Define your generation here. Generation What
“كتاب الرمال”..الرواية الحلم
 
 

“كان أو ما كان.. مدينة على نهر، النهر يطل على متحف، المتحف في قلب ميدان، والميدان محاط بالأسوار، الأسوار أقامها العسكر، ليحيطوا بالثورة.

 أسراب من الطيور تحط على المدينة، تتجمع عند الأسوار وفي الشوارع وعند ممر الطائرات. تجبر المارة على التوقف، والمدرسين على إلغاء طابور الصباح. تُخِل العصافير الصغيرة بالنظام في مدينة النهر، و يتطير أهل المدينة منهم لأنهم يذكرونهم بالعذاب الذي أرسله الله لأقوام بعيدة.

كان أو ما كان.. ثلاث أخوات، دقت أمنا الغولة بابهن. لسبب ما، الغولة في حكاياتنا أم.. نُصِر على إلصاق صفة أليفة بها. أو أننا، على العكس، نعرف أن الشر لا يأتي خالصا و لابد له من ادعاء. دقت الغولة بابهن وحين فتحن لها رمت السلام، ثم توعدتهن أن تأكلهن. هربت البنات من الغولة وقطعن طريقا طويلا. في آخره، تفرع الطريق لثلاثة طرقات. أنبأهن الهدهد أن الطريق الأول آخره الغرق، والثاني يودي إلى الرجم، والثالث بلا نهاية.. لأنه طريق بلا عودة.

ودعت البنات بعضهن البعض وتفرقن كل في طريق، على أمل أن تبلغ إحداهن زهرة المرام، لأنها الزهرة التي من شأنها أن تجمعهن مرة أخرى ببعضهن البعض، وهي تطرد كل شر وتكسر أي لعنة.”

البحث عن زهرة المرام هو جوهر رواية كتاب الرمال Book of Sands، الصادرة حديثا عن دار هاربر كولينز كندا. قام بتأليف الرواية كريم الراوي، وهو كاتب مصري يعيش في فانكوفر بكندا. الرواية المكتوبة بالانجليزية حازت على جائزة أفضل رواية كندية في المسابقة التي نظمتها جهة النشر مع جامعة بريتيش كولومبيا. غلاف الرواية يهيئ القارئ لعالمها، فهي” رواية عن الربيع العربي” الذي يظهر في خلفية الأحداث، وتحاول الرواية قراءته وتفسيره. وعلى قدر تركيب اللحظة التاريخية تجيئ الرواية الأولى للراوي مركبة ومفاجئة.. وجميلة.

 تشبه الرواية النهر، فهي مؤلفة من تيارات كثيرة. تيار واقعي، يروي حكاية مدينة عربية أثناء “الربيع العربي”، ليس من خلال الميادين ولكن من خلال البيوت المغلقة على أصحابها وأسرارهم. بطل الرواية هو طارق، زوج منى ووالد ندى. ماضيه الثوري انتهى به للسجن، ومن السجن لمسرح خيال الظل الذي يروي فيه لأولاد الجيران حكايات القهر والأمل. يسكن طارق قرب الأسوار. والأسوار هي البطل الثاني في الرواية، لأن رمزيتها وحضورها في الصفحة الأولى من الكتاب يعادلان حضور العسكر.

 البطل الثالث هو عمر، شقيق منى زوجة طارق. عمر سائق تاكسي، موقعه في الرواية يتيح للقارئ أن يتجول معه في المدينة ويرى طبقاتها وتناقضاتها. عمر هو نتاج المدينة المتناقضة: شخص يسعى للفضيلة من خلال الدين، لكن الدين يصله مشوهاً، كما أن المدينة لا تترك له متسعا للاتساق مع إيمانه.

الرواية تشبه الحلم وتعمل بقوانينه. يهيئ المؤلف قراءه للحلم الذي يدخره لهم بإشارتين تصاحباننا منذ الصفحة الأولى بالرواية؛ العصافير التي تغزو المدينة وتخدش نظامها، والأمهات الحوامل اللاتي لا يلدن. وعلى القارئ أن يتخلى عن تمسكه بأرض الواقع الصلبة التي يقف عليها ليدلف إلى عالم الرواية، الذي يأخذنا لنجرب الواقع ليس كما يراه الأبطال، و لكن كما يشعرون به. وكما يحدث في الأحلام، ننتقل مع طارق وندى أثناء بحثهما عن زهرة المرام لأماكن بعيدة، وتحضر الأماكن برمزيتها ودلالة أسمائها في السرد. لذلك، فالتيار العميق في الرواية هو تيار الأسطورة؛ الأسطورة التي تسري تحت سطح الواقع، والتي تقوده في حقيقة الأمر وتوجهه لمجراه الحقيقي حتى ولو كان التيار السطحي الذي يحركه الهواء يظهر وكأنه يمشي بالنهر في عكس اتجاهه.

الأماكن التي تدور بها أحداث الرواية لا تمثل فقط خلفية المشاهد المختلفة، لكننا -وفقا لفرانكو موريتي الناقد الأدبي- يمكننا عن طريق رسم خرائط للأماكن التي تدور بها أحداث الرواية أن نفهم المنطق الداخلي للقصة التي نقرأها. في “كتاب الرمال”، لا يُصرح الكاتب باسم المدينة التي تدور بها الأحداث، لكن الوصف يحيلنا لمدينة تشبه القاهرة. وهي مدينة محتقنة كما يراها أبطال الرواية بسبب الأسوار والزحام والقهر والفقر. ثم ينتقل السرد لمساحة أرحب، حين يهرب طارق و ندى من المدينة خوفا من الاعتقال، و يبدآ بحثهما عن زهرة المرام في صحراء ممتدة. وعلى امتداد الرحلة يقابلان مجتمعات مختلفة أكثر تقليدية من مدينتهما. يقابل طارق أثناء رحلته أشخاصاً من ماضيه، منهم تكتمل أجزاء حكايته. وبمنطق موريتي، فإن الصحراء تقع بين المدينة والأطراف، لا تفصل بينهما حقا، إذ أن حياة طارق في المدينة هي صدى لماضيه في الصحراء. هذا الجانب تحديدا جعلني أفكر في علاقة المجتمعات التقليدية داخل بلادنا بالثورات في المدينة الأكثر حداثة، وما إذا كانت ثورة المركز ممكنة في ظل تغييب الأطراف وعزلتها.

تتميز رواية الراوي عن أغلب الروايات المصرية التي تناولت الثورة في 2011 في أن “كتاب الرمال” لا تقدم شهادة عما حدث، لكنها تستلهم مما حدث طاقة لفهمه والتنبؤ بما قد يسفر عنه. لذلك فهي رواية لأهل الميدان “اللذين دخلوه، وحملوا ندبة التجربة في نفوسهم”. 

اعلان
 
 
نسمة جويلي