Define your generation here. Generation What

التغطية الصحفية لحوادث الإرهاب: عودة إلى مذبحة الأقصر عام 1997

كيف كانت الدولة المصرية، تاريخيًا، تغطي وتتعامل مع الهجمات الإرهابية؟

يوم 18 نوفمبر 1997 امتلأت الإذاعة والتليفزيون والصحافة في مصر وخارجها بأخبار مقتل 70 شخصًا -من بينهم 60 من الأجانب- وإصابة 25 آخرين.

كان أعضاء الجماعة الإسلامية قد نفذوا المذبحة قبلها بيوم واحد، في 17 نوفمبر، حين قام المتطرفون، متنكرين في ملابس ضباط، باقتحام الدير البحري -أحد أهم المناطق السياحية بالأقصر- وفتحوا النار عشوائيًا على المتواجدين هناك.

على إثر الحادث أمر الرئيس السابق حسني مبارك وزير الداخلية حسن الألفي بالاستقالة وعَيَّن مكانه حبيب العادلي، الذي كانت فترة توليه المنصب هي الأطول في ظل حكم مبارك. أثناء فترة شغله لهذا المنصب قام العادلي بتقوية دعائم الدولة البوليسية والانقضاض على المعارضة تحت دعوى “الحرب على الإرهاب”.

في ظل تهديد الإرهاب القائم اليوم، عالميًا، مثلما على المستوى المحلي، قد تجدر بنا العودة إلى تلك اللحظة الفاصلة في تاريخ مصر المعاصر للبحث في كيفية تغطية الإرهاب في الصحافة المملوكة للدولة والمعارضة والدولية. كيف تعاملت الدولة المصرية تاريخيًا مع تلك الكوارث، سواء من حيث الخطاب أو عمليًا على الأرض؟

نماذج المقالات التي نعرضها هنا نشرت في جرائد الأهرام والدستور والتايمز والجارديان والإندبندنت والهيرالد تريبيون يوم 18 نوفمبر 1997، أي في اليوم التالي على الحادث.

رصد العنوان الرئيسي في جريدة الأهرام -المملوكة للدولة- “مصرع 70 شخصًا وإصابة 25 في الأقصر”، فيما أبرز العنوان التالي استجابة الرئيس السريعة للمأساة: “مبارك يتابع الحدث ويرأس اجتماعًا طارئًا لتقييم الموقف ويكلف (رئيس الوزراء كمال) الجنزوري بإعداد تقرير لتحديد المسئوليات.”

كذلك تمحورت بقية الصفحة حول مبارك، فذكرت أنه “يبحث في حلول سلمية للصراعات القائمة في القارة الإفريقية”، و”يفتتح مشروعات تطوير مطار القاهرة.” كانت رسالة الأهرام واضحة: الدولة، ممثلة في الرئيس، دائمًا حاضرة وجاهزة.

November 18, 1997

November 18, 1997

وركزت الصفحة الأولى من جريدة الأهرام على “الإرهاب” الذي أصبح يغرق البلاد وأبرزت جهود رئيس الدولة في الحفاظ على الأمور تحت السيطرة. وقد انعكس هذا التوازن الدقيق في التأكيد على درجة استعداد قوات الأمن، ووصف استجابتها بأنها “فورية”. كما أكدت الأهرام على “قدرة الشرطة على مواجهة” الخطر والمخاطر القائمة.

كما ذكر أحد المقالات المنشورة في جريدة الأهرام أن “أربعة من الشهداء الذين قتلوا كانوا من المصريين، وأن اثنين منهم كانوا من رجال الشرطة”. وقال وزير الإعلام السابق صفوت الشريف إن “ستة من العناصر الإرهابية (الجملة التي شاع استخدامها في ذلك الوقت) الذين ارتكبوا الجريمة قتلوا بواسطة قوات الأمن وبمساعدة المواطنين”، وأنه “تم نقل المصابين بطائرات عسكرية مجهزة إلى المستشفيات الخاصة بالقوات المسلحة.”

أما جريدة الدستور الأردنية، فقد أبرزت عناوين صفحتها الأولى الطبيعة البشعة للجريمة: “عشرات السياح ضحايا مذبحة الأقصر – المهاجمون أطلقوا الرصاص واستخدموا خناجر للتمثيل بالجثث”. جدير بالذكر هنا أن جريدة الأهرام لم تذكر شيئا عن التمثيل بالجثث أو الخناجر.

وركزت عناوين أخرى في “الدستور” على “الشجب والإدانة الدوليين للهجوم على السياح في الأقصر.”

 

كانت تغطية الدستور أكثر تفصيلًا ونقدًا بكثير لـ”المذبحة” وهي الكلمة التي كررت الجريدة استخدامها، في حين ركزت جريدة الأهرام على إبراز ردود الفعل على “الحادث” كما وصفته.

Al-Dostour, November 18, 1997

Al-Dostour, November 18, 1997

وذكرت “الدستور” أن “الشهود قالوا إن الشرطة وصلت إلى موقع الهجوم بعد وقت طويل من بدء إطلاق النار من قبل المتطرفين. كما اعتقدوا أن المتطرفين قتلوا أنفسهم في الجبال”. من ثم فإن تغطية الدستور خالفت خطاب “استعداد الدولة” الذي روجت له “الأهرام”. 

لم تتناول جريدة الأهرام توابع مذبحة الأقصر على قطاع السياحة في مصر، على عكس “الدستور” وأغلب الجرائد الأجنبية التي نوردها هنا، والتي ركزت بالأساس على جمع شهادات الشهود، كما نصحت المواطنين بعدم السفر إلى الأقصر، وقدمت تغطية لرحلات الطيران التي ألغيت عبر عدة شركات سياحة من بينها توماس كوك.

أشارت التغطية الأجنبية إلى هجمات إرهابية أخرى سابقة على مذبحة الأقصر؛ سعيًا إلى وضع الحادث في سياقه، عوضًا عن التعامل معه باعتباره حدثًا منفردًا. وطالبت الجرائد الدولية الحكومة المصرية بمحاربة الأسباب الجذرية للهجمات الإرهابية بواسطة المتطرفين الإسلاميين.

أما جريدتا الحياة (السعودية الصادرة من لندن) والتايمز (الإنجليزية) فأشارتا إلى هجوم أبريل 1996، حين قام مسلح إسلامي بقتل 18 سائحًا في الجيزة تصور خطأ أنهم إسرائيليون. كما أبرزت جرائد الدستور والتايمز والجارديان والحياة والهيرالد تريبيون حادثًا ضخمًا آخر هو الهجوم على سائحين ألمان خارج المتحف المصري، والذي وصفته الدولة المصرية بأن ورائه “رجلًا مختل عقليا وشقيقه”. وقد عبرت الجارديان عن تشككها في ذلك التفسير الذي استبعد فورًا الجماعة الإسلامية، واقتصر الفعل الإرهابي على شخص منفرد. حيث ذكرت الجريدة أن “الحكومة فسرت هذا العمل الصادم، دون حق، باعتباره فعلا منفردا قام به “رجل مختل” وشقيقه؛ وأن لا علاقة له بالإرهاب الإسلامي ولا يمثل بأي حال من الأحوال عودة إحياء لهجمات الجماعة”.

The Guardian, November 18, 1997

The Guardian, November 18, 1997

الإشارة إلى المهاجم باعتباره “مجنون أو مريض عقليا” أعفى دولة مبارك من الاعتراف بفشلها في القضاء على الإرهاب بنجاح. وتجاهل خطاب الدولة وقتها تعاطف المهاجمين مع الأفكار السلفية المتطرفة واستبعدها من المجتمع، في محاولة للسيطرة عليهم خارج أطر أي إستراتيجية فعالة أو شاملة لمناهضة الإرهاب. كما تجاهل أيضًا أي تحليل يشير إلى أن التدابير التأديبية التي تتخذها الدولة قد تساهم في زيادة تطرف الإسلاميين.

أما الإعلام الدولي فقد أبرز العشوائية في استجابة أمن الدولة للهجوم. حيث نشرت جريدة التايمز اقتباسًا من أحد السائحين الذي كان متواجدًا في موقع مذبحة الأقصر: “مرشدنا السياحي قال إن الأمر يتعلق بصيد الحمام. ثم لاحقًا قالت الشرطة أنه ثأر بين عائلتين. ثم أخيرًا دفعنا رجال الشرطة سريعًا إلى معبد قريب، حيث كان علينا أن نختبئ لما يتجاوز الأربعين دقيقة… كان الأمر عشوائيا للغاية.”، كذلك أبرز هذه العشوائية تعليق آخر لرئيس تحرير الإيجيبشين جازيت، سامي رغد: “كانت هناك إنذارات مخيفة في الصحافة شبه الرسمية بشأن تراخ من جانب الحكومة.. يجب أن يتوقف مسئولو الأمن عن ترديد مقولاتهم المعتادة، ‘هزيمة الإرهاب! لقد قضينا على المتبقي منه‘.” وتساءل مراسل الاندبندنت: “لماذا استغرق الأمر كل هذا الوقت (3 ساعات) لكي تسيطر الشرطة المسلحة على ستة رجال؟”.

The Times, November 18, 1997

The Times, November 18, 1997

بعد ما يقرب من عشرين عامًا على مذبحة الأقصر، لا زال تهديد الإرهاب قائمًا بنفس الدرجة، متمثلًا في الوحشية الشديدة للدولة الإسلامية. وفي الوقت نفسه لا زال خطاب الدولة المصرية يتراوح بين ادعاءات الاستعداد والإنكار وعدم القدرة على تفسير الوقائع على الأرض.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نُشر هذا المقال بالتعاون مع موقع حبر.

اعلان