Define your generation here. Generation What

مصر جميلة

الوطن

منذ كنّا صغارا نصطف في طوابير الصباح، نتخذ وضع الثبات بأعين منتفخة من قلة النوم، يقول الفتى المختار من قبل المدير إن “الله أكبر” وإن “تحيا جمهورية مصر العربية”، في الخلفية يهدر صوت التلاميذ مرددين تحية الخالق والعلم ثلاث مرات، ثم يُعزف النشيد الوطني، تقرع الطبول، ويدلف التلاميذ إلى فصولهم، في مشهد ظنّ القائمون على البلد أنّه يزرع في نفوس الصغار معنى الانتماء، الشعور بمصر يبدأ من تحية العلم واحترامه. يرفرف العلم في ساحة المدرسة ولا يشغل الطلاب إلا عدد المدرسين الغائبين واحتمالية لعب الكرة في حصّة الألعاب. عندما أفكّر في الوطن بالمعنى الواسع للكلمة، أجده في الأشخاص أكثر من الأماكن، في غرفتي الصغيرة ببلدتي في الصعيد، صوت جدي المتهدّج عندما تقدّم في العمر، العودة إلى زوجتي بعد عملٍ مرهق، الإحساس بتغيير وضع سىء للأفضل، خروج معتقل ظلماً، سماع حفلة أم كلثوم مع والدي.

هناك قائمة، اتخذّت شعاراً لها في الإعلانات على الكباري وفي الشاشات مفاده أنها “القائمة الوطنية لبرلمان 2015”. من الذي صك لهم حمل معنى كبير كالوطن في شعار للبرلمان؟ متى كان للساسة أو السياسيين دور في صياغة أفكار الانتماء بالنسبة للمصريين،؟هل يعيد صوت الهتاف “الشعب يريد إسقاط النظام” في يناير أو “عيش حرية عدالة اجتماعية” الإحساس الحقيقي بمعنى دور السياسة في التعبير عن الانتماء؟ أم أن ابتسامة مارجريت عازر ومصطفى بكري الموحية بأن المستقبل للوطن السعيد من خلالهم كفيلة بذلك؟ أعادت ثورة يناير لجيلنا ثنائية الوطن والسياسة، ثم تلاشت مفاهيم الانتماء، حين تلاشت الثورة، وبدأت من جديد أرقام الشباب الراغبين في السفر للخارج في الازدياد، بعد أن أصبحت نوستالجيا الأهل وونس الأصدقاء غير كافيين للشعور بالوطن. عندما قال غسان كنفاني جملته الشهيرة: “أتعرفين ما الوطن يا صفيّة؟.. الوطن هو ألا يحدث ذلك كلّه” كان يرسّخ لحالتنا باقتدار.

الصحة

نتخّذ في مورثونا الشعبي ما يثبت في الذهن أولوية هذا الشعب. ما أن تقابل أحدهم حتى تبادره “ازيّ الصحة؟” ربما كان الدافع المستتر خلف السؤال الروتيني هو الاهتمام المبالغ به بصحة المصريين، كما في العالم كلّه، حيث تسعى الدول ذات الاحترام والرفاهية إلى كفالة تأمين صحي مناسب لذويها. كنت أتحدّث مع صديقي طبيب الأشعة الشاب عن عمله في المستشفى الحكومي، أجابني أنّه بخير حال، يذهب في الصباح، يلتهم شطائر الفول والطعمية، يحتسي الشاي، يقلّب في فيسبوك، حتى تنتهي نوبته، ثم ينطلق لعمله الخاص. توقعت أن السبب كامن في غياب المرضى، لكن العلّة كانت في غياب أجهزة الأشعة في المستشفى .اثنان من الأطباء ومثلهما من الفنيين وعامل في إدارة ينالون مرتباتهم في الشهر التي تصل لعشرين ألف من الجنيهات، أي نحو ربع مليون سنوياً، في الهواء. في المقابل يخبرني مصدر من داخل مستشفى الضبعة، المفتتحة منذ خمسة أشهر بأجهزة على أحدث صيحات الطب، أن ملايين الجنيهات أنفقت على إعداد عناية خاصة للقلب لم يدخلها مريض واحد منذ الافتتاح، ولا يوجد بالمستشفى نواب أو أخصائيون، وأن سبع حضانات للأطفال في المستشفى استقبلت خمسة أطفال، بمعدل طفل واحد شهرياً. عرفت أن القائمين على المستشفى، لكي يظهر في بهاء أمام الكاميرات في لحظات قص شريط الانطلاق، استأجروا مرضى.

يطالب الإعلام والمسئولون المصريين بتوفير النفقات وتبرّع رجال الأعمال لكي تنهض مصر. اقرأ تصريح وزير مهمته إرساء العدل يفتي بقدرة المصريين على العيش بزوج جنيهات، أريد أن أسأله “ازي الصحة؟”

القيد

كنت كلما سمعت “آهٍ من قيدك أدمى معصمي” أسرح في ماهية القيد. هل تغلب على القصيدة الرمزية؟ أم أن القيد يمكن أن يكون ثقيلا لدرجة تصل إلى كشط جلد الرسغ؟ يصدمني الحكم بالسجن لأحد عشر عام والضرب بالعصا 99 مرة على مرأى من الناس، والذي أصدرته محكمة إيرانية بحق الشاعرة فاطمة اختصاري والشاعر مهدي موسوي. أغمض عيني، أرى أمامي شاعرًا يسهر الليل، يناجي شيطانه، يقرض بيتاً، يخلق قصيدة، ينام في غبطة من امتلك سر الوجود: الكتابة. يرى إنتاجه عبر الصفحات في كلمات متراقصة، بدلاً من تلقي الدعم، تقول المحكمة الإسلامية بطهران إن القصائد متهمة بـ”تقويض أمن البلاد”، وإن هذه القصائد مليئة بالغموض الذي يشكّل خطرا كبيراً. وأصر المدعي العام في طهران على أن الشعر مقصود به تمرير رسائل سياسية خطيرة، حيث “تكتب شيئا بينما تقصد شيئاً آخر” بحسبه. أعرف أن الأنظمة ذات الفاشية الدينية تكره الإبداع، لكن لهذا الحد؟ أفكّر في أن إدماء المعصم لن يكون إلا بشاعر يُضرب بالعصا أمام جمهور ظنّ أنّه سيصفق له.

أحمد الله وأتوجّه بجزيل الشكر إلى السادة المسئولين في مصر الذين يضعون الإبداع في مصاف الخيال الخالص بعيداً عن مطرقة الرقابة وسندان المحاكمة، ثم يطالعني كالقدر بلا ترتيب خبر ربما لا يفرد له في صحافتنا مساحة شجار سارة طرابيك وضرتها، يذكّر الخبر بالمحاكمة المنظورة للكاتب أحمد ناجي الذي قالت النيابة إن “ما نشره مادة كتابية نفث فيها شهوة فانية ولذة زائلة وأجر عقله وقلمه لتوجه خبيث حمل انتهاكا لحرمة الآداب العامة وحسن الأخلاق والإغراء بالعهر خروجا على عاطفة الحياء”. هل تفشى الحياء في المجتمع لدرجة أن فصلاً من رواية أذاع الشهوة الفانية؟ لماذا لا تستخدم محاكمنا هذه التعبيرات القوية في المحاكمات السياسية المرتقبة؟ ما ساءني ليس ذلك القول الذي لا يختلف كثيراً عن تفكير من حاول أن ينهي حياة نجيب محفوظ لأنّه سمع أنّه يبث الكفر في رواياته. ما أصابني بالقنوط هو تعليق رئيس تحرير جريدة أخبار الأدب المنشور بها النص المحاكم، حيث قال إنه راجع العنوان دون قراءة النص كاملاً وإنه ما كان ليسمح بنشره إذا قرأه تفصيليًا. عندما سئل العالم عصام حجّي مؤخراً في برنامج تليفزيوني عن أكثر ما تحتاجه مصر لمستقبل أفضل أجاب: “مناخ يسمح بحرية الإبداع”.

سياحة

مع اقتراب ذكرى الزواج الأولى فكرنا في السفر إلى قرية تونس بالفيوم، القرية المشهورة بصناعة الفخار ومنح الزوار القدرة على الاستجمام والوصول إلى السلام النفسي عسير التحقق في ظل غرق بلد في ساعة مطر. كنت قد زرت القرية منذ عامين وكانت بديعة في استقبال الناس، وبمرور عابر من خلال مواقع الحجز والتواصل الاجتماعي ستعثر على ما يسر النظر ويشجّع الفؤاد. ذهبنا. البداية كانت في فندق زاد المسافر، الذي يعتمد في غرفه على الجريد والحجارة والغرف البدائية بما يشيع في داخلك الهدوء. قابلت صديقي الذي سبقني للزيارة بيوم، وجدته يغيّر الغرفة. بالسؤال عن السبب، كانت الإجابة إنّه لمح في المساء شيئاً ما يتحرك في سقف الغرفة، عندما دقق النظر كان فأراً، لم يكن لديه مانع من التعايش مع فأر في الغرفة، لكن مرور شبح آخر جعل ترويض النوم والفأر والشبح معلاً أقرب للاستحالة فقرر تغيير الغرفة، أيقنت أن البداية ليست مبشرّة.

ذهبنا من خلال بحث سريع على موقع “بوكينج” إلى قرية سياحية تدعى المندرة تطل على بحيرة قارون، سألنا تليفونيا عن وفرة الطعام، فكان الرد أن كل أنواع الأطعمة موجودة. لا لم تكن الأزمة في أن الطعام لم يكن متوفراً عندما وصلنا للمنتجع المأسوف عليه، لكن في ثعبان وجدته يحرّك لسانه في جزل من سطح بركة الوحل التي احتلت مكان المياه في حمام السباحة. على طريقة محمد هنيدي “قومي بينا نمشي” كان الحل الأمثل لكي نعود للعاصمة الخانقة هو احتفال كفله غداء في مطعم من هؤلاء الذين تدفع فيهم كثيراً لكي تأكل قليلاً. أصحاب الأماكن السياحية في قرية تونس يرددون أن غياب الزوار أدى إلى هجرة غرفهم ما وطأ لخيوط العنكبوت أن تتمكن من أراضيهم المثمرة. أنظر إلى توابع زلزال الطائرة الروسية بمزيد من الرعب من مصير منتجعات شرم الشيخ والغردقة.

إتاوة

تسعى الدولة في الآونة الأخيرة إلى فرض مزيد من الغرامات أو الاستحقاقات على الإجراءات الإدارية. كنت في مجمّع التحرير لكي أختم باسبوري ختماً بيضاوياً يغني عن حمل شهادة الإعفاء من أداء الخدمة العسكرية، فكان الرد بأن ذلك تم إلغائه، ويجب عليّ استخراج جواز سفر جديد. يجول في خاطري سؤال عن جدوى فرض المزيد من النقود حتى في رسوم الزواج والطلاق على شعب يرزح معظمه أسفل خط الفقر، لاسيما أن خطوط المواصلات الرئيسية لا تنقل صورة العشوائيات التي افتضحت في قرية مثل عفونة بعد السيول الأخيرة.

الحقيقة إن كثيرا من أعباء الدولة يكمن في الروتين الذي يعيق أي رغبة في الإصلاح. كان صديقي يخبرني أنني قد أكره مصر بعد زيارة واحدة لمجمّع التحرير لاستخراج أكثر من ورقة، لا سيما بعد حزمة الدول التي أصبحت تتطلّب موافقات أمنية للسفر إليها. بعد خروجي من المجمّع هاتفته وأنا غير مصدّق لهؤلاء الذين يحفظون مجموعة من الجمل لا يدركون فحواها. سألني: هل كرهت مصر الآن؟ هزّني السؤال من الأعماق، رغم تناولنا لوقائع ما جرى بالمجمّع بشكل ساخر. أدركت في أعماقي أنني ربما كرهت كل الموظفين واستشطت غضبا، لكنني لم أكره مصر بعد. لم؟ لأن هناك من الأحبّة والأصدقاء ما يجعلون للوطن معنى يستقر في الوجدان.

شعر

كان على راسها ولفّت راسي

شمس العصر مع البلاصي

إخلاصها يزوّد إخلاصي

خلّيك فاكر.. مصر جميلة

كل الزرع حافظلي منابي

كل الأرض بساط لجنابي

عقد الحلو خرز عنابي

شفت الحلو عطف ولغاني

من بحر المواويل ولغاني

ولا حدّش من باله لغاني

مصر جميلة.. خلّيك فاكر

صنايعي دِقي ودقيقي عال

منخول منقي يا مغربلين

ربعي ربيعي والاعتدال

طبيب طبيعي يا عطارين

أصيل ومحدث تحت الهلال

وبياضه مخلص يا نحاسين

لما التجارب رمت السؤال

تجديدي جاوب يا منجدين

من غير تجاري ومن غير دلال

بايع وشاري يا دلالين

داخل حارتكم بماء زلال

عيني اشترتكم يا سقايين

وكتافي شالت لأجل العيال

تاني وتالت يا عتالين

وكان حنيني ولا يزال

سقف يداريني يا بنايين

وألف وأحوِد والليل جبال

يفنيها مِروِد يا كحالين

خليك فاكر مصر جميلة.

فؤاد حداد

اعلان