Define your generation here. Generation What
عسكر وكلاب بوليسية ومسروقات: حواديت المتحف المصري
 
 

بعد ثورة يناير أضيف تاريخ جديد للمتحف المصري، ولكنه تاريخ يبعث على الخزي. من ضمن مفرداته الطغيان الأمني الذي لم ينقطع بانتهاء احتجاز وتعذيب المعتصمين بميدان التحرير أثناء ثورة يناير في أقبية المتحف، ولا باختفاء حشود البلطجية المستقدمين بعربات الأمن المركزي إلى حديقة المتحف المصري  والذين كان يتم جلبهم تحت بند عمليات تأمين المتحف المصري (الغامضة) وكانوا جزءًا لا يتجزء من حياة المتحف اليومية وقتئذ. كان الأمر يوحي بأن المتحف المصري لا يتبع وزارة الآثار بقدر ما يتبع الأجهزة الأمنية المختلفة. منذ ذلك الوقت وحتى الآن أصبحت للأمن اليد الطولى في المتحف المصري، يحاصرك بفجاجة من قبل الولوج إلى داخل المتحف وحتى الخروج بالسلامة. وبالداخل ترى التراب المتراكم على الآثار وداخل الفتارين، ويحتك بك الأمن ليمنعك من التصوير. أما لو احتجت إلى دورة مياه فسترى إلى أي مدى وصل انهيار البنية التحتية للمتحف العتيق.

الأمن القومي والمتحف المصري

في عام 1996 تولت هيئة الأمن القومي، التابعة للمخابرات العامة، مهمة تأمين المتحف المصري، وافتتحت نظامها التأميني في بداية 1998، وقامت بتركيب كاميرات متحركة تغطي كافة أنحاء المتحف المصري وتنقل ما يدور بخارجه، مع نظام صيانة سنوي، ومع إشراف إدارة المتحف نفسها على هذه الكاميرات التي بلغ عددها 197 كاميرا تنقل وتسجل ما يدور داخل وخارج المتحف على مدار اليوم. بالإضافة إلى ذلك هناك أفراد الأمن في المتحف وعددهم يقترب من 220 فرد ويتبعون اداريا المجلس الأعلى للأثار ولكنهم تلقوا تدريبهم في سلاح الحرس الجمهوري على أيدي أفراد من القوات المسلحة.

وصل “ع”، فرد الأمن بالمتحف إلى عمله يوم 28 يناير 2011 ليقوم بدوره المعتاد في المرور داخل القاعات والجلوس أمام الشاشة التلفزيونية لجهاز الإنذار عند بوابة الخروج. لجنة فتح المتحف قامت بفتح المتحف كالمعتاد، ولكن في حوالي العاشرة صباحاً، تلقى أفراد الأمن ومن بينهم “ع” الأوامر بغلق وإخلاء المتحف بسبب المظاهرات المرتقبة. وعند الانصراف عرف “ع” أن أفراد شرطة الآثار، الذي كان المتحف في حوزتهم، ارتدوا جميعًا ملابس مدنية. ولم يعرف بمهاجمة اللصوص للمتحف إلا في المساء، عن طريق التليفزيون. يقول “ع” عن كاميرات المراقبة بالمتحف: “خلي الطابق مستور. كانت معظم الكاميرات تالفة وتغيرت بالكامل بعد السرقة مما تكلف الملايين”. وأضاف أنه من المحتمل أن طارق العوضي نفسه، وكان مديرًا للمتحف وقتها، لم يكن يعلم بالفعل بحالة الكاميرات حين وعد بتقديم شرائط المتحف في محاكمة مبارك والعادلي.

“محمود الحلوجي” المدير السابق، يحكي عن فترة الـ18 يوم، التي كان يبيت فيها داخل المتحف لحراسة الآثار، ويقول إنه ضد التعذيب ولكن “المحتجزين بأقبية المتحف كانوا من البلطجية والأحداث كانت قوية واستثنائية والخسائر كانت جسيمة”. ويضيف أن “عدد أفراد الأمن المدني في المتحف يصل إلى 220 فرد يعملون بنظام الورديات، وهم غير مدربين ومعظمهم يلتحق بالعمل عن طريق (الواسطة)، وفي صباح 28 يناير تلقوا الأوامر من شرطة الآثار بالانصراف مثل باقي الموظفين، مما أدى إلى خلو المتحف من الأمن أمام هجوم البلطجية” ويصل بالتالي إلى استنتاجه بأن “الجيش أنقذ المتحف من كارثة محققة”.

رصاص وكلاب بوليسية وقطع مسروقة

“م” مهندس متخصص في كاميرات المراقبة، يقول إن الكاميرات التي يقوم بتركيبها “الأمن القومي” في المتاحف والأقسام والكنائس والأماكن الهامة، هي كاميرات متطورة جدًا، لا تسجل الأحداث على اسطوانة “سي دي” وإنما يتصل بها “هارد ديسك” أصلي وآخر احتياطي، وتُرسل التسجيلات أولًا بأول إلى جهاز المخابرات العامة، وهذا النوع من الكاميرات يمكن التحكم به عن بعد، وبالتالي يمكن تغيير اتجاه الكاميرا والحصول على المعلومات المحفوظة بها من مدينة أخرى، وتستمر الكاميرات في نقل الوقائع حتى لو تحطمت. ويضيف أن “كاميرات المتحف المصري كانت بحالة جيدة قبل الثورة، وشرائط الفيديو المقدمة من المتحف إلى المحكمة في قضية قتل المتظاهرين وكان مسجلًا عليها لقطات من فيلم (الباشا تلميذ) وشرح لمعبد الأقصر كان المقصود بها التعتيم على الحقيقة”.

إجراءات فتح وغلق المتحف شديدة الإحكام، بحسب ما يرويه أمناء المتحف. يقول أحدهم إن إجراءات فتح المتحف المصري تبدأ يومًيا في الساعة السابعة والربع صباحاً، وتضم لجنة الفتح من خمسة إلى سبعة أمناء أثريين بالمتحف وناظراً إدارياً من موظفي المتحف بمصاحبة أفراد من شرطة الآثار والمباحث بالإضافة إلى أفراد الأمن التابعين لوزارة الآثار.

تقوم هذه اللجنة بتحرير محضر للفتح بعد المرور على القاعات تسجل فيه الحالة التي وجدوا عليها المتحف ويُكتب المحضر بديباجة ثابتة ومعتادة، إلا إذا كانت هناك حادثة أو ملاحظة غريبة. وتغلق الفتارين بأقفال وبرصاص مختوم أيضاً، يُفحص يوميًا للتأكد من عدم المساس بها. ويتوجب على أي أمين متحف لديه عهدة أثرية المرور يوميًا على عهدته المعروضة بعد قيام لجنة الفتح بالمرور السريع في ردهات المتحف.

وفي الخامسة مساء تغلق لجنة أخرى المتحف، ثم يمر أفراد الشرطة برفقة الكلاب البوليسية بين أروقة المتحف للتأكد من عدم وجود متفجرات أو أشخاص مختبئين.

وعن غرفة المراقبة يحكي أحد الامناء الأثاريين بالمتحف: “أثناء وجودي في نوبتجية غلق للمتحف وقت حكم (مرسي) حدثت اشتباكات بميدان عبد المنعم رياض خلف المتحف، بين أشخاص من الإخوان وآخرين كانوا يطلقون الخرطوش، رأيت الاشتباكات كاملة على شاشات غرفة المراقبة، فالكاميرات بالمتحف تتميز بدرجة عالية من الوضوح، ويمكنها تكبير صورة أي شخص في الإشتباكات”، ويضيف أن غرفة مراقبة المتحف هي غرفة الأسرار الخطيرة، عن طريقها تم جمع أرشيف ضخم لكل الأحداث التي أحاطت بالمتحف منذ ثورة يناير. وعن دور الدبابات التي كانت تحيط بالمتحف في تأمينه يقول: “الدبابات التي كانت أمام المتحف كانت تتخذ من المكان قاعدة عسكرية للسيطرة على ميدان التحرير ومنطقة وسط المدينة، ومشهد الدبابات أمام المتحف يخيف السائحين من زيارته ومن زيارة مصر كلها”.

غير أنه بالرغم هذا النظام التأميني الصارم في 2014 وأثناء محاصرة الدبابات والمدرعات للمتحف اختفت  القطعة الأثرية التي تحمل رقم (15973)SR، والمنقوش عليها ما يقرب من 15 سطر من الكتابات الهيروغليفية. تم تحرير محضر بالواقعة وكتابة تقرير عنها وإبلاغ غرفة المراقبة التي ردت بأن الكاميرات لا تصل إلى الممر الذي توجد به القطعة. أوضح أمين أثري آخر بالمتحف، نقلًا عن أستاذ الأثار المصرية حسن سليم، أهمية هذه القطعة، فهي غطاء تابوت من عصر الأسرة التاسعة وعليه كتابات تعد هي النواة الأولى لمتون التوابيت (النصوص االتي اشتهرت في الدولة الحديثة باسم “كتاب الموتى” بعد تدوينها على لفائف البردي) والقطعة مكسرة إلى عدة أجزاء ومرممة ترميماً قديماً، وبشكل عام فالقطعة في حالة سيئة نتيجة الإهمال في التخزين والترميم، ولكنها ذات قيمة تاريخية عالية. وهي موجودة في ممر بالدور الأرضي غير المخصص للعرض، والذي يستخدم كمخزن للآثار، مما سهل نزع جزء منها كان مكسوراً وملصقاً ويبدو أنه كان سهل الخلع.

بنية تحتية متهالكة

في أحد أيام صيف 2014ـ ومع اشتداد الحرارة، فوجيء الأمين الأثري مصطفى باشتعال “كابل الكهرباء” بحديقة المتحف. وقامت عربة المطافي بإخماد الحريق الذي تسبب في انقطاع تيار الكهرباء عن غرفة المومياوات والجناح الشرقي للمتحف برمته. يقول مصطفى: “أبلغنا الإدارة الهندسية التي كلفت بدورها إدارة الكهرباء بضرورة إصلاح العطب سريعاً، ولكن إدارة الكهرباء ردت بضرورة رفع ورقة بالحدث، مع إرفاق طلب لإصلاح العطب إلى قطاع المشروعات، في سلسلة إجراءات بيروقراطية كفيلة بتدمير المومياوات، التي يتحتم حفظها في درجة ثابتة من الرطوبة والحرارة، وتعبأ فتارينها بالنيتروجين مما يحافظ على الجو الخامل داخل فتارين القاعة”.

إنقاذًا للوضع تم تشغيل قاعة المومياوات عن طريق مولد كهربائي، واضطرت إدارة المتحف إلى إغلاق القاعة أمام الجمهور يومي الخميس والجمعة، ولم تصلح إدارة الكهرباء العطب إلا بعد أن قام أحد المسئولين بالمتحف، وهو الأستاذ محمد علي كبير الامناء بالمتحف، بتوجيه استغاثة على قناة “سي بي سي” الفضائية لإنقاذه.

لم تكن هذه الحادثة هي الوحيدة التي تدلل على مشاكل البنية التحتية للمتحف. قبلها بأشهر وقف بعض السائحين لالتقاط صور تذكارية بعدساتهم لإحدى مواسير حمامات المتحف وقد انفجرت المياه من ثقب كبير واضح المعالم فيها، مخلفة أسفلها بركة حالت دون الدخول إلى إحدى إدارات المتحف المتواجدة في قبو أسفل المبنى. كان الحل هو فصل الكهرباء عن المكاتب الموجودة أسفل الحمام وإيقاف العمل بها لحين إصلاح الكهرباء، كما استدعى الأمر غلق الحمام ومحبس المياه تماماً كحل مؤقت.

“جيهان” من أمناء المتحف القدامى تقول: “بجانب السباكة والكهرباء وأفراد الأمن غير المدربين هناك أيضًا مياه الأمطار التي تتسرب من خلال سقف المتحف ونضطر ساعتها إلى جر الفتارين بقاعات العرض إلى مناطق آمنة لا تسقط عليها الأمطار، وأمطار العام الماضي تسببت في تلف بعض القطع من السهام المصنوعة من البوص”. كما تشكو جيهان من التركيز الدائم على إعادة طلاء المتحف على حساب تجديد زجاج الشبابيك المحطم والسباكة المتهالكة.

وعن ميزانية المتحف المصري علمنا أن المتحف ليست لديه ميزانية مستقلة، ولكن تُصرف له “سُلف” غير واجبة السداد بواقع 50 ألف جنيه كل أربعة أشهر، أي أن مجمل “السلف” في العام تصل إلى 200 ألف جنيه مصري، تُصرف على الأوراق وحبر الطابعة والدفاتر وغيرها من مستلزمات الإدارة والعلاج السريع للأزمات، وأحيانًا ما تتعطل هذه “السلف” أو يقل المبلغ بسبب الأزمة الأقتصادية التي تمر بها الدولة، وتجديد بنية المتحف التحتية أو طلائه لا تدخل ضمن بنود صرف هذه السلف.

العسكرة

هناك حالة من “العسكرة” تغلف أجواء المتحف، يكثف وجودها الأعداد الضخمة لأفراد الأمن الذين لا هم لهم سوى مضايقة الزائرين ومنعهم من التقاط الصور، والذين اختزل وجودهم المزعج منظومة التأمين فقط في مراقبة الزائرين ومطاردتهم لمنع التصوير؛ بينما من المفترض أن تكون منظومة تأمين المتحف متكاملة ومترابطة وتشتمل على بنية تحتية جيدة وطرق عرض وتخزين سليمة للمجموعات الأثرية وتوافر الخبرات والتدريب الجيد لكل العاملين بما فيهم أفراد الأمن.

صندوق الإنقاذ؟

أثناء جولات الزوار داخل المتحف كثيراً ما يتم سؤال المرشدين والأثريين: لماذا يمتلئ متحفكم بالاتربة؟ ما سبب كون الإضاءة سيئة لهذه الدرجة؟ لماذا يستحيل التعامل مع دورات المياه؟

وقتها يشعر متلقي السؤال بالخجل، ويكون الرد لا توجد ميزانية ..إنها أزمة ادارة…بينما البعض يتهرب من الرد.

لإقالة المتحف من عثرته ربما يكون من المفيد إطلاق حملة تتبناها كافة أجهزة الإعلام، وفتح حساب معلن في البنك ويخضع للمراقبة مع توافر الشفافية التامة في صرف الأموال على إصلاح البنية التحتية وتطوير العرض وتدريب العمالة في كافة ما يخص شئون المتحف من نظافة وتأمين وعرض متحفي وبحث علمي.

اعلان
 
 
نرمين خفاجي