Define your generation here. Generation What

في أروقة الخوف

 

ليس بين الوباء، وبين الوباء سوى الأوبئة

المياه تجف، وبرقكَ لا يتكشف إلا عن الموتِ

هيِّئ له ما تبقى من الجسد المهتري

وتهيأ كما تتهيأ للعرس عاشقة

وكما تتهيأ ثاكلةٌ لاستلام توابيت أبنائها

إنه الموت،

بين الحشود يفاجئ إذ يخلع البسمة الزئبقية

يخلع أوسمة الجنرال وسترته

ويفحّ فـينسل بين الوباء وبين الوباء

مثلما كنت تخشاه جاء الحصار يضيق،

وخطو الجنود يلامس أوردة الخوف..

 

يتردد في مخيلتك مطلع تلك القصيدة- التي كتبها ممدوح عدوّان، الكاتب والشاعر السوري بعنوان “وكان الخوف شوقًا”- مختلطًا بصوت الفوضى يصرخ من حولك. تحاول أن تسلك طرقات مختلفة لتغيير اتجاهك عن مكان الهرج والاشتباكات الأهلية الدائرة بين أنصار هذا وأتباع هؤلاء، والتي- طبقًا للروايات المحلية- اندلعت منذ عصر يوم الجمعة الخامس من يوليو 2013 وحتى الثانية من صباح اليوم التالي.

هناك مأثورات تتنبأ بأن نهاية العالم ستكون يوم جمعة، وكذلك تخبرنا الأحاديث النبوية المحمدية بأن خَلق الإنسان كان يوم جمعة، بخلق الله لآدم أبي البشر- عليه الصلاة والسلام- فأيهما تلك الجمعة.. جمعة البداية أم جمعة النهاية؟ كمية الخراب من حولي تقهر دموعي وتجبر قلبي على الارتجاف خوفًا في غفلة مني. ليست تلك هي ذات الشوارع التي نشأت بها وحفظت ملامحها. استنشق الهواء المليء برائحة البارود، ويخدش أذني صوت طلقات النار وسط ظلام حالك. يبادر أحد المارة بجانبي بالحديث. أنتبه له ثم أصغي فأسمعه يقول: “كل ده بسبب الكرسي.. الله يلعن اللي كان السبب ويلعن اللي رموا العيال من فوق سطح العمارة”.

“ارتفع عدد ضحايا اشتباكات منطقة سيدى جابر فى الإسكندرية، أمس الأول، بين مؤيدي ومعارضي الدكتور محمد مرسى، الرئيس المعزول، إلى ٢٠ قتيل، وأكثر من ٤٠٨ مصاب، حسبما أكدته الدكتورة أمل شعراوى، القائمة بأعمال وكيل وزارة الصحة بالمحافظة.. وتم التعرف على جثة شاب يدعى محمد بدر حسونة، عمره ٢٠ عاما، ألقى به أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين، من الدور السادس علوي وتوفي فى الحال”. (المصري اليوم، 7 يوليو 2013).

g1.jpg

لا تعرف إن كنت تحزن مما تراه حولك أم تفزع من رؤية انعكاس الدماء على أسفلت الطريق. تمشي خائفًا وسط الناس. تخاف أن تبدر منك أي إشارة تُوحي لمن أمامك بمكنونات صدرك. تتحاشى النظرات وكأنك تحاول الهرب داخل روحك، تلك التي تحس بارتجافاتها من بوادر مشهد الحرب الأهلية حولك. أرى ذلك الامتعاض وشيئًا من الخوف الذي يعتري وجوه الكثيرين. فمن ذا الذي يحب أن يجد نفسه أمام وحوش آدمية تتقاتل من أجل اللا شيء في محراب الخوف؟

يصرخ مواطنون شرفاء من الفزع وهم يتصارعون حول مدرعة أمن لإخراج من بداخلها ممن قُبض عليهم في هذا اليوم: “أخرجوهم.. دعونا نأخذ حق الدماء من أبناء المومسات ونفتك بهم”.

هل هي حقًا بوادر حرب أهلية؟ فقط لا تخف.

*****

“السجن لا يميت – السجن غير مخيف..

المخيف والمميت أن يموت بداخلكم إعلان ما آمنتم به فلا تسجنون بجدران من طين زائلة

وإنما تسجنون بجدران أجسادكم الفانية..

الأولى ستخرجون منها إلى الحياة ولكم إنسانية وكرامة تعتزون بها،

والثانية أن تنتفي منكم ضمائركم وإنسانيتكم فلا يبقى داخلكم إلا شهوات فى أجساد جل هدفها فى الحياة تأكل وتشرب وتنام ثم تموت”

يختتم شريف فرج- المعيد بكلية الفنون الجميلة- رسالته الأولى من داخل محبسه بسجن الحضرة بتلك الكلمات التي تقهر الخوف من السجن ومن الوحدة. شريف، الإنسان الذي التحق بصفوف المحتجزين في غياهب السجون نتيجة لمواقفه الحالمة التي تبحث عن اليوتوبيا الغائبة، لأنه فنان أراد أن يجعل من فنه درساً لكل من يتعلمه ولا ينساه، ناقش رسالة الماجستير خلف القضبان وحصل على الدرجة، وفعل ما لا يستطيع الكثير من أحرار الحركة فعله، فقد أثبت أنه مكبل الحركة ولكنه حر الروح والوجدان.

يخاطب شريف ذات الإنسان الذي طالما بحث عنه فيقول: “إلى كل هؤلاء الذين عرفتهم فى حياتى فأضافوا إليّ. إلى كل هؤلاء الذين عرفوني ولو لم تسمح لنا أيامنا باللقاء. إلى أهلي وطلابي وزملائي وأصحابي، أشتاق إليكم كثيرًا كثيرًا”.

ثم محدثًا أهله وأصدقاءه بعد مرور مائة يوم على حبسه: “أشتاق إليكم شوقء إلى الحياة الطبيعية التء كتبها الله لء كإنسان.. لا الحياة التء فرضها علينا أشباه جنس البشر منزوعء الإنسانية والعقل والمنطق. أعلم أن كل شيء بيد الله، ولكن أقدار الله مقدرة بأسباب الأرض، حسبء الله ونعم الوكيل.. هكذا يمر عليّ يوم ميلادي الثلاثون بعيدًا عن أهلي، بعيدًا عن حبيبتي، بعيدًا عن أصحابي وأصدقائي، وهكذا يمر يوم مناقشتي لرسالة الماجستير محاصرًا سجينًا بلا سبب ولا رحمة ولا منطق، وهكذا يمر… وهكذا يمر… وسؤالي المتكرر: إلى متى؟! ليست القضية فى شخصي وفقط، وإنما القضية فى عدالة غائبة.. هكذا يمر اليوم المئة. لا أعرف إلى الآن لماذا أنا هنا؟! ماذا تريد مني هذه البلد البائدة؟ ماذا تريد هذه الأرض الفقيرة؟ ماذا يريد هؤلاء المتخلفون؟”

“100 يوم ولا دليل واحد على قتلي 34 شخصاً أو سرقة بنك أو تحريض على قتل أو… أو ما يتبع من اتهامات جاوزت الـ14 تهمة في قضية واحدة! فأنا من الخطورة أحمل قضيتين لا واحدة- قضيتين بنفس التهم في يومين مختلفين!! اليوم الذي يسبق خطبتي واليوم الذي يليه، ليس هذا ضحكاً مبكياً إذا ما قارناه مع متهم قضى عليه القاضي بسنتين وغرامة 50 ألف جنيه وهو متوفى منذ عامين قبل أحداث قضيته، ولا في من حكم عليه بسبع سنوات بتهمة حيازة كانز بيبسى!”

ثم يعود لوداعته مرةً أخرى معبراًعما يجول في أرجاء كيانه: “أحمل لكم كلماتي هذه شوقًا مني إلى طبيعتي الحرة، منفثًا بها عن هم ألمّ بي من أيام لا تظهر معالمها ولا شكلها. كل ما أعدكم به أني سأجدد المحاولة لأن أحيى على أمل في اللقاء بكم وأن أظل كما عهدتموني منتصراً لما أراه حقاً ومدافعاً عن ما اتسق مع ضميري ومعلنًا كرهي للفسدة ومن عاونهم. وأطلب منكم أن تدعو لي وأن تنتصروا للحق”.

g2.jpg

عقب 247 يوم خلف أسوار سجن الحضرة بمحافظة الإسكندرية، خرج شريف فرج بحكم براءة بعد أن استبعدت المحكمة كل التهم التى وجهتها النيابة العامة إليه، والتي حبسته بسببها طوال الثمانية أشهر احتياطيا منذ القبض عليه فجر يوم 24 نوفمبر 2013 من منزله.

خرج من غياهب السجن ليستكمل حياته بإصرار وشغف بعدما عقد قرانه، وها هو يتابع حياته بعد أن ضاع منها خلف القضبان ثمانية شهور، ولا يسأل عنهم تعويضاً إلا محاربة الخوف.

*****

“الحمد لله الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون.. اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل.. أعوذ بك من وعثاء السفر وسوء المنظر وشر المنقلب”.

g3.jpg

من سوريا إلى مصر وصولاً للنرويج مروراً لبعض الوقت بلبنان، صارع عبد الرحمن الخوف واستطاع إخماد صوته بداخله، فهو كما يحكي: “كان وضع عائلتي جيد؛ فقد كان والدي يملك صيدلية وكنا نعيش حياة مرفهة. ولكن دوام الحال من المحال، فبعد اندلاع الثورة السورية أصبح الوضع في سوريا- للأسف- سيئاً للغاية، واضطررت مع عائلتي للنزوح لمدينة أخرى داخل سوريا تاركين كل ما نملك، وبعدها انتوينا مغادرة سوريا لأنه بعد تخرجي من الجامعة وجب أن التحق بالجيش، وكنت- ولا زلت- لا أريد المشاركة في القتل والدم، لذلك وجدت في السفر حلاً وحيداً لأبني مستقبلًا أفضل، وأتمكن من العمل لأساعد أهلي، فسافرت إلى مصر لأنها في ذلك الوقت كان دخولها لا يتطلب فيزا من السوريين.. وعند قدومي إلى مصر بحثت مباشرة على عمل بصيدلية.. ووجدت عملًا براتب زهيد لا يمكن من خلاله أن أبني مستقبلي أو أساعد أهلي فحاولت السفر لدول الخليج  كالسعودية والكويت والإمارات لكنهم رفضوني، وكانت آخر محاولاتي الهجرة للولايات المتحدة الأمريكية.. كل محاولاتي باءت بالفشل، والسبب الوحيد المحزن هو- للأسف هو نفس الجواب-  جنسيتي السورية؛ فكل الدول بالفترة الأخيرة لا تريد استقبال السوريين بسبب كثرة العدد والنزوح الكبير، فقررت بالنهاية الهجرة عن طريق القوارب في البحر إلى أوروبا.. كان هذا خياري الوحيد…وعند توجهنا نحو القارب قبض علينا الجيش المصري وتم احتجازنا لمدة شهرين تقريباً، ومن ثم أجبرنا على الترحيل إلى لبنان.. ولكني لم أفقد العزيمة، فوجدت مهربًا آخر، وكانت الطريقة السفر طيراناً إلى ليبيا، وبعدها ركوب القارب من لبيبا إلى إيطاليا حيث كان الاتفاق أن القارب سيكون كبيراً وجيداً ولا يضم أكثر من ١٢٠ شخص.. وكان كلام المهرب كذبًا حيث كان هناك ما يزيد على ٣٠٠ شخص في قارب خشبي قديم ومتهالك، وبعد تقريبا ١٣ ساعة بالبحر جاءت بارجة حربية إيطالية أنقذتنا، ثم أخذتنا إلى صقلية في إيطاليا، وهناك فرقونا حيث أخذونا إلى جزيرة سردينيا، ووضعونا في كامب اللاجئين لمدة ٣ أيام ثم تركونا نسافر بعدها إلى روما ومنها إلى ميلانو.. وفي ميلانو اجتمعنا مع مهرب عرض علينا تهريبنا بالسيارة إلى الدنمارك، وقد كان. وبعد وصولي إلى الدنمارك أخذت قطاراً إلى السويد ومن ثم النرويج.. وها أنا أعيش حاليًا في إحدى الدول الاسكندنافية، لا يؤرقني سوى الخوف من كوابيس تنتابني ليلاً لما مررت به في الأعوام القليلة الماضية.. وحاليا أنتظم في مدرسة اللغة، وانضممت لهيئة الصليب الأحمر، وأتدرب في صيدلية، وقريبًا سوف أبدأ في العمل بعد إنهائي تعلم اللغة النرويجية”.

*****

كلما مررت في تلك الطرقات، أو قابلت أحد تلك الوجوه التي تذكرني بروائح البارود والدماء ومشاهد الهلع أتذكر موسى عندما قال له ربه “لا تخاف دركاً ولا تخشى” وأردد لنفسي: “لا تخف من فرعون وجنوده أن يدركوك من ورائك، ولا تخشى غرقا من بين يديك ووحلاً فقاوم الخوف وحارب اليأس ولا يغرنك اﻷمل، وامشِ في ساحات الحياة مقاتلاً فالنصر حليفك ما دمت مُصراً على اقتحام أروقة الخوف”.

اعلان
 
 
محمد حنفي الكاشف