Define your generation here. Generation What

مع من يتحدث شبابنا عن الجنس؟

“ممكن أسألك سؤال على جنب؟”، هكذا سألتني طالبة بعد انتهاء جلسة التوعية التي تحدثت فيها في أحد المدارس في القاهرة، سنة 2011. خرجنا من الفصل وفوجئت بسؤالها حول احتمالية انتقال فيروس نقص المناعة البشري عبر العلاقة الجنسية السطحية (بدون إيلاج). بعد إجابة سؤالها وأمام احمرار وجهها بالخجل قلت لها إن المهم أنها سألت السؤال، لأن هذا أول خطوة للمعرفة ولحماية نفسها. فوجئت بالدموع تملأ عينيها وهي تقول: “ماحدش بيتكلم معايا في البيت أصلاً”.

هنا مربط الفرس، نحن أمام مشكلة أجيال لا يتواصل معها الوالدان، وحتى إذا تواصلا بشكل عابر فهما لا يحدثان الأبناء بوضوح عن أحد أهم التحديات التي تواجههم، وهي علاقتهم بأجسادهم والحب والجنس. وفي كل مرة كنا نعقد إحدى هذه الجلسات في المدارس أو النوادي ومراكز الشباب، كنا نواجه بعدد هائل من الأسئلة من الحضور الشباب لا يتسع الوقت أبداً للإجابة عليها جميعاً بغض النظر عن موضوع الجلسة التي نقوم بتنظيمها، سواء كانت عن ختان البنات أو الأمراض المنقولة جنسيًا أو مشاكل المراهقة. وغالبا ما نخرج من المكان محملين بشعور بالذنب، لأننا لم نمكث فترة أطول للرد على جميع أسئلتهم. والطريف في الأمر أن هذه الأسئلة لم تقتصر على الشباب فقط، ولكن كثيرًا ما طلب منا المدرسون والمشرفون الإجابة عن أسئلتهم الخاصة بعد انتهاء الجلسات.

هذا الفضول وهذه الرغبة في المعرفة والاستكشاف هما نتيجة طبيعية للتغيرات الجسدية والعاطفية التي تحدث في فترة المراهقة. وبينما تتجاهل الدولة مسؤوليتها نحو هؤلاء الشباب والفتيات، تزيد الفجوة اتساعاً، فالمناهج الدراسية تخلو من أي محتوى علمي حقيقي عن هذه الموضوعات، وإن وجد هذا المحتوى فنادراً ما يجري تدريسه، وإن دُرست المعلومات الضئيلة المتاحة في المناهج فغالباً ما يحدث هذا بطريقة أبوية مملة لا تشجع الشباب على المناقشة والسؤال. مثلما قالت لنا مدرسة العلوم وأنا طالب في الإعدادية: “درس التكاثر ده تقروه لوحدكم في البيت”.

خلال تجربتي مع مؤسسات المجتمع المدني، طالبت مع العديد من زملائي، أن تقوم الجهات الحكومية، وخاصة وزارتي التعليم والصحة، بالعمل بشكل جاد على تضمين قضايا الصحة الجنسية والإنجابية وقضايا المساواة بين الجنسين والعنف ضد النساء والفتيات، في المناهج التعليمية، ولكن بدون رد فعل ملموس. تظل الجهات الحكومية بعيدة عن مطالب الشباب واحتياجاتهم، وتظل النظرة نحو الشباب أبوية تحكمها تقاليد بالية وخرافات عفا عليها الزمن. على سبيل المثال، فأثناء اجتماع مع الجهات الحكومية لمناقشة القضايا السكانية، اقترح أحد المسئولين ألا نطالب بأن تتضمن المناهج الدراسية معلومات حول الواقي الذكري كوسيلة حماية من الأمراض المنقولة جنسياً والحمل غير المرغوب فيه “علشان ما نفتحش عينيهم على الحاجات دي”.

هذه العقلية لا تحمي الشباب والفتيات، بل تضع حياتهم وصحتهم في خطر. بدون معلومات كاملة وسليمة لا يستطيع الشباب تقرير مصيرهم وحياتهم بشكل واع. هذه العقلية لا تدرك أن الشباب اليوم يعيشون واقعاً مختلفاً تماماً وأن الإعلام صار مفتوحاً وأن الشباب سبقوا وسائل المنع والرقابة بمراحل، ولكن السؤال هو: هل المعلومات التي يعرفها هؤلاء الشباب من أصدقائهم أو من وسائل الإعلام صحيحة أم لا؟ فالمنتديات الإلكترونية مليئة بخرافات ووصفات طبية مريبة ولا يزال العديد يعتقدون أن الاستمناء (العادة السرية) يسبب العديد من الأمراض، وهذا المثال بعض من فيض من المعلومات المغلوطة المنتشرة بين أوساط الشباب ويعززها عدد من الأطباء ورجال الدين.

لا تكمن المشكلة فقط في خلو المناهج من معلومات حقيقية عن الصحة الجنسية والإنجابية، فلقد واجهنا في عملنا في المبادرات التثقيفية عوائق كثيرة من جانب الجهات الحكومية التي طالما تعنتت في السماح لنا بعقد تلك الجلسات واللقاءات مع الشباب، مثل منعنا دخول المدارس إلا بتصريح أمني. تأتي هذه المقاومة من الجانب الحكومي، في الوقت الذي تحاول فيه منظمات المجتمع المدني ملء الفجوة المعرفية التي يعاني منها الشباب بخصوص صحتهم وأجسامهم.

ولكن تجربتي في العمل مع مبادرات المجتمع المدني المختلفة تشير إلى أن هذا النوع من العمل، ليس فقط ضرورياً، ولكنه ممكن أيضاً. خلال عملي مع شبكة تثقيف الأقران Y-PEER و”جمعية القاهرة لتنظيم الأسرة والتنمية” ومبادرة “معلومة”، كسرنا الأسلوب التقليدي للتوعية، الذي يتضمن أن يلقي طبيب أو رجل دين محاضرة رتيبة، وإنما بدأ الشباب نفسهم في تخطيط وتنفيذ أنشطة التوعية، مع استخدام أنشطة تفاعلية مثل الألعاب أو أدوات المسرح، مما يزيل حواجز التواصل ويمنح الشباب الشعور بالثقة أن أسئلتهم سوف يجري تفهمها.

من خلال عملي أيضاً أدركت أن أحد أهم شروط التثقيف الجنسي الناجح هو كيفية إيصال المعلومات دون إطلاق أحكام أخلاقية، مع الوضع في الاعتبار أننا في النهاية لسنا آلهة لنحكم على سلوكيات الآخرين. والأهم من هذا أنه في كل مرة يسأل أحدهم عن الجنس الآمن أو الإجهاض أو غيرها من المواضيع الشائكة ويواجَه بهذه النظرة التي تصمه، لا يدفعه هذا للتغيير من سلوكه، ولكنه فقط يكف عن السؤال مع استمراره في السلوكيات والممارسات التي تعرضه للخطر، في حين أن وسائل الوقاية متاحة وما عليه سوى معرفتها.

إذا كانت أهمية تضمين هذه القضايا في المناهج لا تزال غير واضحة، فمطالعة سريعة للأخبار تكفي لإدراك خطورة الأمر، حيث وصلت معدلات التحرش الجنسي والعنف الأسري لدرجات مرعبة، فحوالي خُمس حالات الحمل في مصر غير مخططة وغير مرغوب فيها، ومعدلات انتشار فيروس نقص المناعة البشري في ازدياد، ووصمة العار والصمت المحيطين بالمرض مؤلمة.

إذا لم يكن الشباب هم من يقومون بالتغيير فمن؟ وإن لم يكن وقت التغيير حان فمتى؟

______________

*يأتي هذا المقال في إطار حملة الـ”16 يوم من النضال ضد العنف القائم ضد النوع الاجتماعي” التي تنظمها “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية”، بالتعاون مع “مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون” و”تدوين لدراسة النوع الاجتماعي”.

اعلان
 
 
أحمد عوض الله