Define your generation here. Generation What
كتابة المستحيل في غزة: حياة معلّقة
 
 

قد تكون أكبر التحديات التي تواجه الكتاب الفلسطينيين هي كتابة نص يعكس بصدق وقائع الأعوام السبعين الماضية وفي نفس الوقت يوضح أن حياة الإنسان الفلسطيني لا تقتصر فقط على روايات القهر الرهيب. ذلك أن الإصرار على تعقيد وفاعلية الحياة وسط الظلم، وفي الوقت ذاته المطالبة بما يطالب به كل الآخرين هو أيضا صفة من صفات المقاومة.

النكبة في عام 1948 مع ما شملته من نزوح جماعي للفلسطينيين من يافا وحيفا والقدس هي نقطة البداية في رواية عاطف أبو سيف الخامسة ذات الأربعمائة صفحة حياة معلقة” والمرشحة هذا العام للجائزة العالمية للرواية العربية.

على نهج الكثير من أدبيات المقاومة الفلسطينية، كما أصبح يطلق عليها منذ نكبة 1948 وهزيمة 1967، يروي أبو سيف روايات ثلاثة أجيال من اللاجئين في مخيم خيالي في غزة،  وصولا إلى تثبيت سلطة حماس ونتائجه الحالية، وفيها ينتهج أبو سيف الأسلوب التقليدي للرواية (فلا نجد أياً من الميول الروائية ما بعد الحداثية مثلما في رواية جبرا إبراهيم جبرا البحث عن وليد مسعود) رغم طموحه لأن يدفع الرواية فيما يتجاوز وصف فظائع الاحتلال نحو أنسنة شخصياته من خلال حياتهم وأفكارهم البسيطة اليومية. ليس هذا بالأمر اليسير.

نعيم، أحد الشخصيات الرئيسية في الرواية، يمتلك مطبعة صغيرة ويعيش على تل صغير في المخيم.  إنه شخصية مثل كثيرين غيره عاشوا النكبة: تمكنت والدته بالكاد من الهروب من يافا، وهو استطاع بالكاد أن يهرب إلى غزة بعد عام 1967، وإخوته وأخواته مشتتون في مختلف أنحاء العالم. أما عن أبنائه، فأحدهم معتقل، والثاني متزوج ومستقر في الخليج، والثالث يدرس في فلورنسا، بينما لازالت ابنته الصغرى تعيش معه.

يكتب أبو سيف بتجهم واصفاً طبيعة الشتات في حياة اللاجئين: “أبناء نعيم يعيشون تكراراً مملا لحياته، يعيدون إنتاج رحلته ويمرون بنفس الشتات”.

لكن نعيم يُغتال فجأة بأيدي قوات الاحتلال- “هذه الوخزة الخفيفة قضت على مصدر الحياة وأغلقت كتابه وسرقت النور من وجه نعيم المليء بالحيوية”- ومن ثم يبدأ طوفان من الذكريات، إذ يشرع كل من في المخيم في تذكر كيف وصل بهم الحال إلى هناك وتفاصيل علاقتهم بنعيم.

هذا الجزء من الرواية يتضمن نسيجا مذهلا من الجغرافيا والحكايات: فبينما يسلكون طريقهم خلال مناطق فلسطين المختلفة تروي هذه الشخصيات تاريخ حياتهم لتصطدم بواقع الاحتلال الحالي. الحاج خليل، جار يكتنفه الغموض، كان أول من استقر على التل وأقام لنفسه بيتا وحديقة ليربي فيها الماعز. عم يوسف تاجر يعيل أسرته من خلال محل بقالة صغير. وفي الجيل الأصغر يكسب مصور صحفي عيشه من خلال تسجيل “الأخبار الساخنة” في غزة، على حين تضيع حياة ابن شقيق نعيم بين السجون والنضال من أجل القضية.

ينقطع هذا التسلسل السلس فجأة بعودة سليم، ابن نعيم، من فلورنسا، فيحتل المشهد وعلى مدى مائة صفحة تقريبا نتابع مغامراته الرومانسية العاطفية الصبيانية، يكتبها أبو سيف بأسلوب مخيف، حيث تستبدل اللغة المتأملة المتوازنة باستعارات غريبة ونمطية، وجمل تجمع ما بين الجفاء والتفاهة: “الشيء نفسه لازال يسكنها، مثل جنين ما زال يصارع من أجل البقاء في رحم الزمن”، و”من الربيع، ورماد النسيان وقسوة الماضي وتأوهات الهجر، بزغ الحب من جديد”. يتعثر  المسار ونضيع  في تشابكات لا نهائية مع نساء يلقين بأنفسهن عند أقدام سليم، جارته، زميلة أسبانية، زميلة ايطالية، وذلك كله رغم أنانيته الواضحة وضعف شخصيته وقلة حيلته.

في النهاية نعود مرة أخرى إلى المخيم، حيث ينخرط أبو سيف في انتقاد النفاق الأخلاقي للعديدين من سياسيي حماس، الذين يخفون ميولهم النيوليبرالية الأصيلة وراء واجهة دينية كاذبة.

صبحي، شخصية محورية تمثل وزير الداخلية وبطل مقاومة سابق، يقول لسكان المخيم إن الحكومة قررت “تنمية” التل، وسوف تزال المباني القائمة (ومن بينها منزلا نعيم والحاج خليل) لبناء مسجد ضخم وقسم شرطة ومركز تسوق (الثلاثي النيوليبرالي الإسلامي). ثم يتضح أن هذا الاهتمام المفاجئ بالأرض هو من بنات أفكار صبحي وخميس (ابن عم يوسف والذي أصبح رجل أعمال فاسد وداهية جمع ثروة طائلة من حفر الأنفاق إلى مصر).  يوضح رد فعل سكان المخيم أن التل، الذي كان في السابق موقعا لمعسكر انجليزي ثم إسرائيلي، قد شهد الكثير من أعمال المقاومة، ومن ثم فأهميته ليست في قيمته العقارية وإنما في رمزيته التاريخية.

ورغم أن مقاومة السكان لا تثمر عن نتائج، بل تنتهي الرواية بجنازة أخرى، إلا أن الشخصيات تبدو هذه المرة وكأنها على شفا تغيير عميق. فالأجيال التي شهدت المآسي الكبرى في  1948 و1967 تذهب، والأجيال التي شهدت الانتفاضة الأولى في عام 1987 تبلغ منتصف العمر، على حين تكبر أجيال جديدة في سياق آخر، حيث المخاطر أكبر، ولكن الأسئلة أيضا أكثر، وتُطرح اليوم بشكل مختلف.  نسمع الحوارات الداخلية ذاتها لجنازة نعيم، لكنها هذه المرة تشمل أسئلة أكثر وجودية عن مستقبل غزة والشباب المختنق بالحصار وحكومتها الفاسدة وحواجزها القاسية، وتحاول أن تتجاوزها كلها.

أبو سيف، الذي ولد عام 1973 وهو أيضا ابن المخيم ومقيم في غزة، يحاول بهذه الرواية أن ينجز مهمة مرهقة ومزدوجة: أن يكتب عن تاريخ الشتات الفلسطيني ومآسي الاحتلال الإسرائيلي وفي نفس الوقت يؤلف رواية مثيرة للاهتمام.

وعلى حين نجح في انجاز المهمة الأولى، فإن محاولاته بشأن الثانية تراوحت في درجات نجاحها. فهو يجهد نفسه لخلق شخصيات مركبة تتجاوز الصورة النمطية لللاجئ الفلسطيني كمحارب من أجل الحرية مقتول أو معتقل. إنه يشرع في مشروع واعد: يحاول أن يصور الحياة الداخلية- مهما كانت بسيطة أو سطحية- في الوقت الراهن، في ظل الحصار وعقود طويلة من حياة اللجوء. إلا أن  أسلوب السرد الضعيف للرواية التي يطغى عليها في أحيان إيقاع هابط وجمل نمطية وتكوين سطحي للشخصيات، كلها تحول دون أن تمثل “حياة معلقة” سابقة فارقة في الأدب الفلسطيني.

مع ذلك فإن ما تمنحه لنا الرواية هو أن اللاجئين ليسوا مجرد أرقام، وأن شواطئ غزة الجميلة أنقذتها من اليأس الكامل، وأن بالإمكان نقل قصص الصدمة والفقدان بطرق غاية في الرقة والقوة.

اعلان
 
 
إسماعيل فايد