Define your generation here. Generation What

ريهام و حسام و بينهما عزة…المقاومة مستمرة

 منذ بدأت الثورة في مصر كان يستفزني بشدة توصيف “ثورة الفيس بوك” و كنت و مازلت أؤمن أن ٢٥ يناير لحظة انفجار بنيت علي نضالات طويلة وظروف موضوعية مرتبطة بتحلل النظام سبقتها بعقد من الزمن. ولكن الفصل بين وسائل التواصل الإجتماعي كمجتمع افتراضي بعيد عن الواقع و تصور “مصر الحقيقية” منبتة الصلة بالأولى كما يظن البعض هو أيضاً إفتراض خاطئ. وسائل التواصل هذه ليست محرك الأحداث بما فيهم الثورات و لكنها أيضاً ليست منقطعة عن الأولى كعالم موازي، فهناك حالة اشتباك جدلية بين الاثنين بحيث يؤثر كل منهما في الآخر و يتأثر به وهي مساحة تعكس إرهاصات علي أرض الواقع و تساهم في تشكيله.

بهذا المعني كان ما شهدناه في أقل من أسبوعين من حملات تضامن واسعة مع سمية (فتاة المول) ضد ريهام سعيد ثم مع حسام بهجت وعزة الحناوي (مذيعة التلفزيون المصري التي تم وقفها عن العمل) شديد الدلالة. أولاً، كانعكاس لتغير في القيم والمفاهيم بين قطاع واسع في المجتمع. وثانياً، لإن هذه الحملات تجاوزت فكرة التعبير عن الغضب و الإحباط  لبلورة فعل إيجابي جاء بنتائج- على الأقل في حالتي ريهام وحسام. وأخيراً، لإن في الحالات الثلاث وقف هذا القطاع في مواجهة مؤسسات قوية لم يشعر أمامها بالضآلة أو عدم جدوى الفعل في ظل لحظة تراجع وإحباط عام.

مع انكماش المجال العام وسيطرة صوت واحد على وسائل الإعلام والخطاب العام وتكلس المجال السياسي الرسمي لا يعود الفعل السياسي مقصوراً على المظاهرات أو الانتخابات أو الانتظام في كيانات سياسية- على أهمية كل هذه الأشكال- و لكنه يأخذ أشكالاً أخري سواء كانت مواجهة السلطة في مباراة كرة قدم أو حملات التضامن التي رأيناها خلال الأسبوعين الماضيين. ازدياد الفعل والمساحات في مناهضة أشكال القمع سواء من قبل النظام أو من المجتمع في ازدياد. فمن ٨٠ ألف تغريدة تضامناً مع حسام في أقل من ٤٨ ساعة لـ١٤٠ ألف تغريدة ضد ريهام سعيد، لازدياد عدد الصحف الإلكترونية مثل مدى مصر و +١٨ وجيش من الكتاب غير المحترفين يغردون خارج السرب ربما لا نعرف أسماءهم ولكن نسب قراءة مقالاتهم تزيد عن كثير من الأسماء المعروفة. في نفس الوقت فإن نساء من مختلف الأعمار يكتبن عن مواجهات يومية ضد التحرش، لسن ناشطات نسويات ولا “مناضلات”، بل نساء من أعمار و طبقات مختلفة لم يعدن يرين في هذه المواجهات فضيحة.

 أتذكر في ٢٠٠٨ كيف كنا نحتفي بنهى رشدي التي تحرش بها سائق وأصرت على ملاحقته، في ذلك الوقت- وهو ليس ببعيد- كان فعل نهى البطولي مدعوماً بالاساس من دائرة النشطاء والحقوقيين وكان حدثاً متفرداً. اليوم أصبح هذا الحدث جزءاً من النقاش اليومي بين الآلاف. نفس الشىء حدث مع عزة الحناوي التي أوضحت في أحد البرامج كيف تم إيقافها عن العمل لأكثر من سنة قبل ٢٠١١ حينما وجهت لصفوت الشريف سؤالاً لم يعجبه. لم نسمع عن عزة في ذلك الحين، ولكننا اليوم نعرف عزة و نتضامن معها وتضطر حتى البرامج التلفيزيونية الداعمة للنظام لاستضافتها. وحتى في حالة حسام بهجت الذي يعزو البعض خروجه لضغوط دولية، فإنهم يتناسون كيف أن هذه الضغوط وأكثر منها لم تفلح في إطلاق سراح سعد الدين إبراهيم أو أيمن نور في قضاياهما قبل الثورة، وأن حسام نفسه لم يصبح معروفاً للمجتمع الدولي إلا بسبب عمله في قضايا حقوق المصريين المختلفة وأنه في أقل من ٤٨ ساعة كانت هناك مجموعة من المنظمين نجحوا في تنظيم حملة إلكترونية ولكن أيضاً دعوات للتظاهر شملت القاهرة وتونس ولندن ونيويورك وجنيف.

طبعاً من السذاجة التعامي عن أن أكثر من أربعين ألف معتقل لازالوا قابعين داخل السجون، و أن عزة الحناوي مازالت موقوفة عن العمل، وأن برنامج ريهام توقف ولكن أحمد موسى و عبدالرحيم علي مازالا يظهران علينا بنسب مشاهدة عالية. كل هذا صحيح و لكنه غير كاف ليقودنا لإغفال أن هناك تغيراً مهماً يحدث و أن هذا التغير ليس فقط داخل أوساط محدودة على شبكات التواصل الاجتماعي وإنما انعكاس لحالة ممتدة لأن جمهور هذه الشبكات متجاوز لفئة عمرية وطبقة محددة، وأن جزءاً من هذا الجمهور ليس بالضرورة منفصلاً عن الطلاب و الأهالي الذين نظموا مظاهرات ضد وزارة التعليم مؤخراً أو الموظفين المعترضين على قانون الخدمة المدنية.

في كل هذه الحالات تجاوز الجمهور فكرة التعبير عن السخط للفعل. بالتأكيد مازال السؤال المحوري هو كيفية تنظيم الفعل السياسي سواء كان بحملات على وسائل التواصل الاجتماعي أو وقفات ضد قانون أو إضرابات جزئية، لتصب كلها في مسار تغيير هيكلي لم نستطع تحقيقه منذ بداية الثورة ولكن بداية الإجابة عن هذا السؤال تكون بفهم ترابط وتشابك هذه الأفعال وعدم التقليل من أهمية أي منها على آساس أنها “منفصلة عن الأرض”، فأرض الفعل السياسي ليست فقط الشارع أو الصندوق وإنما أيضاً أماكن العمل والدراسة وشبكات التواصل الاجتماعي.

ربما يكون شعار “الثورة مستمرة” الذي يحلو للبعض رفعه و للكثير التهكم عليه ليس دقيقاً بمعنى انتفاضة الجماهير والحشد في الشارع، ولكن هناك بالتأكيد مؤشرات لتغير مستمر ومقاومة للأفكار  الأنماط السياسية والاجتماعية السائدة تسمح لنا بيقين أن نقول إن “المقاومة مستمرة”.

اعلان