Define your generation here. Generation What
طعم الرحيل: فيلم حزين عن المصريين في اليونان
 
 

 

قصة الهجرة والحنين إلى الوطن كما يرويها فيلم “مغترب” (من إنتاج 2013) سوف تبدو مألوفة لدى الكثيرين.

شاهدت الفيلم الوثائقي ذي الدقائق السبع مع زميلتي في السكن، والتي قالت إن اللغة المستخدمة من قبل شخصيات الفيلم المصرية في وصف حياتهم في اليونان تذكرها بكيفية حديث الأسرة والأصدقاء عن سنواتهم الأولى في أستراليا بعد هجرتهم من لبنان بحثا عن العمل منذ عقود مضت، واستطردت أنهم يتحدثون عن الاغتراب باعتباره شعوراً أو حالة من الوجود مثلما هي حالة جسدية.

“منذ البداية أردت خبرة مختلفة عن تلك التي عشتها هنا، لكنها ليست بمستوى ما توقعت”، يقول شاب في الفيلم بنبرة حزينة. “حتى إذا عدت إلى مصر، لن يكون الأمر مثلما كان عليه في السابق”.
 

“حين ترحل، تترك وراءك توقعات ضخمة، على حين أنك كثيرا ما تتحمل في الخارج صعوبات مرتبطة بالعنصرية والصعوبات الإدارية والاستغلال الاقتصادي والوحدة، الخ”، يقول مخرج الفيلم الأنثروبولوجي لوسيل جرونتس ومصوره ستيفانوس مانجريوتيس.

يضيف صانعا الفيلم أنه من الصعب أن تتحدث عن تلك الصعاب حين تعود، بحسب رواية صديق عاد من دبي إلى القاهرة مفلساً وقال لهم “من المؤلم أن تعود “محاطا بالفشل”.

“من لديهم علاقات دولية واسعة هم فقط من يتمكنون من الحياة بهدوء بين جنسيات مختلفة، لكنهم قليلون للغاية”.

يذكرنا الفيلم عن قرب بحكايات الأفراد وسط كم ثري من صور الهجرة الجماعية ودفع الحكومات والإعلام المتزايد في اتجاه تصنيف اللاجئين والمهاجرين، وتقييم مستويات الحاجة المتباينة لديهم.

“هدفنا هو تصوير الهجرة بأسلوب أكثر حساسية ومحاولة لتجاوز الأحكام المسبقة والتصنيف”، يقول جرونتس ومنجريوتيس. “كان مدخلنا إلى الموضوع هو المهاجرون المصريون في كيراستاني، ولكننا من خلال التعرف عليهم في تفاصيل حياتهم اليومية ومشاركتهم لحظات بسيطة وجدنا أنفسنا مدفوعين لسرد قصة بشر، لا أكثر”.

بعد مقدمة موسيقية تنذر بالخطر يبدأ فيلم المغترب بمنير- ابن تاجر سمك مستهدف من حركة الفجر الذهبي اليونانية اليمينية المتطرفة- وهو يروي قصة لقائه بضابط شرطة تغاضى عن كونه لا يحمل أوراقا “طالما لا تحدث متاعب”. يشرح لي صانعا الفيلم أن الضابط كان يحاول أن يتجنب أي دعاوى قانونية تقيمها الأسرة المصرية المستهدفة من قبل الفجر الذهبي.

بدرجة ما أجد غياب السياق السياسي في الفيلم شيئاً من التجديد والاختلاف، لكنني أجده أيضا أمرا مربكاً ومقلقاً. فعلى سبيل المثال لا يوجد ذكر واضح للوضع القانوني والإداري للشبان المصريين الثلاثة الذين يتابعهم الفيلم، ولا نعلم الكثير عن تاريخ المنطقة التي يعيشون بها.

لكن القليل من البحث والمزيد من التفسير من جرونتس ومنجريوتيس يوضح الأمور بعض الشيء. عدد كبير من المهاجرين يعيشون في تجمعات في حي كيراتسيني الواقع في غرب أثينا، حيث تعيش الشخصيات الثلاث وقت تصوير الفيلم، وبينهم عدد لا بأس به من الصيادين المصريين، بعضهم جاء إلى اليونان ضمن اتفاق تبادل تجاري.

يفسر لنا صانعا الفيلم “في حالات كثيرة في اليونان تغض الشرطة الطرف، بل وتدعم أو حتى توفر الحماية لجماعة الفجر الذهبي الفاشية. في عام 2012 حين وصلت الهجمات العنصرية إلى ذروتها كانت الشرطة تعطي أرقام هواتف الفجر الذهبي لمن اتصلوا يشتكون من المهاجرين”.

التقى صانعا الفيلم مع منير وصديقيه، إبراهيم ومحمد، بعد أن أخبرا والد صديق لهم برغبتهم البدء في مشروع عن المصريين في كيراتسيني، فقال لهما “بإمكاني أن أجد لكم ما تريدون من المصريين” ثم أخذهما إلى ساحة بين عدة منازل منخفضة السقف حيث تواجدا يوميا لمقابلة الناس.  

يتميز الفيلم بقوة تأثيره، رغم تدخل الإخراج الملموس في أحداثه، الأمر الذي أجده في أحيان غير ضروري. أكثر اللحظات تشويقا في الفيلم بالنسبة لي هي تلك التي تروي فيها الشخصيات عن الطرائف اليومية التي تمر بهم. على سبيل المثال، يقول أحد الشباب الثلاثة إنه كان محط الكثير من الانتباه من قبل النساء اليونانيات، لكنه لا يريد أن يتخذ صديقة لأن ذلك قد يهدد موقفه القانوني.

سعيا لخلق حوار بين خلفيتي صانعي الفيلم، التصوير والأنثروبولوجيا، تتخلل الفيلم صور صامتة وتعليقات صوتية، هي خلاصة تحرير حوالي تسع ساعات من التصوير. “المشاهد الصامتة تستدعي الذاكرة ولها القدرة على تثبيت المشاعر، في حين أن مشاهد الفيديو تخلق الأجواء” يقول صانعا الفيلم.  

أسألهما عن إدراج لقطة قصيرة للصلاة فيما أفترض أنه مسجد محلي.

يقولان: “يقع المسجد في شقة مستأجرة قريبة من سوق السمك. ويتم استئجاره بواسطة الأفراد الأقدم في شبكة المصرية في كيراتسيني، ممن جاءوا في الماضي، على الأغلب ضمن الاتفاق الثنائي”. وقد قررا استخدام هذه اللقطة “لأنها تقدم مثالا جيدا على كيفية تقليل المنفى للفروق السياسية أو العمرية بين المهاجرين. الجميع يذهب إلى المسجد للصلاة، المهاجرون القدامى والجدد، المؤيدون للسيسي والمؤيدون لمرسي”.

وجدت أن الكثير من اللقطات والصور في الفيلم القصير تثير شعورا بالفقر واليأس والخطر المحدق. وتساءلت عن شعور الشخصيات الشابة تجاه تلك الاختيارات. هل كانوا طرفا في مناقشة كيفية تمثيلهم؟

يجيب منجريوتيس: “حياتهم اليومية في اليونان متكررة إلى حد كبير، وأحيانا كئيبة، لكن هناك الكثير من التضامن فيما بينهم ولحظات من المرح المشترك. هناك شجن في الصور لكن تفسيره متروك للمشاهد. الشجن قد يكون حزينا لكنه يمكن أيضا أن يكون سعيدا. على سبيل المثال حين تتذكر الماضي، يمكنك أن تشعر بالسعادة لأنك عشت لحظات مبهجة، وبالحزن لأنك لن تتمكن من عيشها مرة أخرى”.

حين أسأل لماذا لم تتم مقابلة أحد من المجتمع المحلي أو الفجر الذهبي يجيب جرونتس ومنجريوتيس أن ذلك بسبب مشكلة طول الفيلم- حيث صنع الفيلم ليعرض على الإنترنت- ولأن الرؤى المصرية كانت قليلة للغاية في التقارير المحلية عن هجوم الفجر الذهبي.

حين سألت جرونتس ومنجريوتيس عما إذا كانا قلقين بشأن تعرض شخصياتهما للخطر من خلال تصويرهم قالا “للأسف أحدهم تم ترحيله فعليا. جميعهم كانوا مستعدين للمشاركة في الفيلم، على علمهم بالخطر المحدود الذي قد يترتب على ذلك. لكن رغبتهم في الحديث عن وضعهم وحياتهم في اليونان كانت أقوى من الخوف”.

وأضافا “وصول (التحالف اليساري) سيريزا للحكم قلّل إلى حد كبير من ضغط الشرطة والتحرش العنصري. حين رأيناهم هذا الصيف كانوا قلقين من إمكانية فوز الجناح اليميني في الانتخابات مرة أخرى”.

من خلال حديثي مع صانعي الفيلم كان واضحا أنهما أمضيا ساعات كثيرة مع شخصياتهما. من المؤسف أن الفيلم لا يتضمن سوى لقطات قليلة من تلك المقابلات، رغم احتوائها على لحظات مؤثرة للغاية.

يقول منير في الفيلم: “كانت الرحلة لأسباب كثيرة. قصة الحب التي أردت أن أنساها، أن أبدأ حياة جديدة، لم تكن هناك فرص عمل. أردت أن أترك مصر بأي ثمن”.

 
اعلان