Define your generation here. Generation What
فرنسا: هكذا تكون الطوارئ تحت الإشراف القضائي
 
 

فور إعلان الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند فرض حالة الطوارئ مساء الجمعة الماضي، بعد تعرض العاصمة الفرنسية لهجمات إرهابية متزامنة أدت إلى وفاة ١٢٩ شخص على الأقل، تردد في الإعلام المصري تساؤل مفاده: لماذا يُحَرِّم المجتمع الدولي حالة الطوارئ علينا، ويحللها لفرنسا؟

لم يعد قانون الطوارئ مرتبطًا في الوعي المصري بحالة طارئة كما يوحي اسمه. إذ امتدت حالة الطوارئ في مصر لأكثر من ٣٠ عامًا، وأصبحت واقعًا مستمرًا مصحوبًا بالعديد من الانتهاكات الحقوقية وانعدام المحاسبة.

صدر قانون الطوارئ المصري عام ١٩٥٨، وأصبح بمثابة وضع دائم أفقده طبيعته الاستثنائية، إذ ظلت حالة الطوارئ معلنة باستمرار منذ عام ١٩٦٧ حتى ٢٠١١، بتجديد شبه تلقائي من البرلمان الموالي للنظام كل ٣ سنوات، باستثناءات بسيطة. ثم تم تفعيل حالة الطوارئ منذ ٢٠١١ على فترات متقطعة، وهي الآن مفعلة في أجزاء من شمال سيناء فقط.

وكان أهم ما ترتب على استمرار العمل بقانون الطوارئ هو الاعتقالات الواسعة التي طالت الآلاف من معارضي النظام.

بينما يواجه قانون الطوارئ الفرنسي بعض الانتقادات داخلياً بسبب الصلاحيات الواسعة التي يمنحها للسلطة التنفيذية، إلا أنه يختلف عن الحالة المصرية كثيراً في الضمانات التي يوفرها المناخ السياسي، بما يُصَعِّب على السلطة إساءة استخدام تلك الصلاحيات.

ترى ناتالي برنارد موجيرون -مديرة البحث بمؤسسة البحث للتنمية الفرنسية- أن حالة الطواريء الفرنسية تعتبر “أفضل السيئ” من بين الإجراءات الاستثنائية التي تحتاج الحكومة لفرضها في هذه الظروف.

صدر قانون الطوارئ الفرنسي في عام ١٩٥٤، للتصدي لحرب الاستقلال بالجزائر، والتي كانت تشكل في حينها جزء

من الإقليم الفرنسي. ولم تفعل حالة الطوارئ منذ ذلك الحين إلا مرات معدودة، ولمدد قصيرة، في عام١٩٦١، و١٩٨٥، و٢٠٠٥.

يحدد نص القانون الفرنسي الظروف التي تبرر إعلان الطوارئ بشكل واضح، وهي: “الخطر الناتج عن اعتداء جسيم على النظام العام أو وقوع أحداث تشكل من حيث طبيعتها وجسامتها مصدرًا لأزمة عامة”. وتضمن الرقابة القضائية والتشريعية عدم استمرار العمل بالقانون في غير تلك الحالة.

كما تفرض آلية تطبيق حالة الطوارئ رقابة السلطة التشريعية على القرار بشكل طبيعي. إذ يتيح القانون للسلطة التنفيذية الانفراد بقرار فرض حالة الطوارئ لمدة ١٢ يومًا فقط. ولا يمكن مد حالة الطوارئ بعد هذه المدة إلا من خلال قانون يصدره البرلمان بناءً على طلب من الرئيس. كان الرئيس الفرنسي قد أعلن يوم الثلاثاء الماضي أنه سيقدم طلبًا للبرلمان لتمديد حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر.

ولا تحمي حالة الطوارئ في فرنسا السلطة التنفيذية من الرقابة القضائية كما هو الحال في مصر. إذ يحق لمجلس الدولة الفرنسي البت في قضايا تطالب بوقف العمل بحالة الطوارئ إذا رأى المواطنون أن أسباب إعلانها لم تعد سارية.

ونظر مجلس الدولة الفرنسي في ٢٠٠٥ قضيتين تطالبان بوقف العمل بحالة الطوارئ الجزئية التي استمرت من نوفمبر ٢٠٠٥ حتى  يناير ٢٠٠٦، بعد أن مددها البرلمان بمرور 12 يومًا من إعلانها، بعد إندلاع أعمال شغب عنيفة في بعض ضواحي باريس، استمرت لثلاثة أسابيع وامتدت إلى عدد من المدن الفرنسية، على إثر وفاة شابين (أحدهما من أصول جزائرية والآخر من أصول موريتانية) بعد لجؤهما إلى محول كهربائي للهروب من مطاردة الشرطة، فتوفيا حرقًا بداخله.

في مصر، اعتبر مجلس الدولة، في عام 2008، إعلان حالة الطوارئ من الأعمال السيادية التي لا يمكن للمحاكم رقابتها.

يشرح أحمد القهوجي -مدرس مساعد بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية، وباحث دكتوراه في جامعة بواتييه بفرنسا- أن إنعدام الرقابة القضائية يعتبر الفارق الجوهري بين تطبيق الدولتين (مصر وفرنسا) لقانون الطوارئ.

يقول: “الحكم القضائي يعتبر قيدًا جديدًا على السلطة التنفيذية، حيث يضع إطارًا أضيق لاستمرارها (حالة الطوارئ)، ويضع السلطة بأكملها في رمزية تبرير اختصاصاتها الاستثنائية”.

أما في مصر، فيقول القهوجي إن انعدام الرقابة القضائية جعل من الطواريء “حالة أبدية مرتبطة بأهواء النظام الحاكم، دون إمكانية الطعن من جانب الأفراد على استمرارها، وبالتالي ضمان الرقابة القضائية على أسباب وجودها”.

بحسب القانون الفرنسي، تتيح حالة الطوارئ للسلطات الأمنية إجراء تفتيش للمنازل بدون إذن قضائي، وتحديد إقامة الأشخاص، والتحفظ على الأسلحة وإن كانت مرخصة. كما يتيح للسلطة التنفيذية فرض حظر تجول بمناطق معينة، وإغلاق الأماكن العامة، ومنع التجمعات والحد من الحركة في أماكن معينة.

كما يتيح القانون للسلطة التنفيذية السيطرة على الإعلام، إلا أن هذه الصلاحية الأخيرة لم تفعل منذ إعلان حالة الطوارئ مؤخرًا.

ومنذ تطبيق حالة الطوارئ في فرنسا، مساء الجمعة، بعد الهجمات الإرهابية، استخدمتها السلطات لإجراء ١٦٨ تفتيشًا بدون إذن قضائي، ترتب عليهم ٢٣ توقيفًا والاستحواذ على ٣١ سلاح. كما تم فرض الإقامة الجبرية على ١٠٤ شخص.

كما قامت قوات الشرطة الخاصة اليوم، الأربعاء، بأكبر عملية مداهمة لها منذ أحداث الجمعة، وذلك في مدينة سان دوني، حيث داهمت شقة يشتبه بأن العقل المدبر لعمليات باريس يختبيء بها. وأسفرت المداهمة عن مقتل إثنين من المشتبه بهم بينهما إنتحارية فجرت نفسها بعد إطلاق النار على القوات. كما أعلنت النيابة العامة عن توقيف خمسة أشخاص من موقع المداهمة وأنهم رهن التحقيق.

وفرضت السلطات إجراءات احترازية عامة منها: منع التظاهر حتى يوم الإثنين بكل البلاد وحتى الخميس بباريس، وإتخاذ إجراءات سارية لليومين اللاحقين للأحداث، وهي إلغاء المباريات الرياضية، وإغلاق ١١ محطة مترو، وإغلاق المدارس ودور المناسبات وغيرها.

بجانب سلطة مجلس الدولة في إلغاء حالة الطوارئ إستجابة للقضايا المرفوعة بهذا الشأن، توضح موجيرون أن القانون يتيح للمتضررين من حالة الطوارئ اللجوء للقضاء. ويكون من حق من يصدر ضده قرار بمنع الإقامة أو بالإقامة الجبرية تقديم شكوى تُنظر أمام لجنة إدارية ثم يتم رفعها للقضاء الإداري إذا لزم ذلك. ويجب على القضاء الإداري البت في الشكوى في خلال ٣ شهور، وإلا سقط الإجراء تلقائياً.

بالعودة إلى ٢٠٠٥، نجد أن السلطات الفرنسية استخدمت حالة الطوارئ بشكل أساسي لفرض حظر التجول ومنع التظاهر بالمناطق المشتعلة. ولم تلجأ السلطات حينها لاستخدام الإجراءات الأكثر حدة التي يتيحها القانون مثل: تفتيش المنازل بدون إذن قضائي أو فرض سيطرتها على الإعلام. وعلى الرغم من ذلك قوبل إعلان حالة الطوارئ في المرتين السابقة والحاليو بالهجوم من اليسار الفرنسي، الذي اتهم السلطة بتقويض الحريات واستخدام هذا الإعلان لغرض سياسي، وهو إرضاء الناخبين الذين يرون الأمن كأولوية قصوى.

مع تشابه النصوص إلا أن القهوجي يرى فرقًا كبيرًا بين حالة الطوارئ المصرية ونظيرتها الفرنسية. فيقول: “الخلاصة، أغلب دول العالم تقنن حالات الطوارئ، وقانون 1958 المصري لا يختلف في مفرداته كثيرًا عن قانون 1955 الفرنسي، والمسألة ليست هنا، المسألة تظل دوما مرتبطة بالضمانات”.

ويختتم القهوجي بالتأكيد على أنه يرى أن قوانين الطوارئ هي في ذاتها انتهاكًا لحقوق الأفراد، إلا أن النظام الفرنسي يفعل الرقابة التشريعية على العمل بقانون الطوارئ،  كما يتيح الرقابة القضائية اللاحقة كمرحلة ثانية من الرقابة التي تصلح أي عوار في تطبيقه.

اعلان
 
 
هبة عفيفي