Define your generation here. Generation What

مهنة القتل البطيء 3

 1

“حتاكل الكشري بتاع كل يوم؟” كان صديقي يحاصرني بذلك السؤال بصفة يومية، حين تقبض الظلمة على نور النهار، ويضطر المرء معها لأن يقضي على الجوع المستعر. لا أفكّر في الإجابة، حيث لم أعمل “كمّاً” كثيراً هذا الشهر، ما يدفع بكشف إنتاجي إلى مرتبة دنيا. وقد شكّل هذا “الكشف” نقلة حضارية في بداية عملي في مهنة الصحافة، إذ أوشك الشهر على الانطواء، فوجدت سكرتير الجريدة يطلب مني ملء البيانات الفارغة، ولوهلة ظننت الأمر متعلّقاً بإيمان من قبل المؤسسة بدخولي في وسطهم من خلال عقد بيننا، لولا أن عثرت على جدول مقسّم لفراغات ثلاثة: اسم الموضوع، تاريخه، عدد كلماته. تعتبر هذه الورقة مسوّغ الحصول على جنيهات من الصراف بعد أيام. فكرّت في الدرس الذي تعلّمته من الأدب بأن التكثيف فن صياغة الجملة الموحية، أن تصل بقارئك لمرادك بأقل عدد ممكن من الكلمات. وأنا أفرغ من تدوين أعمالي الجليلة في شهري الأول، أيقنت أن المرتب سيكون الأقل بين أقراني أصحاب الخبرة.

يبدو أن ثنائية الأدب والصحافة تحتاج إلى إعادة تقييم، لاسيما أن الانتهاك في لغة الصحافة وأسلوبها يجري على قدم وساق. هل يحتاج الصحفي إلى قراءة عدد من القصص والروايات ليعرف كيف يكون الخبر مسلياً وأن التحقيق يمكنه جذب القارىء مهما كان الموضوع جامداً لو استخدم الكاتب لغة وأسلوباً مثل الموجودين في القصص؟ عندما قرأت كتاب “البروج المشيّدة” للورانس رايت الأمريكي، وهو الحائز على أرفع الجوائز الصحفية الاستقصائية في العالم، ويبحث في أسباب وقوع أحداث 11 سبتمبر، وجدته يستخدم منهجاً شائقاً يشبه الرواية أو المتتالية القصصية، يجعلك تجري خلف الكلمات لتستزيد بالمعلومة ويصيبك الحبور من الثراء اللغوي.

أطرد كل هذا وأهاتف والدي لأطمئنه أن استقلالي المادي عنه لم يحن بعد، ربما سيحدث ذلك عندما تندثر كشوف الإنتاج، أو أنتقل للعمل بمؤسسة أخرى تجعل الغذاء بالكشري- المحبب لقلبي- اختيارياً لا إجبارياً.

2

تخلّصنا من كشف الإنتاج، فكانت المعاناة الأكبر: ألا تطرح فكرة جديدة، فيذهب إليك مديرك، يذكرّك بأنّك تعمل صحفياً: تفكّر حتى أثناء ممارسة الجنس لو تطلّب الأمر، ولابد أن يردف حديثه الناصح إليك بأنه ينتظر فكرة خارج الصندوق من مبدع مثلك. استخدام نظرية التحليق خارج الصندوق صارت مبتذلة من فرط استخدام كثيرين لها للوصول إلى أيّة فكرة والسلام. كان الشهر رمضان وكنت وصلت لحالة من الجمود، فجاء المدير طالباً منّي ومن بقية العاملين مشاهدة المسلسلات الرمضانية موزّعة في جدول يشبه كشف الإنتاج، مقسّم إلى خانات بها اسم الصحفي ومن أمامه مسلسل مصري وآخر عربي. المحظوظ هو من سيشاهد مسلسلين مصريين. نتابع الحلقة، ثم نكتب ملّخصاً لوقائع ما جرى. نصيبي كان مسلسلاً لصلاح السعدني، من نوعية الأعمال التي كان يقدّمها ليقول إنّه مازال على قيد الحياة. أشاهده بملل، وأسرده في سطور ببرود، من الأشياء التي فعلتها وكنت خجلاً من القيام بها، لإدراكي المتأخر أن ذلك متعلّق بالأساس بهوس الترافيك الذي يقتل المهنة، ويتغوّل في طريقه قاضياً على كل جميل، حيث لو افترضنا أن ثّمة 30 مسلسلاً فإنها ستجري تغطيتها على يد 15 صحفي، ما يعني 900 موضوع تُنشر من الفراغ. لا يتم الالتفات إلى الخمسين ساعة تقريباً التي يقضيها كل صحفي في سماع جمل رتيبة ليكتب أن “غادة عبد الرازق اكتشفت خيانة رفيقها، قبل أن تذهب إلى صاحبتها بحذر لتعلمها بأنها قررت الانتقام”. من يهتم بقراءة خبر كهذا؟ وهل هذا- فعلاً- خروج عن الصندوق؟ الواقع أن مثل هذه المواضيع الصحفية هي تحطيم للصندوق نفسه، وزرع في نفوس من يدخلون المهنة لعبثية أن يُكتب اسمك على موضوع قد تخجل منه في المستقبل.

حضرت جلسة عمل في ملتقى أريج السنوي للصحافة الاستقصائية قدمها الصحفي المرموق مارك هانتر، قال فيها إنّه يشعر بالخجل والعار حين يعود بالذاكرة إلى عقود مضت، تحديداً في السبعينات، بينما كانت الصحافة التي يقدمها تنثر أفكاراً مفادها أن العالم قبيح، وسىء، ومدمّر. حيث يرى الآن أنه كان عليه بث الأمل بشكل أو بآخر من خلال ما يكتب من كلمات قد تؤثر في فرد لا يمر عليها إلا بشكل عابر. باستعادتي ما كنت أفعله من تفريغ لدراما رمضان أشعر بالمزيد من الخجل مما أقدمت عليه، ويخامرني للحظة فخر واعتداد بأنني لم أعرف ما حدث لصلاح السعدني في المسلسل، حيث تقدّمت باستقالتي، وكانت المرّة الأولى التي أستقيل فيها من العمل، وهو شعور يستحق التجربة، أن تحس بالحرية وأنّك لا تلوي على أي شىء كان.

3

جلسنا، احتسينا الشاي في المقهى المتاخم للجريدة، تناقشنا حول قرار الاستقالة بعد أن بلغ السيل الزبى، وهذا تعبير فصيح يصف حالة لابد أن تصل إليها في عملك الصحفي أياً كان الموقع الذي تشغله، أو المؤسسة التي تعمل بها. المحرّك الرئيسي لهذا السيل هو “الكارنيه”، كارنيه النقابة الذي يهدم أسطورة أن الجنيه يغلب الكارنيه، فلدى الصحفي لا شىء يعادل قيمة امتلاك كارنيه يجعلك تنضم تحت لواء نقابة تمنح كثير من المميزات، أبرزها على الإطلاق البدل الشهري الذي يقيّض للصحفي حفنة من المال تجاوز الألف من الجنيهات، وهي قيمة أكبر من مرتبات عديد من الصحفيين في مؤسسات لها اسمها، وأقل من مرتبات عاملي البوفيه في نفس المؤسسات.

اتفّق أغلب الجالسين على أن الاستقالة يمكنها الانتظار قليلاً ريثما يندرجون في كشوف النقابة، ومن ثم يقفون في خانة انتظار ما يطلق عليه قوائم المشتغلين. أيام وشهور وأعوام تنطوي في حياة الصحفي أمام حلم وأمل هذا الكارنيه. يفني الصحفي عمره لكي يحصل على بطاقة، أكثر مما يفعل ليحصل على قصة أو تحقيق يلهث ورائه ليقدّم جديداً أو يضع مسؤولاً أمام المحاسبة.

في مؤتمر صحفي عام 2013 قال المتحدّث العسكري وقتذاك أحمد محمد علي إن المدعو أحمد أبو دراع غير مدرج في نقابة الصحفيين، وبالتالي فإن ذلك يدينه. وفي جل الصحف حالياً فإن كثيراً ممن يغطون الاشتباكات أو الأحداث في الشارع هم من حديثي العمل الصحفي، مما لا يمنحهم حق حمل الكارنيه الذي هو بالنسبة لمؤسسات الدولة صك أمان، ما يفسح المجال لدولة تستيف الأوراق أن تهيمن على مقاليد الأمور، بغض الطرف عن المواقع الإلكترونية الكثيرة التي لا تدخل ضمن إطار نقابة الصحفيين، رغم أن معظم الصحف باتت تعتمد على صفحات التواصل الاجتماعي بشكل أساسي في الدعاية ونشر ما يستجد من أخبار أو تحقيقات.

قلت لأصدقائي إنني سأقدّم استقالتي مجدداً من الجريدة، جرّبت الأمر من قبل وكان عادياً، لن أنتظر قيداً يغل يدي أو يجبرني على تحمّل ما لا أطيق. تذكرت زميلتي التي انتظرت تسع سنوات كاملة لتحصل على الكارنيه بعد مماطلة وتسويف تجيده المؤسسات القومية بالذات لكي تربط الصحفي إلى جوارها. بعد تقديم الاستقالة كان المنزل يستقبلني بترحاب شديد كعاطل عن العمل، قبل أن ينتشلني العمل في التلفزيون من الضياع. حكيت هذه القصة لرئيس قسم بإحدى الصحف، فأخبرني أن مرتبه لا يتجاوز الألفي جنيه رغم كونه رئيساً على عدد من الصحفيين، وأنه وصل لمرحلة أن السيل بلغ الزبى، حيث ينام كل ليلة وهو يحلم بغدٍ لا يشعر معه بالنقص ولا يضطر معه للبحث عن أعمال إضافية لا تليق بمقدرته، ليسكت صوت الاحتياج المادي الذي يضطره أحياناً للابتعاد عمّا يحب من أعمال.

نصحته بالاستقالة، الغنى في الاستغناء. فكّر كثيراً، كانت الدموع تملؤ مقلتيه، وللحظة تخيلّته سيخبرني بنيته الشروع في الاستقالة غداً، لكنه باغتني: “بس باقي أربع شهور وأدخل مشتغلين”.

 

اعلان