساسي، وهذا الاستثمار نشاط فرعي يُقصد به تنمية الأموال في غيبة أوعية استثمارية أخرى ذات ربحية معقولة تحفظ قيمة المال في حقبة يتزايد فيها التضخم، وتتآكل قيمة العملة المحلية فيه بسرعة بالتالي، أما في حالة الشركات الكبيرة المتخصصة، فالوضع مختلف تمامًا.

لنلقي نظرة مماثلة على القطاع الصناعي العام، فهل عمال المحلة مثلًا هم من اتخذوا قرار وقف صيانة الآلات، وعدم إحلال آلات جديدة محل المستهلكة، أم هو قرار إداري؟ وهل كان عمال شركة “الحديد والصلب” هم من قرروا عدم تجديد أفران الصهر بعد انتهاء عمرها الافتراضي، أم هي الإدارة؟

يُقال إن الإدارة قامت بهذا بسبب عدم وجود فائض مالي، وإن سبب عدم وجود الفائض يرجع إلى انخفاض الإنتاج بسبب كسل العمال، لكن هذا ليس صحيحًا قط، ففي المحلة على سبيل المثال، كانت الشركة حتى عام 1990 تصدر غزلًا بما قيمته 600 مليون جنيه سنويًا، ولكن فتح السوق المصرية للغزل المستورد، جنبًا إلى جنب مع تبديد الأرباح، فسادًا أو توريدًا للخزانة العامة، مع عدم صيانة وتجديد الآلات، هو ما أدى إلى انهيار الشركة، وانهيار صناعة الغزل والنسيج المصرية عمومًا.

وفي سوق جائعة بشدة كما نعرف جميعًا لمنتجات الحديد والصلب، وفي سوق شهدت نموًا سريعًا لمصانع الحديد المملوكة للقطاع الخاص، لا بد من إلغاء عقولنا لنصدق أن عمال حلوان هم السبب في انهيار شركتهم، وكأنهم هم أصحاب القرار، وليس مجلس الإدارة، ومن ورائه الحكومة.

لننتقل إلى قطاع الخدمات، فالمعلمون لا يعلِّمون في مدارسهم، والأطباء لا يوجدون في المستشفيات، والموظفون كسالى أو متمارضون أو متحايلون، إلى آخر أصحاب المهن، وهذا كله صحيح. ولكن المعلمين يبذلون قصارى جهدهم في الدروس الخصوصية، وهذا عمل وجهد، مما يعني أنهم ليسوا كسالى، ولكن نظام التعليم الردئ، ونظام الأجور الأكثر رداءة هو ما أدى إلى ذلك، وكذلك الأطباء، الذين يتنقلون من مستشفى خاص إلى آخر، ثم يبقون في عياداتهم الخاصة حتى ساعات متأخرة من الليل، وهذا أيضًا بدوره عمل، ودفعهم إليه النظام العام.

قس على هذا موظف الحكومة المتهم بكل السلبيات من الرشوة إلى السطوة، وستجد أن أغلب هؤلاء من الكبار لا يحاسبهم أحد، وهذا عيب إداري، أما الصغار؛ فإن منهم من يعمل في أكثر من وظيفة وفي أكثر من مكان بعد الظهر، ليستطيع تلبية احتياجاته واحتياجات أسرته الضرورية، ومنها نفقات التعليم الخاص، والدروس الخصوصية.

أما جيش الطفيليين والبلطجية في شوارع المدن الرئيسية، فأين هي فرص العمل الكريمة والملبية لاحتياجاتهم الآدمية التي وفرها الاقتصاد القومي لهم؟ إن عددًا كبيرًا منهم لم يُستوعب في نظام التعليم الأساسي نفسه، وقد أُهمل النص القانوني القاضي بمعاقبة ولي الأمر الذي لا يقدم ابنه للتعليم الأساسي إذا بلغ سن الإلزام، وهو السادسة من العمر. أليس هذا عيب الإدارة والسياسة العامة معًا؟

ثم إن عددًا كبيرًا آخر ممن التحق بالتعليم الأساسي يخرج شبه أمي، وعدد كبير ثالث يخرج من التعليم الفني وهو غير مؤهل تأهيلًا حقيقيًا في تخصصه، وليس خريج التعليم الجامعي في كثير من الأحيان أفضل حالًا، وهذا بدوره عيب في النظام العام، وليس في “جينات” الخريج المصري ذاته.

فإذا حدث، وكثيرًا ما يحدث أن ينجح بعض الخريجين والحرفيين في تأهيل أنفسهم والالتحاق بأعمال، في القطاع الخاص بالطبع، ففي هذه الحالة أين يقع دور السلطات العامة في الحفاظ على حقوقهم؟ أين قانون تحديد أجر ساعة العمل لكل وظيفة حسب طبيعتها؟ وأين التزام أصحاب الأعمال بالحقوق النقابية والتأمينية لعمالهم؟ ولماذا تصمت الدولة عن إهدار أصحاب الأعمال لهذه الحقوق، لدرجة إجبار نسبة كبيرة من العمال على توقيع استقالات غير مؤرخة في يوم تسلمهم العمل حتى يسهل طردهم من وظائفهم دون تبعات قانونية على المنشأة؟ علمًا بأن القانون ينظم طريقة الاستغناء عن العمال لضرورات اقتصادية، كما ينظم أيضًا طريقة عقابهم وطردهم في حالة الإخلال من جانبهم بشروط التعاقد، و لكن هذا لا يكفي أصحاب الأعمال، الذين يريدون أن يكون العامل بلا حول ولا قوة في مواجهتهم، وهذه هي السخرة الحديثة، والكرباج الجديد.

انظروا أيضًا إلى نسبة أجور العمال، وصغار الموظفين في موازنة الأجور في أية منشأة، عامة أو خاصة، مقارنة بأجور وحوافز ومكافآت الإدارة العليا والمتوسطة في تلك المنشآت، ولا نتحدث هنا عن سائر أبواب الفساد والتوسعات غير الضرورية والنهب والتهرب الضريبي والتأميني، وسيتضح ساعتها كيف أفلس القطاع العام ومن أفلسه، وكيف تراكمت مديونيات الهيئات العامة –واتحاد الإذاعة والتليفزيون مجرد نموذج واحد- ولماذا تتعثر بعض مشروعات القطاع الخاص أيضًا؟ مرة أخرى إنها الإدارة وليس العمال.

يمكن اعتبار شيوع ثقافة الطفيلية، والبحث عن المال بطريق غير العمل والعرق في المجتمع المصري، أحد مضاعفات شيوع ثقافة الفساد والنهب في كافة مستويات الإدارة العامة، فما دام أصحاب النفوذ يستطيعون في غمضة عين كسب الملايين من صفقة أراضٍ، أو رشوة، أو من احتكار سلع أو خدمة، أو من تسهيل قرض مصرفي.. إلخ، فلماذا يجهد الطامحون أنفسهم كدحًا من أجل ملاليم، لا تكفي للعيش المستور؟ ولماذا لا يلوذ هؤلاء بأولئك خدمًا، وبلطجية، وسماسرة، إذا كان الفتات الذي يلقى به “أولئك” لـ”هؤلاء” أسخى مما يكسبونه بعرق الجبين؟ وهذا كله تخريب للاقتصاد، وإخلال بالقيم، وتشويه للنفوس. إن الإدارة المصرية التي أقرت ضمنًا مفهوم ريع المنصب، ومحاباة محاسيب السلطة قد رسخت في الثقافة العامة فصلًا تعسفيًا بين العمل والعائد، فيمكن للفرد أن يعمل ولا يحصل إلا على الكفاف، ويمكن ألا يعمل ويحصل على الثروات.

علينا الآن الإجابة عن السؤال الثاني: لماذا إذن يروج بقوة اتهام الشعب المصري بالكسل؟

على مستوى غالبية الرأي العام تتمثل الإجابة في مجاراة المألوف، وفي رغبة كل من القائل والمستمع المصدق في الشعور بالتميز عن أولئك الكسالى، الذين لا يعملون، ولكنهم يأكلون ويتناسلون ولا يكفون عن الشكوى، وبذلك يكون القائل والمستمع المصدق هما المواطنان الصالحان اللذان يستحقان كل الامتيازات، أما الآخرون فيستحقون ما هم فيه من بؤس.

أما على مستوى هؤلاء البؤساء أنفسهم حين يصدقون أنهم “شعب كسول” فالتفسير بسيط جدًا، وهو رغبتهم في الالتحاق –ولو نفسيًا- بأولئك المتميزين الذين يعتقدون أن العيب في غيرهم. وبالطبع هناك من ينتمون إلى ما يسمى في أدبيات علم الاجتماع بـ “البروليتاريا الرثة”، أي أولئك الكادحون الذين يفكرون ويسلكون ضد حقوقهم، لنقص الفهم أو لسوئه.

أما النخب المصدرة لأسطورة الشعب المصري الكسول، فهل يحتاج سلوكها هذا إلى تفسير؟ أليست تلك ذريعة سابقة التجهيز لتبرير كل فشل، وكل خطأ، وكل جريمة أحيانًا، وهل هناك حجة أسهل استخدامًا، وأنفع تبريرًا من إيمان البائس بأنه هو المسؤول عن بؤسه، واعتقاد المظلوم بأن “جينات” الشعب الذي ينتمي إليه هي سبب سوء أحواله؟

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد