Define your generation here. Generation What
العالم المجهول لـ”اللجان النوعية”
 
 

“كان نفسي أعيش أجواء انقلاب عسكري.. دلوقتي، بعد كل اللي شفته، بفكر أنا كنت مختل ولا إيه؟”، هكذا يبدأ يوسف (ليس اسمه الحقيقي) مقابلتنا. بالنسبة له، كل شئ تغير مع فجر يوم اﻷربعاء 14 أغسطس 2013، يوم فض اعتصام رابعة العدوية. لم يحضر يوسف يوم الفض بسبب ورم أصابه قبلها بعدة شهور وتطلب تدخلًا جراحيًا اضطره إلى مغادرة الاعتصام قبلها بأيام. وبينما كانت قوات اﻷمن تقتحم ميداني رابعة والنهضة، كان يوسف في طريقه إلى غرفة العمليات.

خلال أسابيع النقاهة التالية، وجد يوسف بعض الوقت أخيراً كي يبحث عن إجابات ﻷسئلة كثيرة شغلته في الشهور اﻷخيرة، وهي إجابات ستنتهي به إلى ترك جماعة اﻹخوان المسلمين وتبني العنف كحل الوحيد لمواجهة الدولة والبدء في تأسيس واحدة مما سيعرف لاحقاً باسم “اللجان النوعية”.

بدأت علاقة يوسف بالجماعة مع طفولته عن طريق والده. يحكي أن علاقته باﻹخوان قبل المرحلة الجامعية اقتصرت على لعب الكرة أو لقاءات تجمع الصغار بأحد شباب اﻹخوان. يقتصر الحديث معهم على مجموعة من اﻷخلاقيات العامة ويتناولون في اللقاءات جزءاً من مناهج التربية المخصصة لهم، اسمهم “اﻷشبال”، من قبل الجماعة. “باستثناء أيام الانتخابات، اللي بيحتاجوا فيها لشباب صغير عشان شغل الدعاية، مفيش أي حاجة تربطنا باﻹخوان”، يوضح يوسف.

حين التحق بالجامعة قبل الثورة بعام، تعرف يوسف للمرة اﻷولى على اﻹخوان كتنظيم. يتذكر اﻵن تفاصيل عن طبيعة نشاطه كطالب من اﻹخوان لم تبدُ له وقتها على أي قدر من اﻷهمية. هناك مثلا تلك المرة حين نصحه أحد اﻷخوة بتكرار زيارة صديق لهما كانا يرغبان في تجنيده لصفوف الجماعة. يقول يوسف إنه بدأ في زيارة صديقه في بيته بإحدى القرى البعيدة، وكرر زيارته، ثم كررها: “25 مرة أنتقل إلى قريته لزيارته في بيته وأنا مش عارف ليه بأكرر الزيارة ولا صديقي هذا فاهم ليه بأكررها”. بالنسبة له، فإن “هذا هو الحال بداخل الجماعة، على الدوام أنت مجرد متلقي”.

قبل الثورة، لم يكن يهتم كثيرًا بالوضع السياسي في البلاد إلا بالقدر الذي يتطلبه الانخراط في نشاطات اﻹخوان الطلابية. يتذكر أنه عرف ﻷول مرة بعد دخوله الجامعة أن كلمة “سلفيين” تشير إلى تيار ديني محدد، وليست إشارة إلى السلف المسلم من الصحابة والتابعين كما كان يظن. “لم أكن أعرف أي شئ يحدث في العالم”، يوضح لي. توزع وقته بين دراسته، وإخوانه بالجامعة، ومساعدته لوالده في زراعة أرضه، وهي اﻷرض التي يمتلكها في مناطق الزراعة القليلة الباقية على أطراف مدينتهم.

لم يشترك يوسف في مظاهرات اليوم اﻷول من الثورة المصرية في 25 يناير 2011. ذهب في اليوم الثاني بصحبة أحد أصدقائه إلى الجامعة ليشهد تفريق قوات اﻷمن للمظاهرات. وفي يوم الجمعة 28 يناير، طلب بعض شباب اﻹخوان من أصدقاءه أن يقضوا ليلتهم عنده ﻷسباب أمنية، قبل أن يذهب بصحبتهم إلى مظاهرات اليوم اﻷكثر عنفًا في الثورة. وعلى الرغم من أنه لم يصله أي تكليف تنظيمي بحضور المظاهرات إلا أنه قابل أفرادًا عديدين من اﻹخوان هناك.

يخبرني يوسف أنه مع حلول ليل 28 يناير، كان قد تحرر من فكرة انتظار تكليف تنظيمي. بعد مواجهات مطولة مع الشرطة، أدت في نهاية اليوم إلى هزيمتها وبدء انسحابها، تعلم يوسف درسًا جديدًا. حسبما يفكر اﻵن، فإن بإمكانه أن يصنع فارقًا بمفرده، لا يجب الاكتفاء بالأوامر والتكليفات، “فكرة التنظيم نفسها تقتل اﻹبداع الفردي”.

بعدها بأيام توجه إلى ميدان التحرير بصحبة والده. قابل العديد من الشباب من مختلف الاتجاهات والتيارات، وفتح نقاشات موسعة مع مجموعات شبابية من تيارات واتجاهات وآراء سياسية وربما ثقافية واجتماعية مختلفة، ليبدأ في إدراك أمر جديد تماماً بالنسبة إليه: “في التحرير عرفت إن فيه ناس غيرنا في العالم مختلفين عننا جدا. هناك شيوعيين وليبراليين بيحبوا الثورة مثلي، ليسوا على القدر الذي كنت أتخيله من السوء”.

عبر هذا العام، قرر يوسف المشاركة في كل اﻷحداث الكبيرة اﻷخرى كاشتباكات محمد محمود، ثم اعتصام مجلس الوزراء، خلافًا لموقف اﻹخوان. لكن هذا لم يؤثر على انتمائه للتنظيم والتزامه به.

مع بداية عام 2012، تولّى يوسف مسؤولية تنظيمية أكبر داخل جامعته. ومع استعداد اﻹخوان للدخول إلى مسرح الحكم، اتسع فضوله المعرفي ليشمل فروعًا لم يكن قد تطرق إليها من قبل في التاريخ والسياسة الشرعية. “بدأت أقرأ”، يقول لي، لكنه يستدرك: “كل شئ طبعًا كان من وجهة نظر إسلامية”.

يتذكر قرار حزب الحرية والعدالة التابع لجماعة اﻹخوان ترشيح المهندس خيرت الشاطر، نائب مرشد الجماعة، لرئاسة الجمهورية. “اتصل بي أحد اﻹخوان يومها وقال لي إني سأعمل داخل حملة ترشيح خيرت الشاطر، والأمر ده فاجئني”، يقول يوسف. “كنا مستبعدين تمامًا من النقاش. توقعت إن لو الجماعة هتقدم مرشح لرئاسة الجمهورية، على اﻷقل هتستطلع رأي الشباب عمومًا في الخطوة ده. وإحنا كمسؤولين طلابيين نقدر نبقى عينيه على الشباب واتجاهاتهم. ومعنى إن محدش سألني عن رأيي هو إنهم مش مهتمين أصلاً رأي الشباب إيه”.

يضيف يوسف أنه كان يواجه العديد من اﻷزمات حين يتناقض واجبه التنظيمي داخل الجماعة التي تحكم البلاد مع ولاءه للثورة وحبه لها. التزم يوسف بالتكليفات التنظيمية رغم أزمته معها، وشارك جموع شباب اﻹخوان في فض اعتصام المتظاهرين أمام قصر الاتحادية في نهاية 2012. لكنه كان ينتظر من الجماعة في مقابل التزامه أن تتبني إجراءات ما للحفاظ على “ما حققته الثورة من مكاسب”.

طال انتظاره دون جدوى. “بعد أن نجح مرسي في إقالة [المشير] طنطاوي و[الفريق] سامي عنان من قيادة الجيش، أدركت أن هناك بعض اﻷشياء يستطيع مرسي تحقيقها، مش عاجز كما يتم إخبارنا”. لهذا، فإنه على الرغم من تهديد مرسي بأن “اللي هيحط صابعه داخل مصر هقطعه“، إلا أنه، بالنسبة ليوسف، فإن “أي أصابع لم تقطع على اﻹطلاق”.

في العام الدراسي التالي، 2012-2013، أصبح يوسف نائبًا لمسؤول الإخوان في جامعته ثم مسؤولا عن الجامعات الخاصة في قطاعه الجغرافي. عبر الشهور اﻷخيرة من حكم مرسي، راودت يوسف الكثير من الشكوك حول جدوى الاستمرار في عمل تنظيمي بهذا الشكل داخل الجماعة، وهو أمر تسبب في اصطدامه اﻹداري المتكرر بمسؤوليه التنظيميين حسبما أخبرني.

قبل رحيل مرسي بعدة أسابيع، حضر يوسف إحدى جلسات الحكم في قضية قتل المتظاهرين بمدينته. يقول إنه قبل النطق بالحكم التقى بعدد من أهالي شهداء الثورة أمام المحكمة بعد أن منعهم الحرس من دخولها. “الضباط كانوا بيطلعوا لسانهم ﻷهالي الشهداء في المحكمة”، يقول لي.

وبعد الحكم ببراءة جميع الضباط المتهمين وقعت اشتباكات بين اﻷهالي والشرطة أمام المحكمة. “وقفت في صف اﻷهالي واشتبكت مع الشرطة وأنا مش مصدق.. ازاي اللي قتلوا الثوار ياخدوا براءة في عهد مرسي؟”.

في الوقت نفسه، وقبل انطلاق مظاهرات 30 يونيو 2013، بدأ اﻹخوان في تنظيم بعض المظاهرات الاستباقية لدعم وتأييد حكم مرسي واﻹخوان. تعرض يوسف وأحد أصدقائه إلى الاعتداء في واحدة منها. يوضح أن مجموعة من “البلطجية” هم من اعتدوا عليهم وليست قوات الشرطة. “اعتداءات البلطجية متعودين عليها من أيام الثورة”، يقول، “لكن الفترة دي الاعتداء مختلف”. يوضح يوسف أن اعتداءات البلطجية على المظاهرات تكون في العادة مدفوعة من الشرطة، وهي اعتداءات تمارس في العادة دون تحيزات سياسية لهؤلاء “البلطجية”. “لكن اﻷمر هذه المرة كان مختلفًا. البلطجية، ﻷول مرة، أصبح لهم تحيز سياسي واضح. “بيعتدوا علينا ﻷن لهم تحيز سياسي وليس فقط ﻷنهم مدفوعين من أحد”.

قرر يوسف خلال هذه اﻷسابيع للمرة اﻷولى أنه وإخوانه يحتاجون لطريقة مختلفة للتعامل مع هؤلاء البلطجية، وأنهم لا يمكنهم السكوت على هذه الاعتداءات المتكررة. اتفق مع مجموعة من اﻷصدقاء على أنه لابد من الاستعداد لمواجهة الاعتداءات. “ده كان قرار فردي مننا، لكن بالتوازي، اﻹخوان بدأوا يعملوا لجان الردع”.

تشكلت لجان الردع بتكليف تنظيمي بعد تكرار حوادث الاعتداء على مظاهرات اﻹخوان، وهي لجان معتادة موازية نشاطات الجماعة الجماهيرية عبر تاريخها. في العادة، تنشط هذه اللجان خلال مسيرات الطلبة بالجامعات وأثناء المؤتمرات والفاعليات الانتخابية، ويتصف أعضاءها في الغالب بقدرتهم البدنية وحماسهم التنظيمي. تختص لجان الردع بأمور الحماية والدفاع البدني وتنسيق تحرك التجمعات، لكن عملها هذه المرة كان مختلفاً. لجان الردع هذه قد تحتاج، في ظل هذا المناخ الشعبي والرسمي المعادي، إلى ما هو أكثر من قدرتها البدنية على مواجهة هجوم البلطجية واعتداءات قوات الشرطة على تظاهراتهم. “هل نحتاج إلى بعض اﻷدوات، وربما اﻷسلحة؟ هذا السؤال تداوله بعض الشباب داخل الجماعة عبر أحاديثهم الفردية”، يقول يوسف.

في 3 يوليو 2013، يوم عزل مرسي، توجه يوسف إلى اعتصام رابعة. “رابعة كانت شبه مدينة فاضلة”، يتذكر يوسف، “مكنش اعتصام سياسي، كان اعتصام ديني في المقام اﻷول”. وعلى الرغم من أن الاعتصام كان يمثل له “بقعة كبيرة من الطهر” حيث “يمكنك أن تنسى متعلقاتك في أي مكان وأنت مطمئن أنها لن تسرق”، إلا أن أداء المنصة هناك لم يكن يعجبه. “تم تسليم المنصة لغير السياسيين وهو ما أدى إلى غياب خط سياسي للاعتصام وتحوله إلى مهرجان ديني كبير يشمل أطراف عديدة متفقة على ضرورة حماية الشرعية المتمثلة في عودة مرسي إلى الحكم” لكنهم يختلفون كثيرًا في أسبابهم ودوافعهم.

فبالنسبة لتنظيم اﻹخوان، وحسبما أخبرني مصدر مقرب من مكتب اﻹرشاد وقتها رفض نشر اسمه، فإن مجلس شورى الجماعة قام بعقد اجتماعين وقت الاعتصام لمناقشة وضع الجماعة في حالة تعرض الاعتصام للفض وقيادات الجماعة للاعتقال. انتهى هذان الاجتماعان إلى اختيار لجنة لـ”إدارة اﻷزمة” والحفاظ على التنظيم وقتها.

وبعد أحداث الحرس الجمهوري في 8 يوليو 2013، والتي سقط فيها 51 قتيلًا من متظاهري اﻹسلاميين طبقًا لتقرير الطب الشرعي، بدأت مناقشات تدور داخل التنظيم بين بعض دوائر قيادات اﻹخوان العليا والمتوسطة حول “السلمية” و”العنف”، لكن المصدر نفسه يقول إن هذه النقاشات ظلت خافتة ولم ترق لتصبح خياراً تنظيمياً بشكل عام.

غير أن اﻹخوان لم يكونوا وحيدين في اعتصام رابعة. فباﻹضافة إلى بعض أجنحة السلفيين، ومتعاطفين إسلاميين آخرين، تواجدت مجموعة كبيرة من الجهاديين الذين كانوا قد قضوا سنوات كثيرة في السجون وتم إطلاق سراحهم في فترة حكم المجلس العسكري بعد الثورة. يقول يوسف إنه قضى وقتاً طويلاً أثناء مشاركته في الاعتصام في مقابلة هؤلاء الجهاديين على اختلاف انتماءاتهم. تعرف عليهم، وسمع حكايات كثيرة عن سنوات اعتقالهم. “كانوا أكتر ناس عندهم استعداد يموتوا في الاعتصام، مفيش عندهم أي أهداف وتطلعات سياسية”، يخبرني موضحًا أن “كل اللي كنت بسمعه منهم إنهم مش عايزين يرجعوا السجن. اللي كانوا متفقين عليه كلهم هو إنهم ممكن يموتوا هنا بس ميرجعوش السجن”.

انتهت مدينتهم الفاضلة بالفض بينما يقبع يوسف في غرفة العمليات. في أسابيع النقاهة التالية، وجد يوسف الفرصة للبحث عن إجابات للأسئلة التي تشغله حول العمل التنظيمي. قرأ كتاب “حرب العصابات” لتشي جيفارا، وكتاب “الحرب القذرة” عن تجربة اﻹسلاميين في الجزائر في أواخر الثمانينيات، وعرف أكثر عن أسامة بن لادن وتنظيمه، العمل المسلح هو ما كان يشغله وقتها.

بعد انتهاء فترة النقاهة، عاد يوسف لممارسة نشاطاته. تنظيميًا، بدأ في الاستعداد للعام الدراسي اﻷول بعد “اﻹنقلاب”، لكن دوره التنظيمي لم يكن كافيًا بالنسبة له. وعبر مواجهات متكررة مع البلطجية وقوات اﻷمن، تعرف يوسف على مجموعات مختلفة من الشباب، بعضهم من أعضاء الجماعة وبعضهم من خارجها، شاركوه نفس اﻷزمات، وتوصلت عقولهم إلى ضرورة نفس الحل: الاكتفاء بالمسيرات التي تطوف الشوارع لن يؤدي إلا إلى التنكيل بها، و”مقاومة القوة غير ممكنة إلا بالقوة”.

كانت هذه بداية مرحلة جديدة بالنسبة له. مع بداية العام، قرر يوسف ترك تنظيم اﻹخوان وبدأ مع أحد رفاقه في تأسيس نواة لمجموعة جديدة تضطلع بمهام مختلفة تتناسب مع طبيعة المرحلة كما يرونها. استخدموا أسماء مستعارة، وأجهزة تليفونية وخطوط محمول جديدة بدأوا يعرفون مع الوقت كيف يستخدمونها بطريقة أكثر أمانًا. اتفقا على طرق التواصل ورموز الكلام. تعلما إشارة مورس، وهي طريقة تواصل بدائية لابد أنها أثارت خياله من كتاب جيفارا، وقاما معاً بتحديد قائمة بأشخاص لتجنيدهم لمجموعتهم الجديدة.

بدأت المجموعة، حسبما يروي، في مرحلة ما أسماه بـ “الاستطلاع وجمع المعلومات” دون أي نشاط آخر، وهي معلومات تتعلق بضباط الشرطة بشكل أساسي، باﻹضافة إلى زعماء مجموعات البلطجية التي اعتادت الهجوم على مظاهرات اﻹخوان.

يضيف يوسف أنهما تمكنا من إصدار بطاقات شخصية بهويات جديدة لهما بعد دفع عدد من الرشاوى. تعلم يوسف كل ما أتيح له عن كاميرات المراقبة وأنواعها وكيفية التعامل معها. بدأ يعرف أنواع السلاح وأماكن شرائه وتكلفته. وحين احتاجا إلى بعض التدريب على استخدامه، توجها إلى صحراء الفيوم.

بدأت المجموعة في ضم عضويات جديدة إليها: خليط من شباب اﻹسلاميين الغاضبين في بداية اﻷمر، انضم لهم لاحقًا بعض الشباب العائد من سوريا ﻷسباب مختلفة أو أولئك الذين فشلوا في الذهاب إليها للحاق بـ”الجهاد” هناك، وهو النمط الذي تكرر في قضايا أخرى أبرزها على سبيل المثال بعض شباب خلية عرب شركس باﻹضافة إلى قضايا ما عرف باسم “العائدون من داعش“.

مع اتساع العضوية، انقسمت المجموعة إلى لجان صغيرة متخصصة، واقتصر عملها في تلك المرحلة على معرفة طرق صنع العبوات الناسفة واستخدام السلاح بأنواعه. يخبرني يوسف أن “كل ما تحتاج لمعرفته موجود على يوتيوب”. يتذكر على سبيل المثال تلك المشكلة التي واجهتهم مع سلك التنجستين في إحدى دوائر التفجير التي كانوا يصنعونها، وكيف تغلبوا عليها، وعن المرة التي قرأوا فيها عن مادة اسمها بيروكسيد اﻷسيتون وكيف تعلموا معالجة بعض اﻷسمدة الزراعية كيميائيًا للحصول عليها.

بدأت المجموعة في زرع العبوات الناسفة. بمرور الوقت، تطورت كفاءة هذه العبوات وأصبحت لها قدرات تفجيرية أكبر. يقول يوسف إنهم في يوم واحد قاموا بزرع أكثر من 25 عبوة ناسفة في مناطق مختلفة لتشتيت انتباه الشرطة وإنهاك قواها.

وطبقًا للتقرير السنوي الذي تصدره مؤسسة التحرير لسياسات الشرق اﻷوسط بواشنطن عن الوضع اﻷمني في مصر، فإنه في الفترة ما بين يوليو 2013 وديسمبر 2014 بلغت نسبة العمليات الموجهة ضد أفراد قوات اﻷمن 71% من مجموع العمليات، أكثر من نصفها تم عبر إطلاق الرصاص، بينما شكلت القنابل والعبوات بدائية الصنع ما يقرب من 20% منها.

لكن الاعتداء على الشرطة لم يكن الهدف الوحيد. “في بعض اﻷحيان، كنت أتسلى”، يستطرد يوسف. “في إحدى المرات، قررت تركيب عبوة ناسفة، حملتها وقمت بزراعتها في مكان ما. اتصلت بالشرطة ﻷبلغهم بمكان العبوة الناسفة، وذهبت إلى مطعم قريب لتناول العشاء بينما أشاهد قوات اﻷمن تنهمك في تفكيكها”.

بالنسبة للتمويل، اعتمدت المجموعة، بحسب يوسف، على أموال أعضائها الشخصية بشكل أساسي. يذكر يوسف أن عددا من طلاب الجامعات الخاصة قرروا عدم دفع مصاريف كلياتهم لاستخدامها في شراء أسلحة ومواد أولية. يخبرني أنهم “كانوا مؤمنين أن مصيرهم القتل أو السجن، لذلك لم تكن مسألة دفع مصاريف الكلية أزمة كبيرة”. يقول يوسف أيضاً إنهم في أحيان كثيرة كانت تأتيهم تبرعات من مجهولين عبر مجموعة من الوسطاء. “في بعض اﻷحيان، كانت التبرعات دي تأتي مشروطة بطريقة استخدامها”.

إلى جانب المتفجرات، قامت المجموعة ببعض العمليات اﻹنتقامية ضد البلطجية. يحكي لي أنهم في إحدى المرات قاموا بنصب كمين على طريق سريع ﻷحد البلطجية الذين “اعتادوا الاعتداء جنسيًا وبدنيًا على اﻷخوات في مظاهراتهم” حسبما يدعي. “انهلنا عليه باﻷسلحة البيضاء، كنا حريصين على ألا يموت لكن لم نترك أي جزء منه دون إصابة. بعدما انتهينا منه، تركناه ممدد على الطريق وانصرفنا”.

لكن هذه المجموعة لم تكن الوحيدة. على نفس النمط، نشأت مجموعات صغيرة بمبادرات فردية مشابهة تتبنى العنف كخيار بديل. “فيه لجان تانية شغالة منعرفش هم مين لكن عارفين إنهم موجودين”، يوضح يوسف مضيفاً أن مجموعتهم وفرت دعما لوجيستيًا وتدريبيًا لبعض المجموعات الشبابية اﻷخرى. “عشان كده لما حد من الشرطة يتقتل أو أي حاجة بتحصل كلنا كنا بنختفي”.

لكن هذه “اللجان النوعية” لم تتشكل حصرًا عبر مبادرات فردية. في مقابلة تليفزيونية له مع تليفزيون العربي في أغسطس الماضي، صرح عمرو دراج، وزير التخطيط والتعاون الدولي في حكومة اﻹخوان ومسؤول ملف المفاوضات بعد فض الاعتصام، بأن حالة السيولة التي تسيطر على المشهد هي ما يدفع الشباب للعنف. بالنسبة إليه، فإنه لا يمكن منع عنف الشباب ﻷنه يستخدم حقه الشرعي في الدفاع عن نفسه، لكن في الوقت ذاته لا يمكن أن يتم تحويله إلى عمل مؤسسي ﻷن التنظيم يريد أن “يحافظ على المسار السلمي للثورة” ﻷنه “لا أحد يريد أن نصبح مثل سوريا”.

يبدو هذا الموقف المتردد في التعامل مع فكرة العنف هو السمة اﻷساسية لموقف الجماعة منذ فض الاعتصام. فمع بداية تأسيس لجان الردع، حاولت قيادة اﻹخوان أن تظل هذه اللجان تحت سيطرتها طوال الوقت، خصوصًا بعد تصريح بعض اﻷعضاء أو تلميحهم إلى ضرورة الخروج مزودين بالحد اﻷدنى من التسليح لمواجهة البلطجية، وتطور اﻷمر إلى مبادرة بعض اﻷفراد بحمل سلاح أبيض وبنادق خرطوش.

يخبرني يوسف أن قيادة الجماعة لم تتهاون وقتها مع أفراد لجان الردع الذين دفعهم حماسهم وغضبهم لاتخاذ ردود فعل أكثر عنفاً مما يتحمله موقف الجماعة السياسي وقتها، وقامت بطرد هؤلاء اﻷعضاء من لجانها. لكن هذه السيطرة التنظيمية لم تصمد طويلًا.

فمع غياب أي أفق للوصول إلى حل سياسي للأزمة وفقدان السيطرة المركزية على التنظيم، انتقل نقاش العنف ليطال لجنة إدارة اﻷزمة نفسها.

ظهرت بوادر الخلاف داخل اللجنة للمرة اﻷولى، حسبما أخبرتني مصادر مختلفة مقربة من قيادات الجماعة واﻷزمة داخلها، في منتصف عام 2014، وكان يدور حول تعريف “سلمية المنهج الثوري”، وهو الخلاف الذي تطور خلال العام التالي ليهدد الهيكل التنظيمي للجماعة نفسها بالانقسام.

يرى الجناح اﻷول، وهو الجناح المحسوب على قيادات الجماعة الكلاسيكية أن السلمية هي الالتزام الكامل بعدم ممارسة أي شكل من أشكال العنف مهما كانت درجته. لكن الجناح الثاني، أصحاب ما يسمونه بـ “المنهج الثوري المبدع”، يحمل تعريفًا آخر: السلمية هي ما دون القتل. وبالتالي، تصبح كل عمليات الاعتداء على المنشآت وحرق السيارات وتدمير المرافق جائزة.

ومع بداية الخلاف، جرى استخدام مصطلح “اللجان النوعية” للمرة اﻷولى في بيانات وزارة الداخلية وما تنشره الصحف المصرية لوصف مجموعات العنف خارج سيناء (أرشيف صحيفتي المصري اليوم واليوم السابع على سبيل المثال)، وأصبحت “اللجان النوعية” حاضرًا أساسيًا في اﻷخبار اليومية.

بحلول نهاية العام، تطور الخلاف داخل اللجنة ليصبح انقسامًا بدأت الصحف ووسائل اﻹعلام تتداول أخباره. بسبب هذا الانقسام، حاول كل طرف من اﻷطراف فرض رؤيته على القطاعات الجغرافية واللجان التي كان يسيطر عليها مسبقًا. صمم أصحاب الجناح اﻷول على سلمية الثورة المطلقة، وتمكنوا من إخماد اﻷصوات الداعية لتحويل لجان الردع إلى “لجان نوعية” في المحافظات والمناطق الواقعة تحت سيطرتهم.

لكن الجناح الثاني تمكن، حسبما أفاد مصدر مقرب محسوب على قيادات الجماعة الكلاسيكية، من فرض رؤيته على القطاعات والمحافظات التي كانوا يسيطرون عليها في محافظات شمال الصعيد. لهذا، تحولت بعض لجان الردع إلى لجان للعمليات النوعية تنشط بشكل أساسي في محافظات شمال الصعيد كالفيوم وبني سويف والجيزة، وتلقى دعمها التنظيمي من بعض قيادات الجماعة.

في يناير 2015، دعا ثلاثة من أعضاء لجنة إدارة اﻷزمة إلى اجتماع لمناقشة سيناريوهات الذكرى الرابعة للثورة في 25 يناير، طبقًا ﻷحد القيادات الشبابية السابقة في الجماعة والمقرب من بعض أقطاب اﻷزمة، أقروا فيه أهمية تحول الجماعة لاستخدام العنف كخيار استراتيجي، وقاموا باعتماد لجنتين جديدتين هما لجنة العقاب الثوري، وجبهة المقاومة الشعبية. حسب روايته، فإن الداعين للاجتماع تعمدوا عدم دعوة اﻷطراف المناهضة للعنف، لكن المصدر السابق ومصدر القيادات الكلاسيكية أكدا أن مجال سيطرة وتأثير قيادات العنف كان ينحصر في محافظتي الفيوم وبني سويف، ثم الجيزة والبحيرة بدرجة أقل.

لم يتسن لنا التأكد من مصدر مستقل من معلومة انعقاد الاجتماع وما دار فيه، إلا أنه وطبقًا للتقرير السابق من مؤسسة التحرير، فإنه مع بداية العام 2015، شهدت محافظتا الفيوم وبني سويف “ارتفاعًا حادًا في معدل الهجمات”، أرجعه التقرير إلى جبهة المقاومة الشعبية التي تأسست في 24 يناير 2015، قبل ذكرى الثورة بيوم.

لكن خيارات اﻹخوان فيما يتعلق بالعنف لم تعد تهم يوسف في شئ. وقبل نهاية العام 2014، اتخذت مجموعتهم قراراً بالتخصص في عمليات اغتيال لقائمة من ضباط وأفراد الشرطة والتوقف عن أي نشاطات أخرى. يقول يوسف إنهم حين بدأوا في مناقشة التحول لتصفية ضباط شرطة، قرروا أنهم لابد أن يبحثوا عن تأصيل فقهي لنشاطهم الجديد قبل الشروع فيه. “ولا تزر وازرة وزر أخرى”، يوضح مقتبسًا من القرآن. يشير إلى أنهم قاموا بالاعتماد على مجموعة من أربعة علماء دين تتنوع خلفياتهم: أحدهم من الإخوان وآخر سلفي باﻹضافة إلى أزهري وصوفي، ويختصون بوضع ضوابط عامة لجعل قائمة الضباط المستهدفة “أكثر إحكاماً وتوافقاً مع الشرع” من وجهة نظره.

غير أن الوقت لم يمهلهم للبدء في تنفيذ خطتهم. فبعد شهرين، ألقت قوات اﻷمن القبض على يوسف ومجموعة أخرى من رفاقه نتيجة خطأ أمني ارتكبه أحدهم أدى إلى سقوط عدة أفراد من خلايا مختلفة في يوم واحد.

طبقًا لروايته، فإنه تعرض لتعذيب شديد استمر لمدة ثلاثة أيام متواصلة بعد القبض عليه. يخبرني عن التعذيب بالكهرباء بدرجاته المختلفة بداية من استخدام الصاعق الكهربائي والسلك الكهربائي والمقابض التي يتم تعليقها في أماكن مختلفة. يشير إلى ذراعه، حرق يشمل الجزء اﻷكبر منه، ويخبرني أن الحرق بسبب تغطية ذراعه بالجير الحي ورشه بالماء، وهو ما يتسبب في إنتاج حرارة هائلة. يتذكر تسخين الصفائح المعدنية على جلده، لكنه يستدرك “كل طرق التعذيب مؤلمة، لكن شيئاً لا يضاهي أن يتم تعليقك”. يقول يوسف إنه تعرض للتعليق من ذراعيه من الخلف، وهو ما تسبب بعد وقت قليل، حسبما يروي، في خلع كتفه. “ساعتها، أوشكت على فقدان الوعي، لم أشعر في حياتي بألم يضاهي هذا اﻷلم”.

يقول يوسف إنه أحس أن التعذيب الذي يواجهه لا يستهدف إجباره على اﻹفصاح عن معلومات بقدر ما كان يستهدف إنهاكه. “ماراثون”، هكذا يصفه، “خلاني أشوف عالم تاني مكنتش متخيل قبل كده إنه موجود رغم كل اللي عملته”.

قضى يوسف مدة صغيرة للغاية قبل أن يطلق سراحه مع آخرين لعدم كفاية اﻷدلة. ورغم أنه يشعر بالامتنان الداخلي الشديد، إلا أنه يراوده القلق على رفاقه الذين أحيلوا إلى المحاكمة.

يعترض على وصفي لهم بـ”اﻹرهابيين”، ويصر على لفظ “المقاومة” بديلًا عن “اﻹرهاب”. يرى يوسف أن الفارق بين المفهومين هو أن المقاومة تقتصر على الرد، بينما يشير اﻹرهاب إلى فعل المبادرة. بالنسبة إليه، يعني هذا أن المقاوم لا “يسرف” في سفك الدماء، ويقتل فقط “من يعرف على سبيل اليقين أنه يستحق القتل”.

“لهذا تجد الفارق كبيراً بين خطاب المقاومة وخطاب اﻹرهاب”، يضيف يوسف، “الخطاب اﻹرهابي يصف الشرطة بالـ”مرتدين” والـ”كفار” بينما يصفهم المقاومون بـ “شرطة كامب ديفيد” و”كلاب الداخلية”.. منقدرش نقول عليهم كفار”.

أسأله إذا كانت هذه الفروق كافية حقاً بالنسبة له لتبرير سفك دماء أخرى. يفكر قليلًا ثم يجيبني أن “اﻷمر ليس سهلاً طبعاً. كل شئ بيتغير حين تلوث يديك بدماء شخص آخر”.

يستدرك: “على فكرة، أنا شاب عادي. كان نفسي آخد كورسات، واشتري هدومي من brands، وأروح اعمل سفاري”. أتذكر ذلك الموقف الذي أخبرني به عن المرة التي بادر فيها بفتح حديث مع إحدى “اﻷخوات” في تحدٍ ﻷصول وقواعد التعامل بين الجنسين التي تقرها الجماعة. كان يشرح لي كيف أن هذه القواعد “الوهمية المحافظة” تتسبب في عرقلة سير نشاطهم، لكن نغمة حديثه كانت تمتلئ بشئ أكثر بشرية من مجرد حديث “اﻷخ التنظيمي” مع “اﻷخت التنظيمية”، لا يمكنك أن تخطئ بذور الشبق واللهفة لحديث “الذكر” مع “اﻷنثى”. هناك أشياء لم تمت بعد بداخله.

يضيف يوسف أنه لم يكن يحمل بداخله مسبقاً كل هذا القدر من العنف، لكن “الجهادي بقى جهادي عشان محدش بيسمعه. بيبدأ صغير وبعدين بيتطور في العنف”. هذا هو سبب قلقه على أصدقائه: “المزيد من التجاهل، والمزيد من التعذيب لن يخرج سوى أشخاص مات بداخلهم كل شئ”. يبدأون في التحول إلى إرهابيين حقيقيين: “بيكتفوا من الدين باستلهام القصص البطولية للصحابة في مجاهدة الكفار. يمتلأون سواداً”. يصفهم بـ”الشباب الذين لا يصلون سوى صلاة الفجر”. أبتسم حين أتذكر أننا سمعنا أذان المغرب ولم يتحرك حتى فاتته الصلاة.

بالنسبة للمشهد الحالي، يرى يوسف أنه لابد من حل سياسي، لكنه يرى أن هذا الحل السياسي لن يأتي دون تحول تنظيم بحجم اﻹخوان كاملاً إلى “المقاومة”. يضيف أن نشاط المجموعات النوعية الصغيرة التي تعتمد على مبادرات فردية أو شبه فردية يجعلهم معرضين للقتل أو الاعتقال دون فائدة حقيقية يمكن انتظارها من أعمال عنيفة صغيرة متفرقة.

أسأله في نهاية مقابلتنا عما ينتوي فعله اﻵن فيجيب أنه يحاول السفر إلى سوريا موضحاً أنه لا يريد الانضمام إلى داعش، “عايز أروح لتنظيم أحرار الشام”.

لماذا سوريا؟ هل ﻷن العدو هناك واضح على عكس الوضع في مصر؟ يجيب أن سوريا بالنسبة إليه أقرب إلى الهجرة منها إلى الجهاد. “لم أعد أصلح لشئ سوى هذا. ممكن أعيش سعيد هناك”.

 
اعلان
 
 
محمد حمامة