Define your generation here. Generation What
في اليوم المائتين لـ “اعتقاله”.. إسلام خليل يكتب من داخل محبسه
 
 

قبل مائتي يوم، وتحديدًا في 24 مايو الماضي، داهمت قوات الأمن أحد المنازل في مركز السنطة، محافظة الغربية، بعد منتصف الليل، وألقت القبض على شاب يدعى نور خليل –طالب جامعي-، واقتادته إلى خارج المنزل، قبل أن تعود القوات لتلقي القبض على والده وشقيقه، إسلام –مدير مبيعات-، واقتادوهم إلى مكان لم يعلمه نور في وقتها – بحسب بيان المفوضية المصرية لحقوق الإنسان، ورواية نور نفسه. قبل أن يتفرق الثلاثة وتختلف مصائرهم: نور -الذي كان الهدف الأساسي لقوات الأمن، والذي وجهت له في السابق تهمة التظاهر دون ترخيص، قبل أن ينال حكمًا بالبراءة من تلك التهمة – بحسب روايته- تم إطلاق سراحه بعد أربعة أيام، ولحق به والده بعد قرابة ثمانية أيام، وهي الفترة التي تقدمت فيها أسرة الثلاثة ببلاغات إلى مختلف الجهات الرسمية بالدولة لمعرفة مكان احتجاز الشقيقين ووالدهما، دون أن يتلقوا ردًا.

وبرغم خروج نور ووالده؛ فإن مصير إسلام ظل مجهولًا، مثلما كان الأمر مع مكان احتجازه، وهو ما استمر لمدة 122 يومًا اختفى خلالها إسلام قسريًا، إذ لم يستدل أهله على مكان احتجازه، ولم تصرح أية جهة رسمية به، رغم تأكد الأهل من أنه بحوزة الجهات الأمنية.

الظهور الأول لإسلام –بعد 122 يومًا من الاختفاء القسري- كان بتاريخ 24 سبتمبر، في نيابة شرق الإسكندرية، متهمًا بالانتماء لجماعة محظورة، وهو الاتهام الذي أمرت النيابة بحبسه على ذمة التحقيق فيه، وبدأ من يومها مرحلة جديدة في حياته، هي مرحلة الحبس الاحتياطي، الذي تم تجديده لآخر مرة يوم الخميس  26 نوفمبر الماضي، ليكمل اليوم، الأحد، مائتي يوم من “الاحتجاز/ الاعتقال” منذ أن تم إلقاء القبض عليه من منزله، تعرض خلالها للتعذيب –بحسب رواية شقيقه وروايته هو شخصيًا- وتدهورت خلالها حالته الصحية.

اليوم، ننشر رسالة بعث بها إسلام خليل من داخل محبسه، بعد إتمامه مائتي يوم من “الاحتجاز/ الاعتقال/ الحبس”.

نص رسالة إسلام:

دائمًا ما نمر نحن البشر بتجارب في حياتنا، أحيانًا لا يكون لنا يد فيها، بل الزمان والمكان والظروف التي عشناها هي التي تضعنا فيها جبرًا وقسرًا ، تمر حياتنا وترحل التجارب ولا يبقى منها سوى ذكريات يمررها العقل أمام عيوننا بين الحين والآخر، ولكن بعض هذه التجارب تكون من الصعوبة أن ننساها، بل يكون بعضها كفجوة زمنية لا تنتهي، نسقط فيها ولا نخرج منها إلا بخروجنا من هذه الحياة.

لقد عشت خلال المائتي يوم السابقة على كتابتي هذه السطور، وما زلت، تجربة تعد هي الأسوأ في حياتي أو في حياة أي إنسان يمر بها، أود أن أشارككم خطوطًا عريضة منها لعل هناك أذن تسمع أو صوت عاقل يتكلم، أو لعل هذا مخرجي لأحافظ على ما تبقى من إنسانيتي التي أهدرت في هذه التجربة التي لا تسع مئات الصفحات ولا آلاف الكلمات لسردها.

تبدأ تجربتي مع الواقع في بلادنا يوم 24 مايو 2015، حينما فوجئت وأسرتي باقتحام منزلنا من قوات ملثمة تابعة لوزارة الداخلية، واعتقالي أنا ووالدي -ذلك الرجل المسن الذي أفني أفضل أيام عمره وصحته في خدمة الوطن من داخل المؤسسة العسكرية- وأخي نور -الطالب الجامعي الذي يقضي وقته ما بين الجامعة والعمل الحقوقي-، ثم تم اقتيادنا “مغمي” الأعين إلى مبنى مباحث الأمن الوطني بطنطا، وكانت هذه أول مرة في حياتي (أزور) فيها هذا المكان، لأبدأ فصلًا جديدًا من حياتي في وطني، كانت بدايته تعريضي للتعذيب داخل هذا المكان ما بين الصعق بالكهرباء وتعليقي من يداي وقدماي وتغمية عيني طوال مدة إخفائي هناك، تم الإفراج عن أخي ثم بعدها عن والدي، كنت علي يقين وأنا في هذا المكان أن أسرتي تبحث عني في الخارج بكل الطرق والوسائل المتاحة لديهم، وكان لدي أمل في الخروج من هذا الظلام الحسي والمعنوي الذي أعيشه، بدأ هذا الأمل يتلاشى تدريجيًا مع نقلي من مبنى (الأمن الوطني بطنطا) إلى (معسكر قوات الأمن المركزي). أساليب التعذيب نفسها والتهديدات نفسها، وكأن كل القائمين على التعذيب بهذا الجهاز تربّوا في بيت واحد. مرت أيام وأسابيع، وفي يوم 9 يوليو 2015 تم نقلي من معسكر قوات الأمن المركزي إلى جحيم جديد، ولكنه أكبر من الجحيم الذي مررت به قبل، يطلقون على هذا الجحيم اسم (لاظوغلي)، فمنذ لحظة دخولي هذا المكان ولم أشهد سوى انتهاك آدميتي بأساليب وطرق التعذيب التي مررت بها نفسها، ولكن المختلف أن من مررت بهم قبل ذلك وقاموا بتعذيبي كانوا يخافون أثناء تعذيبي من وفاتي، أما في لاظوغلي فأنت منذ لحظة دخولك هذا المكان عليك أن تنسى اسمك، ولا تتذكر سوى الرقم الذي يعطونك إياه، ولا تنساه أبدًا، وإلا تعرضت لجلسة تعذيب إضافية.

أصبحت في ذلك الوقت لا أستطيع التمييز بين النهار والليل؛ فكل شيء متشابه وراء تلك الغماية الموضوعة فوق عيناي منذ لحظة القبض عليّ، لم أكن وحدي هناك بل كان هناك المئات منا موزعين بين المكاتب والطرقات، جميعنا أعيننا مغماة، ومربوطون من أيدينا، ويحضر الضابط المسؤول أحيانًا ليشير إلى بعض منا وينادي الحراس: “الجثة دي والجثة دي هيمشوا بكرة”، نعم.. نحن في لاظوغلي مجرد جثث وأرقام، وما يمكن أن تلقاه في هذا الجحيم ليس إلا التعذيب، ربما يأخذونني ذات مساء ليعلقونني من يداي وقدماي، عاريًا، أو ربما أظل لوقت طويل مربوطًا من يداي في أحد العواميد، أو ربما يأخذونني إلى إحدى جلسات الكهرباء، ولا يمكنني سماع شيء سوى التهديدات: ما بين التهديد بالانتهاك الجنسي والتهديد بالقتل بأبشع الصور، وذلك السيل من الشتائم التي لا تنقطع، ويكون حلمك في هذا الوقت هو النجاة فقط من هذا المكان ولو إلى السجن أو القبر.

وبعد 122 يومًا من هذا الجحيم الذي لا ينتهي، تعاطف معي هؤلاء فلفقوا لي ومجموعة معي ممن تم القبض عليهم بشكل عشوائي مثلي قضية في الإسكندرية، وتم ترحيلنا إلى هناك لأشاهد النور لأول مرة بعد 122 يومًا من الجحيم المتواصل، لأعيش معاناة جديدة تسمى بـ “الحبس الاحتياطي”، أو بمعنى أصح (الاعتقال المقنن)، ولا تزال النيابة تجدد حبسي احتياطيًا رغم تقديم كل الأوراق القانونية التي تثبت براءتي، وأنني مجني عليه ولست متهمًا، وها أنا أكتب هذه الكلمات وقد شارفت على 200 يوم في السجن، في وطني وليس في بلاد الأعداء.

لقد وضعتني هذه التجربة أمام سؤالين لا أستطيع التفكير في أي شيء سواهما، السؤال الأول هو: لماذا؟!.. نعم.. لماذا تم اعتقالي بهذه الطريقة؟ لماذا تم إخفائي قسريًا؟ لماذا تم تعذيبي؟ لماذا تم تلفيق قضية لي رغم علمهم ببراءتي؟ لماذا لا تنصف الجهات القضائية الحقيقة؟ لماذا تنكر وزارة الداخلية أنني كنت مختفيًا قسريًا لديها لمدة 122 يومًا تحت التعذيب؟.. وفي كل لحظة من فصول قصتي هناك المئات من “لماذا؟”، ولكن لا يوجد هناك إجابة لهذه الـ “لماذا” الكثيرة سوى تلك الكلمة التي قالها لي أحد رفاق الزنزانة يومًا: “علشان أنت مصري وعايش في مصر يا ابني”. دائمًا كنت أتساءل بعد كل جلسة تعذيب: كيف يعيش هؤلاء الناس؟ كيف يقبلون أبناءهم كل صباح؟ كيف ينام بالليل؟ كيف يتناسى كل مشاهد التعذيب التي يقوم بها؟ كيف يتعايش مع كونه مجرمًا في عين نفسه وعيون الآخرين؟ كيف يتسنى لهم الادعاء بأنهم حماة الوطن؟ ومن نحن؟ ألسنا أبناء الوطن؟ فلماذا يفعلون ذلك لنا؟ والأهم من ذلك.. هل هناك ثمن من الممكن أن يتقاضاه الإنسان ليتحول لهذا الوحش الذي صاروا عليه؟

أسئلة كثيرة تدور برأسي وأنا أشرف على إكمال مائتي يوم خلف الأسوار، وتلك الجروح التي خلفها التعذيب ما زالت على جسدي، وأثرها النفسي والبدني يزيد يومًا عن الآخر، وما زلت سجينًا، وما زال هناك الآلاف مثلي، والمئات ممن لا يزالون مختفين يتعرضون لمثل ما تعرضت له. وماذا بعد؟! ماذا بعد القتل والتعذيب والسجن الظلم؟ ماذا بعد أن سلبونا حياتنا وإنسانيتنا؟ لا أتحدث هنا عني ولا عن ما حدث لي ولا عن بقائي في السجن دون رعاية صحية لآثار التعذيب، ولا عن الآلاف مثلي، ولكني هنا أتحدث عنا جميعًا، الحكاية لم تنته بعد، ولكن أود هذه المرة أن نسطّرها نحن بأيدينا لا أن تفرض علينا.

أخيرًا وليس آخرًا، لا تعتادوا على حكايات القتل والتعذيب الكثيرة، والتي أصبحنا نراها صباحًا ومساءً، ارفضوها واجعلوها أمرًا مستهجنًا وغريبًا؛ حتى لا تفقدوا ما تبقى من إنسانيتكم، لا تنسوا من ماتوا، هؤلاء الذين لا تذكرهم وسائل الإعلام، لا تنسوا من ما زالوا قيد الاختفاء القسري؛ فأنتم أمل النجاة الوحيد لهم، ولا تنسوا الآلاف مثلي في السجن يدفعون ثمن الحرية من زهرة عمرهم، اجعلوا لهذه التضحيات ثمنًا، حتى تلتئم جروحنا ونجلس لنضحك جميعًا مرة أخرى، فطالما ما زلنا نتحدث ونرفض فهناك أمل.

اعلان