Define your generation here. Generation What

وقال لي: “البشر نوعين.. ناس كويسة وظباط”

  1. 2000

أسير فيسير ورائي.. أتحرك فيتحرك، أقف فيقف، التفت فأجده خلفي.

لا يحمل لي ضغينة ولا حب وربما ولا حتى اهتمام.. فقط يمارس عمله.

سيماهم على ملابسهم الرسمية، لكن مخبر الجامعة لا يرتدى الملابس الرسمية، ويريد أن يعرف اسمي.

كنت معروفًا في الجامعة باسم أحمد عبيد.. وعبيد لقب للعائلة لا وجود له بالبطاقة، أما أحمد فالاسم الرسمي لجيلنا، وبالتالي كنت بلا اسم عندهم.

في كل يوم أضع أصبعي على خانة الاسم حين دخولي للكلية.. أكثر من مره أراه يشير للضابط نحوى فابتسم وأستدير عائدًا لأدخل من باب أخر.

في البداية كنت كلما رأيته لمعت عيني بالتحدي وراق لي النجاح.. لكن مع الوقت تبدلت مشاعري نحوه، فبدا مسكينًا يرتدى ملابس رثه لا تتناسب مع الجامعة.

خطر لي أكثر من مرة أن أذهب إليه وأخبره باسمى. أقول هذا الخاطر لأصدقائي فنضحك بينما كنت الوحيد الذي أعرف أنني أعني ما أقول.

بعد عامين كاملين من البحث ألمحه في لجنة الامتحان، فاستنتج أنني سر وجوده هنا؛ فالأمن يختفي تقريبًا من الجامعة أيام الامتحانات حيث لا نشاط طلابي. لم يتركني طويلًا لتخميني فيقول لي وأنا خارج من اللجنة:

ــ مع السلامة أستاذ أحمد سمير محمود أبو العلا.

ضحكت وتبادلنا النكات. بدت لي سعادته بالوصول للاسم طفولية خالصة، ففرحت له.

بعدها بأسبوعين تم استدعائي لأول مرة في مباحث أمن الدولة.

  1. 2001

عندما استدعيت لأول مرة للاظوغلي تجاهلت الاستدعاء و ذهبت للعب كرة مضرب “بينج بونج” مع صديق لي من السيدة زينب، ثم عدت لأطمئن أمي أنهم عاملوني بشكل جيد وقالوا لي إنه مجرد خطأ بالاسم.

رغم أن أمن الدولة جاء لبيتي ثلاث مرات إلا أنني لم يقبض مطلقًا، ففي كل مرة استدعيت للتحقيق تجاهلت الحضور.

ما زلت أذكر مشهد أمي وهي توقظني وتناولني ورقة الاستدعاء لأمن الدولة قائلة بصوت مكسور:

ــ أمين شرطة بيقول إنه من أمن الدولة ساب لك دى.

بدت متماسكة لكني فيما بعد رأيتها تبكي، ليس من حق أحد أن يجعل أمي تبكى.

لعامين كاملين كنت أنام بعد الخامسة صباحًا كي أتأكد أن الأمن لو جاء ليقبض علي سيجدني واقفًا على قدميّ.

لماذا واقف على قدمي؟ وماذا سأفعل حين أراهم قادمون؟.. لا شيء.. أعلم هذا، لكن الاستيقاظ من النوم لأجد فوهة مدفع مصوبة نحو وجهي، ورجال شرطة منتشرين في بيتي، كانت فكرة مزعجة.

من ينتظر لا يحيا، وأنا انتظرتهم طويلًا.

  1. 25 يناير 2011

ميدان التحرير.. الثانية عشرة والنصف مساءً.

أرى أول قنبلة مسيلة للدموع تتجه نحونا من مصفحة أمن مركزي تقف عند مدخل قصر العيني.. أبتسم وأنظر لها باستخفاف؛ فنحن نقارب الـ 30 ألفًا وأعداد الأمن المركزي تبدو تافهة مقارنة بنا، أثق في أننا لن نترك الميدان وستتجمع مصر كلها علينا صباحًا.

الدخان يغطى التحرير، الحشود التي كنت أزهو بها تتراجع منكسرة باتجاه عبد المنعم رياض، أهتف مطالبًا بالثبات قبل أن أختنق بغاز لا أفهم كيف أتعامل معه، وأجد نفسي أتقهقر إلى الخلف.

عند مدخل عبد المنعم رياض يقف صف أمن مركزي، يطلقون علينا الغاز بدورهم، لا يفكر مخلوق منا في اقتحام الصف اليتيم ونتفرق في شوارع جانبية.

أخرج من مستنقع الغاز ومعي شعور مرير بالهزيمة وقلة الحيلة، أستلقي على كورنيش النيل مقهورًا، فيميل نحوى شاب جامعي ويسألني باكيا:

ــ صاحبي جوه.. غالبًا قبضوا عليه.. إحنا سبناه ليه؟

أتطلع إلى الضباط في الجهة المقابلة بغضب حقيقي.. لم يستمر الغضب سوى ثلاثة أيام بعدها أصبحت أنظر لهم برثاء.

  1. 2012

كنا في شارع منصور..

ما سبب المظاهرة؟، ضد من؟، ما الهتافات؟.. لا أذكر.

الشيء الوحيد الذي أذكره أنني كنت أقف في أخر الشارع وسط الحشود وأمامنا الأمن ثم فجأة سمعت صرخة.

التفت خلفي فوجدت شابًا وجهه كله دم.. يضع يديه على ما كان عينيه قبل أن يخفضها مصدومًا وقد تحولت يديه بدورها للون الأحمر، وهو يصرخ مذهولا:

ــ عيني.

حمله متظاهرون سريعًا ودفعوه في سيارة إسعاف.. تراجع من حولي خوفًا بينما وجدت نفسي أنهار على الرصيف متأملًا ملامح أفراد الأمن برتبهم المختلفة وهم يطلقون أسلحتهم نحونا.. من أصيب كان خلفي وما أصابه مر بجواري.. كان يمكن أن أعيش أعمى لو تحركت يد الضابط سنتيمتر.

  1. 5 ديسمبر 2012

في قسم الشرطة يشتكي صديقي أحمد خير من اعتداء جند الإسلام عليه أمام قصر الرئيس.. ينتفض الضابط بغضب قبل أن يضرب بقبضته المكتب بتشنج وهو يقول:

ــ إزاي يفضوا الاعتصام!

يبتسم خير وقد شعر أنه سيستعيد، حقه لكن الضابط بادره قائلًا:

ــ أومال إحنا بنعمل إيه أما همّا يفضوا الاعتصام!.. إحنا بس اللي نضرب متظاهرين ونفض اعتصامات.

  1. أغسطس 2013

قال لك: “حظر تجول”..

في كل أيام الحظر أذهب لمقر عملي كمعد تليفزيوني.. أتجاوز الحواجز الأمنية بالكارنيه يومًا وبالحوار يومًا وبالشجار أياما.

كقاعدة: ليس من حق أحد أن يحدد لي متى أنزل من بيتي. عملي أن أكتب فكيف أكتب عن ما لم أراه.

بينما شوارع القاهرة ليس بها سواي وصديقي. تتوقف سيارة أمن بجوارنا ويندفع منها مجموعة ملثمين يرفعون نحونا السلاح ويشدون الأجزاء بحركة مسرحية.. كانت أول مرة يصوب نحوى سلاح، واللافت أن من فعلها هو من يقال أن وظيفته حمايتي.

يصرخ صديقي فيهم بحزم:

ــ صحافة.

تأملنا الضابط باحتقار وهو يواصل تصويب سلاحه لرأسي ثم أشار لي “تعال”، فتعاليت، أقول له:

ــ صحافة.. باعمل شغلي.

بدت عليه خيبة الأمل وقد اكتشف أن يده مغلولة بسبب مهنتي فغمغم باشمئزاز:

 ــ آه.. سلطة رابعة.

ثم نظر لعيني بابتسامة واسعة وهو يقول:

ــ أنا سلطة أولى.

  1. 2015

ما زلت أذكر ضابط الحظر.. أذكر أنه حينما تأملني بتعالي، تذكرت أبدان رجال الشرطة يوم 28 يناير وقد خانتهم وهم أحوج ما يكونوا إليها.

لا أبالى به.. فرائع أن وصية الرسول لم تكن: خاطبوا الناس على قدر رتبهم العسكرية.

الغريب أنى لا أذكر -طوال سنوات عمري- أي موقف ساعدني فيه ضابط أو قام بحمايتي من أي شيء، وربما لهذا لا أشعر بالراحة في وجود أي ضابط شرطة، مها بدا ودودًا.

قال أحدهم ذات مرة: “البشر نوعان.. ناس كويسة وظباط”، لكني أعلم يقينا أن هناك ضباط عظماء على كوكب الأرض، ولكن الأمر وما فيه أنني حتى الآن لم يسعدني الحظ بأن أتشرف بلقاء أي واحد منهم.

اعلان