Define your generation here. Generation What
روان.. أو كيف تمشي القطة
 
 

تعمل روان كموديل أو عارضة موضة. يوم التقينا أخبرتني أنها كان من المفترض أن تكون في طريقها إلى اﻹسماعيلية في صباح اليوم التالي للحاق بعرض للأزياء هناك. “شغلانة”، كما يسميها قاموس عالمها، لكنها لم تتلق اتصالا من أصحاب العمل حتى الليلة، وحين اتصلت بمنسقة العرض، أخبرتها أن العرض تم إلغاؤه بعد انهيار المسرح بسبب اﻷمطار.

تنقسم كل شغلانة إلى ثلاث مراحل أساسية: المرحلة اﻷولى هي انتقاء العميل لمجموعة من العارضات للقيام بالعرض عبر استعراض مجموعة من الصور ثم مقابلة العارضات المختارات. بعد اختيارهن، تبدأ العارضات في تجربة الملابس وقياسها، وهي المرحلة الثانية، وتستغرق ساعات طويلة.

RA makup.jpg

روان في مرحلة الشهر والمكياج

بعد الانتهاء من هذه الترتيبات، تصبح الموديل جاهزة للمرحلة اﻷخيرة: catwalk، أو مشية القطة، وهي مرحلة تعني 12 ساعة عمل أخرى متواصلة على اﻷقل، ابتداء من قياس الملابس ووضع المكياج وصولا إلى المسرح. مع انتهاء “مشية القطة”، تصبح هذه الشغلانة منتهية. في المتوسط، تحصل روان على ما يقرب من 1500 جنيه مقابل كل شغلانة.

rawan stage.jpg

روان على المسرح في مشية القطة

كانت روان قد رفضت عملاً لمدة ثلاثة أيام في أحد العروض الكبيرة من أجل العمل في عرض اﻹسماعيلية هذا، كما رفضت عرضاً آخر كان يتم ترتيبه في مول سيتي ستارز. لكن اﻷمر انتهى بإلغاء اﻷول، وتأجيل اﻵخر إلى اﻷسبوع القادم، وهي خسارة تأتي قبل بداية اﻷسبوع اﻷكثر نشاطًا في موسم الموضة، موسم الشتاء. بسبب هذا تشعر روان بالحزن.

RA vertical.jpg

روان

عمرها 26 عاماً. إسكندرانية، ولدت هناك لكنها تعيش في القاهرة بمفردها منذ أعوام. تحمل روحًا سكندرية كما تقتضي اﻷقاويل الشائعة حول المدينة الساحلية وأهلها. تتحدث بسرعة وتضحك بامتلاء. تقابل أصدقاء كثيرين كل يوم، وتقول إنها تحب البشر وتسعد بفكرة وجودهم المستمر في حياتها.

قمحية اللون، طولها 175 سم، ووزنها 57 كيلوجراماً، وهو ما يجعلها ملائمة للمقاييس الجسدية المطلوبة للعمل كموديل. روان مازالت طالبة جامعية بالفرقة الثالثة بكلية التجارة قسم اﻹنجليزي بجامعة اﻷسكندرية، لكن مسألة إتمام شهادتها الجامعية ليست على رأس أولوياتها اﻵن. “اكتشفت إن مجال دراستي مش مثيرا للاهتمام. كنت محتاجة مجال يسمح بقدر أكبر من اﻹبداع”.

اليوم، ومع ثلاثة أيام أخرى بلا عمل، تمتلك روان بعض الوقت لممارسة هواياتها المختلفة. تحب الرسم، والتصوير، تصنع إكسسوارات مختلفة، وحين تسنح الفرصة تعود لعادتها القديمة وتلعب على جيتار إلكتروني. من وقت ﻵخر تنهمك روان على شاشة الكمبيوتر لإجراء تعديلات على صور مختلفة لها ولزميلاتها على برنامج Lightroom. تضيف ظلًا، تنير جزءا، تستمر في اللعب في محاولة لنقل مفاهيمها عن الجمال إلى تلك الشاشة.

تستمتع بالوقت، لكنها تذكر نفسها على الدوام بأنها بحاجة إلى تأمين عمل قريب، خصوصًا مع إلغاء العروض اﻷخيرة. ربما حان الوقت للقيام بمجموعة من الاتصالات بمنسقي تجارب اﻷداء لترى إذا كان سوق الموضة يسنح بفرصة عمل قريبة.

تقوم وكالات تجارب اﻷداء casting agency على تنظيم عمل العارضات بشكل أساسي، وتعمل العشرات من الوكالات سواء بشكل مؤسسي أو فردي في مصر. تقوم هذه الوكالات على توفير أفراد للعمل في اﻹعلانات والمسلسلات وعروض اﻷزياء وكل اﻷعمال والنشاطات اﻷخرى التي تتطلب نساءا جميلات، تبعًا لما هو سائد. يعمل معظم هذه الوكالات في مجالات مختلفة، لكن بعضها يتخصص في مجالات محددة: وكالات للعارضات، وأخرى للإعلانات، وهكذا.

يختلف نموذج عمل وكالات العارضات في مصر عما هو سائد في العالم. في المعتاد يقوم عمل الوكالات على توقيع عقود مع عارضات مختلفات. تحدد هذه العقود طبيعة العمل المطلوب منهن وعدد العروض التي يفترض أن تشاركن بها. وتعمل العارضات بشكل حصري مع وكالاتهن في مقابل مبلغ مالي محدد بإجمالي قيمة العقد أو بمرتب منتظم طوال مدة العقد، وهو ما يجعل الموديل محور عمل الوكالات.

أما في مصر فيتمحور عمل الوكالة حول الحدث/الفاعلية وليس الموديل. فعلى الرغم من أن سوق الموضة المصري يحمل العديد من فرص وإمكانات التطور في المستقبل، إلا أن طبيعته الموسمية وغياب أي تنظيم قانوني لطبيعة العمل فيه لا يجعل اهتمام الوكالات متعلقاً بالبحث عن عارضات واستخدام سياسة العقود معهن في إدارة أعمالهم. بدلًا عن هذا ينصب اهتمام الوكالات على تنظيم أحداث وفاعليات مختلفة، ولا تبدأ علاقة الوكالات بالعارضات إلا في حالة نجاح الوكالة في الحصول على حق تنظيم فاعلية ما. حينها تبدأ الشركات في مراجعة أدلة هواتفها لتذكر أي من العارضات يمكنها أن تشارك وتبدأ في الاتصال بهن.

“هي ده مشكلة الشغل ده في مصر، الموديل هنا بتشتغل بشكل حر، freelance”، تقول روان. “مفيش حاجة مضمونة، كل شغلانة بشغلانتها”.

ra.jpg

روان

بدأت روان العمل كموديل حين تعرفت على عارضة أخرى منذ عامين. تتذكر حين جاءتها فرصة مسبقة للعمل كموديل وهي في الثامنة عشرة من عمرها. رفضت وقتها، وتنقلت بين العديد من تجارب العمل اﻷخرى، حتى أخبرتها صديقتها الجديدة أن لديها جسد عارضة أزياء وأنها تصلح تمامًا لهذا العمل.

ذهبت روان لتجربة أداء مع وكالة Face To Face، وهي الوكالة المسؤولة عن تنظيم مسابقة ملكة جمال مصر، وبدأت بعدها عملها الجديد.

قبل أكثر من عقدين، اقتصرت المعرفة بماركات الملابس واﻹكسسوارات العالمية والقدرة على شرائها على الشريحة اﻷكثر ثراءا. وباستثناء تأثير ثقافي محدود طال جانباً صغيراً منها، ظلت الشريحة اﻷكبر من الطبقة الوسطى المصرية خارج دائرة حسابات الاستهلاك.

لكن تغيرًا كبيرًا طرأ على العادات الشرائية وأنماط الاستهلاك للطبقة الوسطى في المدن المصرية. تجلت هذه التغيرات في ظاهرة أساسية وهي انتشار المتاجر واﻷسواق المركزية والمولات الكبيرة. ولعبت هذه المولات واﻷسواق دورًا ضروريًا في تجميع كل ما كانت شرائح عديدة من الطبقة الوسطى تمتلك القدرة المالية على شرائه لكنها لم تكن تعرف أنه موجود، أو اﻷماكن التي يمكن شراؤه منها. فتحت هذه المولات الباب أمام منافسة جديدة قوية كانت توجد سابقاً على استحياء. بدأت العديد من الماركات العالمية في دخول السوق المصرية، وقامت بافتتاح فروع مختلفة لمتاجرها في مدن مصرية عديدة.

RA vertical 2.jpg

روان بملابس العمل

إلى جانب هذا، لعبت ثورة الاتصالات دورا هاماً في سهولة انتقال التأثيرات الثقافية المختلفة. وخلال العقد اﻷول من اﻷلفية الجديدة استطاعت ثقافة الاستهلاك المنتشرة في أرجاء العالم النفاذ إلى شرائح جديدة في مصر تملك قدرة شرائية وقفت طويلاً في انتظار التوجيه. نحن على استعداد لإنفاق بعض اﻷموال، فقط أخبرونا كيف يمكننا فعل هذا.

ظهرت علامات التغيير سريعًا فيما يتعلق بصناعة الموضة. وسرعان ما ظهر جيل جديد من محلات اﻷزياء والماركات والمصممين المصريين في محاولة لدخول المنافسة التجارية مع طوفان الماركات العالمية التي تغزو اﻷسواق.

ترى روان أن الثورة مثلت نقطة تحول في صناعة الموضة في مصر. فبسبب الثورات العربية زاد الاهتمام الثقافي بما يقع في مصر والمنطقة كلها من تطورات، وحظيت الفاعليات بتغطيات إعلامية متزايدة. باﻹضافة إلى هذا فإن “المستهلك الغربي دلوقتي بيرجع للطبيعة، للاستشراق، للثقافات اﻹثنية”، تلاحظ روان، مضيفة أن العالم الغربي تجتاحه اﻵن موجة من تقبل مصر والمشرق عموماً.

وبعد أن أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي مكوناً أساسياً في حياتنا، بدأت العديد من الشركات والمصانع في محاولة الانتشار عبرها، وبدأ نجم العديد من المصممين والعارضات في الصعود على فيسبوك وإنستجرام. عالم الموضة بصناعها ومستهلكيها أصبح يعيش اﻵن على اﻹنترنت، ويكسب كل يوم أرضاً جديدة.

ترى روان أن العديد من اﻹيجابيات طالت تلك الصناعة في اﻷعوام اﻷخيرة. “على مستوى اﻷفكار، احنا كويسين ﻹن عندنا رموز ومراجع ثقافية كتير نقدر نقدم بيها حاجة جديدة”، تقول روان، “ده إلى جانب إن فيه فعلا قوة شرائية موجودة وقادرة إنها تحافظ على استمرارنا”.

تخبرني روان أنها تحظى بدعم كبير ومباركة كاملة من عائلتها، وتلاحظ أن هناك تغيراً كبيراً في ثقافة اﻷهالي ونظرتهم تجاه صناعة الموضة، “ده حاجة من ضمن اﻹيجابيات”. وعلى حد تعبيرها، فإن “المال يتحدث”، حيث تسبب الوضع الاقتصادي وطبيعة الحياة الضاغطة في هذا العصر في إجبار العديد من العائلات على أن يصبحوا أكثر تفهماً بخصوص ما يمكن أن يمثل مصدراً جيداً للدخل بالنسبة ﻷبنائهم. “عشان كده عدد الموديلز كل يوم بيزيد وعدد أكاديميات تعليم العارضين والعارضات بتزيد”.

لكن بعض جوانب هذا العالم مازالت تضايقها. على سبيل المثال، لا تحب روان أن يعرف الناس عملها. “لما الناس بتعرف إني موديل بيفترضوا على طول إني غبية”، وهي صورة نمطية شائعة لا تعرف كيف تتخلص منها.

باﻹضافة إلى هذا يتطلب عملها كموديل بعض الدعاية والترويج، وهو ما يتطلب حياة أقل خصوصية وأكثر انفتاحاً. “حاولت أبقى بعيدة عن فيسبوك وإنستجرام، لكن اكتشفت إن ده مستحيل. عشان أعرف أجيب شغلانات بشكل منتظم لازم أضحي بجزء من حياتي الشخصية”. وبالنسبة لها يدور صراعها اﻷساسي اﻵن حول كيفية الحفاظ على جزء بسيط فقط من حياتها مفتوحاً بما يكفي لتأمين العمل، دون أن تفقد السيطرة على حياتها تماماً.

وعلى الرغم من بعض ما يضايقها، إلا أن روان راضية في العموم عن عملها. تقول روان إنها تحب عملها ﻷنه يدر عليها دخلًا جيدًا، أكبر مما يجنيه كثيرون.

لكن هذا ليس السبب الوحيد. فحتى حين احتلت صورتها غلاف عدد أكتوبر من مجلة Identity، لم تعر روان الحدث أهمية كبيرة. تعتبر روان أن “الموضة مش أهم حاجة. صناعة الموضة بتبني شخصية قوية، المهم فيها هو امتلاك القدرة على التعبير عن النفس. ساعتها بيبقى اﻷمر بسيط”.

RA backstage.jpg

لحظة استراحة وانتظار في الكواليس

أسألها ما إذا كانت تفكر في العرض كمهنة مستمرة لها، فتجيب بأنها تعرف أن جسدها يصلح للاستمرار، كما أنها تستمتع بعملية التصوير، وهو محور أساسي في كل العروض. “معظم الناس اللي بتشتغل موديل بتفكر فيه على إنه بيفتح فرص للعمل في التمثيل أو تصميم اﻷزياء أو تأسيس وكالات تجارب أداء”، تجيبني روان. أصر على الحصول على إجابة محددة. “شغلي كموديل هو عرض إبداع ناس تانية.. بس أنا عايزة شغل فيه حرية إبداع أكتر. بالنسبة لي، الشغل ده طريقة كويسة أقضي بيها فترة العشرينيات من حياتي”، تقول بابتسامة.

جميع الصور عدسة: كريم علوي

اعلان
 
 
محمد حمامة