Define your generation here. Generation What

لنفسح المكان للضحك

نعم، تبدو وجوهنا جادة ومتجهمة في الكثير من الأوقات.

أخذنا على عاتقنا، نحن وغيرنا من الصحفيين الأحرار في هذا البلد، مسؤولية العمل من أجل أن تظل لدينا صحافة مستقلة وتقدمية ومتحررة. قررنا أن نخوض مغامرة العمل بالصحافة في وقت صارت فيه أغلب القصص التي نرصدها ونرويها تعبر عن واقع قاتم يحاصرنا. كان الانسحاب خياراً متاحاً -بل يكاد يكون مرغوباً- ومعه ضمانات الصحة والراحة النفسية والجسدية لنا ولأحبابنا، بعيداً عن ضوضاء الأحداث وملاحقتها.

لكننا اخترنا أن نأتي للعمل كل يوم لنكتب عن أناس تُسلب حيواتهم وحقوقهم يومياً، بإصرار، وبأشكال مختلفة. نأتي للعمل كل يوم لنكتب عن الفساد وتوغله في شتى جوانب حياتنا، الفساد الذي يمارسه الصغير والكبير على حدٍ سواء.  نأتي للعمل كل يوم لنكتب عن سوء إدارة بلادنا، ونقضي وقتنا نفكر ونحلل ونعبّر عن عمليات صنع سياسات وقرارات تمسنا، لم يبذل صانعوها الكثير من الوقت في التفكير والتحليل والتعبير.

في كل يوم علينا أن نتعامل مع وحشية الحياة اليومية كموضوع صحفي، بدلاً من مجرد أن نتعايش معها ونتناساها، وربما تكون هذه طريقتنا الوحيدة للنجاة من وحشيتها.

وفي بعض الأيام نشعر بخوف حقيقي؛ ذلك النوع من الخوف الذي يجعل الجسد يرتعش، والذي يوقظنا من نومنا فزعين. غير أنه من حسن حظنا أن أياماً كهذه ليست كثيرة.

في أيام أخرى نتساءل: إلى متى سيستمر الأمر بهذا الشكل؟ فنحن نتحرك دائماً وكل يوم بصحبة تفهم واقعي لإمكانية ألا يكون هناك غد لمغامرتنا الصحفية؛ لأسباب اقتصادية وسياسية شتى من شأنها أن توقف عملنا. وبشكل شخصي، أجد نفسي مجبرة في الكثير من الأحيان على إظهار قدر من التباعد مع هذه المغامرة، وعلى أن أقنع نفسي بأنني مستعدة لنهايتها، خوفاً من حزن طاغٍ قد يجتاحني إن لم يعد “مدى” موجوداً يوماً ما.

ولكن لا تدعو كل هذا يخدعكم. فالحقيقة هي أننا لو لم نكن مستمتعين بعملنا وبطبيعته اليومية لما كنا مستمرين فيه اليوم. فنحن نعرف أيضاً كيف نضحك، بل وكيف نضحككم معنا. ونعرف كيف نواجه القلق المزمن بوجبة طعام جماعية شهية، وقد نتساهل قليلاً في مقدار جديتنا وجدية سياقنا بأن نجبر أنفسنا على ألا نأخذ أنفسنا بالكثير من الجدية.

كما أننا نستمتع بعملنا مع بعضنا البعض، وتعلُّمنا المستمر من بعضنا البعض. نقضي ساعات نفكر فيها في معاني ألقابنا كـ”صحفيين ومحررين ومديري أعمال”. نقضي ساعات نصحح فيها أخطاء بعضنا البعض الإملائية وغيرها. خلقنا أسرة صغيرة بديلة، وبالرغم من خطورة ما قد يبدو عليه هذا المنطق الأبوي، فالأسرة بلا شك نقطة انطلاق للبناء وللتفكيك أيضاً.

عامان ونصف العام منذ أن نشرنا موضوعنا الأول. منذ ذلك اليوم نشرنا مئات القصص والموضوعات التي حاولنا أن تحوي المعلومات التي يجب أن تعرفوها، والتي قد لا تجدوها بسهولة في هذا البلد هذه الأيام. نشرنا عشرات القصص الصحفية الطويلة التي حاولنا من خلالها أن نتطرق لعملية الحكي والتعبير عن تعقيدات الحقيقة في سلاسة تستحضر العمل الأدبي. عامان ونصف العام من النقاشات التحريرية المطولة التي تسبق عملية الإنتاج التي تشاهدونها كل يوم على موقعنا. عامان ونصف العام من محاولة تحديد وإعادة فهم الصحافة التي نود أن ننتجها، تلك التي يقوم كتابها ومحرورها على نسج عناصرها من المعلومات الخام واللغة والأشخاص، بفن وحرفية، كصحفيين يشتبكون مع القصص التي يروونها من موقع تواجدهم بداخل هذه القصص التي تمس حياتهم بأشكال مباشرة. إنها الصحافة الجديدة التي تخلت بإرادتها عن المقعد التقليدي لمسترق النظر أو المتابع عن بعد.

عامان ونصف العام أيضاً من البناء المؤسسي ومحاولة تنظيم أنفسنا على نحو ما يشبه ما كنا نرغب أن يتم به تنظيمنا من قبل دولتنا. نسعى لبناء مؤسسة تحشد طاقاتها الفردية من أجل مشروع مقنع ومشبع على المستويين الشخصي والجماعي. عامان ونصف العام من تطوير العمل عبر خلق رؤية أكثر اتساعاً لمعنى العمل الإعلامي، حيث يترك بعض العاملين منصاتهم أحياناً لتقديم منتجات وخدمات ربما يحتاجها الجمهور إلى جانب المعلومات.

أحد أشكال هذه الأنشطة هو تنظيمنا لحفل عيد ميلادنا غدًا، للاحتفال بالعام الثاني على انطلاقنا، وبتصميم موقعنا الجديد، وببدايات أخرى عديدة. انضموا لنا.. فاحتفالنا لا يكتمل بدون قرائنا ومساندينا. وتذكروا، قبل كل شيء، وبالرغم من كل شيء، أن “تفسحوا مكانًا للضحك”.*

*”أفسحوا المكان للضحك” تعبير لـ صُنع الله إبراهيم من “يوميات الواحات”.

اعلان
 
 
لينا عطاالله