Define your generation here. Generation What

تستطيع تركيا أن تقطع خطوط إمداد الدولة الإسلامية.. فلماذا لا تفعل؟*

يمكن لقادة الغرب أن يدمروا الدولة الإسلامية لو طالبوا أردوغان بإنهاء هجماته على القوات الكردية في سوريا وتركيا، وتركها تحارب داعش على الأرض.

بعد الهجمات المميتة على باريس، يمكننا أن نتوقع أن يقوم رؤساء الدول الغربية بعمل ما يفعلونه دائمًا في مثل هذه الظروف: إعلان الحرب الشاملة بلا هوادة على مرتكبيها. لكنهم لا يعنون ذلك حقًا. فقد كان في أيديهم لأكثر من عام سبيل لاجتثاث الدولة الإسلامية وتدميرها، لكنهم رفضوا ببساطة استخدامه. في الواقع، والعالم يشاهد القادة يقولون عبارات تنطوي على عزم قاطع في قمة العشرين الكبار بأنطاليا، هؤلاء القادة أنفسهم يتوددون للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الرجل الذي أسهم دعمه السياسي والاقتصادي- وحتى العسكري غير المباشر- في قدرة داعش على ارتكاب الفظائع في باريس، ناهيك عن الفظائع اللامتناهية في الشرق الأوسط.

كيف يمكن القضاء على داعش؟ الإجابة معروفة للجميع في المنطقة. الأمر لا يقتضي سوى إطلاق العنان لقوات حزب الاتحاد الديموقراطي (YPG) في سوريا، وحزب العمال الكردستاني (PKK) في العراق وتركيا، والمكونة من مقاتلين أكراد بالأساس، وهي حاليًا القوى الأساسية التي تحارب داعش على الأرض فعليًا. وقد ثبتت كفاءتها العسكرية الاستثنائية، ويناهضون إيديولوجية داعش الرجعية من الجوانب كافة.

لكن بدلًا من هذا، نجد أن تركيا تضع المناطق التي يسيطر عليها حزب الاتحاد الديموقراطي في سوريا تحت حصار شامل، وتقصف القوات الجوية التركية بشكل مستمر قوات حزب العمال الكردستاني. فأردوغان لم يفعل فقط كل ما بوسعه لعرقلة القوات التي تحارب داعش فعلًا، وإنما هناك دلائل كبيرة على أن حكومته دعمت داعش نفسها، بشكل ضمني على الأقل.

تبدو الإشارة لقيام دولة عضو في الناتو كتركيا بدعم تنظيم يقتل المدنيين الأوروبيين بدم بارد بأي شكل من الأشكال أمرًا شنيعًا، وكأن دولة عضو في الناتو تدعم القاعدة. لكنّ هناك بالفعل أسبابًا تدفعنا للظن بأن حكومة أردوغان تدعم الفرع السوري من القاعدة (جبهة النصرة) أيضًا، بالإضافة إلى عدد من المجموعات المتمردة التي تشترك معها في إيديولوجيتها الإسلامية المحافظة. وقد قام معهد دراسات حقوق الإنسان بجامعة “كولومبيا” بجمع قائمة طويلة من الدلائل على دعم تركيا لداعش في سوريا. وهناك أيضًا مواقف أردوغان الفعلية المعلنة. ففي أغسطس الماضي، كان حزب الاتحاد الديموقراطي يستعد للسيطرة على جرابلس بعد خروجه منتصرًا من المعارك في عين العرب (كوباني) وتل أبيض (كري سبي). وجرابلس هي آخر مدينة تسيطر عليها داعش على الحدود التركية وتستخدمها تلك المنظمة الإرهابية في إمداد عاصمتها في الرقة بالسلاح والعتاد والجنود، وهو ما يعني أن خطوط إمداد داعش تمر بشكل مباشر عبر تركيا.

توقع المعلقون أن الرقة ستأتي بعد جرابلس. لكن أردوغان رد بإعلان جرابلس “خط أحمر”: بحيث لو هاجم الأكراد تتدخل قواته عسكريًا ضد حزب الاتحاد الديموقراطي. ومن ثم، بقت جرابلس في أيدي الإرهابيين حتى يومنا هذا، في ظل حماية عسكرية تركية من الناحية الفعلية.

كيف أفلت أردوغان بهذا؟ عن طريق الادعاء أساسًا بأن من يحاربون داعش هم إرهابيون أيضًا. صحيح أن حزب العمال الكردستاني كان يخوض حرب عصابات قبيحة مع تركيا خلال التسعينيات أدت لوضعه على قائمة الإرهاب الدولية. لكن خلال آخر عشر سنوات غيّر الحزب استراتيجيته تمامًا ونبذ الدعاوى الانفصالية وتبنى سياسة صارمة بخصوص عدم إيذاء المدنيين. لقد كان حزب العمال الكردستاني مسئولًا عن إنقاذ آلاف المدنيين الأيزيديين المهددين بالإبادة الجماعية على أيدي داعش في 2014، وتحمل شقيقه السوري (حزب الاتحاد الديموقراطي) مسؤولية حماية الأقليات المسيحية في سوريا أيضًا، وتركزت استراتيجيتهما على السعي لمحادثات سلام مع الحكومة، مع تشجيع الحكم الذاتي الديموقراطي المحلي للمناطق الكردية تحت رعاية حزب الشعوب الديموقراطي، والذي بدأ كحزب سياسي قومي وأعاد إحياء نفسه كصوت لليسار الديموقراطي التركي بوجه عام.

لقد ثبتت كفاءتهم العسكرية العالية، ويناهضون أيضًا إيديولوجية داعش الرجعية من الجوانب كافة بتبنيهم للديموقراطية القاعدية وحقوق النساء. ففي شهر يونيه الماضي، أدى نجاح حزب الشعوب الديموقراطي في الانتخابات إلى حرمان أردوغان من أغلبيته البرلمانية. فجاء رده بارعًا؛ حيث دعا لانتخابات مبكرة وأعلن أنه سيحارب داعش، فقام بهجمة رمزية فقط ثم استمر في تركيز كل قوته العسكرية على حزب العمال الكردستاني في تركيا والعراق وتشويه حزب الشعوب الديموقراطي باعتباره داعمًا للإرهاب بسبب ارتباطه بحزب العمال الكردستاني.

تلا ذلك سلسلة من التفجيرات الإرهابية الدموية داخل تركيا في مدن ديار بكر وسروج وأخيرًا في أنقرة. تلك الهجمات منسوبة لداعش، لكنها -ولسبب غامض- لم تستهدف على ما يبدو سوى النشطاء المدنيين المرتبطين بحزب الشعوب الديموقراطي. وقد حكى الضحايا كثيرًا عن قيام الشرطة بمنع عربات الإسعاف من إخلاء الجرحى أو حتى ضرب الغاز المسيل للدموع على الناجين.

نتيجة لهذا، توقف حزب الشعوب الديموقراطي عن عمل مسيرات سياسية في الأسابيع السابقة على الانتخابات الجديدة في نوفمبر خوفًا من القتل الجماعي، ولم يتمكن عدد كافٍ من ناخبي حزب الشعوب الديموقراطي من الذهاب لصناديق الاقتراع؛ فنجح حزب أردوغان في تأمين الأغلبية لحزبه في البرلمان.

العلاقة الدقيقة بين حكومة أردوغان وداعش قد تكون محل جدل، لكن هناك بعض الأمور المؤكدة. فلو كانت تركيا فرضت على مناطق داعش الحصار نفسه الذي فرضته على المناطق التي يسيطر عليها الأكراد في سوريا (ناهيك عن تجاهل حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديموقراطي قليلًا كما تفعل مع داعش) لانهارت تلك الخلافة الملطخة بالدماء منذ فترة طويلة، وربما ما كانت هجمات باريس قد وقعت أبدًا. ولو كانت تركيا ستفعل الشيء نفسه اليوم، ستنهار داعش على الأرجح خلال أشهر. لكن هل طلبت أية دولة أوروبية من أردوغان أن يفعل ذلك؟

حين تسمعون المرة المقبلة هؤلاء السياسيون يعلنون ضرورة انتهاك الحريات المدنية أو حقوق المهاجرين بسبب الحاجة لحرب مطلقة ضد الإرهاب، يجب أن تضعوا كل هذا في أذهانكم. فعزمهم ليس مطلقًا إلا بقدر ما هو ملائم سياسيًا. فتركيا رغم كل شيء حليف استراتيجي، وبعد إعلانهم القوي هذا سيقومون على الأرجح بشرب كوب من الشاي مع الرجل الذي يجعل استمرار بقاء داعش ممكنًا.

*هذه ترجمة لمقال (Turkey could cut off Islamic State’s supply lines. So why doesn’t it?) المنشور في “الجارديان” يوم الأربعاء 18 نوفمبر 2015.

اعلان
 
 
ديفيد جرايبر