Define your generation here. Generation What

تسونامي الغلاء المقبل – دراما الأسعار

مثل كثيرين دائمًا ما امتلكت انطباعًا عن الإحصاءات وأرقامها، انطباعًا بأنها مكان جيد لإخفاء كارثة أو مأساة أكثر من كونها أداة دقيقة للتقدير. الأمر ليس متعلقًا فقط بسهولة التلاعب في أرقام الإحصاءات فحتى لو كانت أرقام الإحصاءات دقيقة من الصعب جدًا جعل الأرقام حزينة أو بائسة بما يكفي لجعلنا نستوعب أو ننتبه إلى معاني إحصاءات موتى أو إحصاءات فقر أو معدلات بطالة. يمكن لصورة شخص واحد دفعته البطالة أو الفقر لشنق نفسه على إحدى لافتات الدعاية علي أطراف مدينة تعج بالعاطلين والفقراء. يمكن لهذه الصورة أن تكون أكثر تأثيرًا اجتماعيًا من ارتفاع معدلات البطالة في البلد نفسه من 11% إلى 13%، برغم أن بطالة هذا الشخص لا تستطيع تحريك معدل البطالة العام بمقدار 0.000001 ولا حتى تحريك معدلات الانتحار في هذا البلد بمقدار 0.001. فكر في سلوكك الغريزي إذا حاولت تهدئة أحد أصدقائك الذي يخضع أحد أعزائه إلى جراحة خطيرة. إذا كنت تملك معلومتين. الأولى: أن نسبة نجاح هذه العملية هي 82%، والمعلومة الثانية: أن اثنين من معارفك أجريا تلك العملية وأحدهما كانت حالته مشابهة كثيرًا لحالة عزيزه، والحالتان تعافيتا سريعًا. أي المعلومتين ستعتمد عليها لتهدئته إذا لم تكن لديك الفرصة لقول المعلومتين معًا؟ هو سيفضل غالبًا معلومة الشخصين المتعافيين، وسيقل شعوره بالتوتر أكثر إذا زدتهم شخصًا ثالثًا وذكرت تفاصيل تقنعه بأن حالة الشخص الثالث كانت أسوأ بكثير من حالة عزيزه ولكنه تعافى أيضًا. برغم أن معارفك الثلاثة يمكن أن يوجدوا في عملية جراحية نسبة نجاحها أقل من 40%، أو برغم أن نسبة نجاح عملية عزيزه التي تتجاوز الـ 80% تعني وجود مئات أو آلاف النماذج مثل معارفك الثلاثة. إن تجاهلنا اليومي للأرقام عندما نواسي أو نحمس أو نبث الأمل واعتمادنا على قصص وأشياء حسية مجسدة, يرجح هذا السلوك أن لدينا إدراكًا غريزيًا بعدم قدرة الأرقام على النفاد إلى نظامنا العاطفي والتأثير فيه، ولكننا على الأرجح لا ندرك مدى تأثير هذا الخلل -خلل عدم قدرتنا على الانفعال بالمعاني خلف الأرقام- على إدراكنا للعالم وأثره في سلوكنا كأفراد وجماعات.

 إنها صعوبة تخيل الأشخاص والمعاني خلف الأرقام٬ أو ضعف استجابتنا العاطفية تجاه الأرقام مقارنة بقصة أو صورة واحدة حتى لو كانت الأرقام تحاول نقل 100 ألف صورة أو قصة مشابهة. هذا الخلل في نظامنا العاطفي، والذي يسميه عالم النفس بول سلوفيك -الذي استوقفته كثيرًا الرشاقة التي نتجاوز بها إحصاءات المجازر الجماعية في مقابل الانتباه والتأثر الشديد الذي تخلقه صورة وجه واحد يتألم- يسميه سلوفيك خللًا ينقص من إنسانيتنا (برغم حُسن نوايانا). وبغض النظر عن توصيفه كخلل ينقص من إنسانيتنا أم أنه طبيعة بشرية لا تستدعي الأسف أو تستدعي التأقلم مثلما تأقلمنا أن جهازنا التنفسي لا يستطيع استخلاص الأكسجين من المياه حتى نستمتع باكتشاف الأعماق البحرية كلما أردنا. هذا الخلل أو الخاصية التي تظهرنا ككائنات ذات تعاطف وانتباه مشروط أي أن النظام العاطفي لمعظمنا يشترط أن تكون المأساة مجسدة لتحصل على الانتباه الكافي، وبالتالي رد الفعل المناسب -فكر في بو عزيزي أو خالد سعيد أو طفل سوريا الغارق باعتبارهم إيقونات كانت لازمة لتحرير مشاعر جماعية تجاه تجاوزات الشرطة والوضع المأساوي للاجئين المعروفة مسبقًا، ولكنها معرفة غير مجسدة بالشكل الكافي لإثارة انتباهنا وعواطفنا- إن تداعيات هذا الخلل أو هذه العلاقة السيئة بين دماغنا والأرقام والإحصاءات والمعاني المجردة لا تتوقف عند التأثير في تعاطفنا مع الآخرين، ولكن تمتد هذه التداعيات لتطول مصيرنا الشخصي وتقديرنا لوضعنا الحالي والمخاطر المستقبلية. وبخاصة إذا كنا نحاول تقييم وضعنا الحالي ونستشرف ما سيحدث لنا من خلال إحصاءات وبيانات كالتي يقدمها الاقتصاد لنا.

أحد الأمثلة البارزة على إخفاء مأساة داخل إحصائية أو الرغبة في مضاعفة التخدير الذي تتركه الأرقام بدماغنا هو معدل التضخم (إذا جاز تسمية الأضحوكة التي يسميها البنك المركزي المصري “معدل التضخم ” بإحصائية). لكي يستطيع البنك المركزي المصري أن يتحفنا بتقريره الشهري المكتظ بالأرقام والمسميات الغريبة، والذي ينتهي بأن معدل التضخم هو 9% أو 10% لهذا الشهر أو لهذه السنة، لكي يستطيع أن يقوم بهذا السحر الأسود لتقدير مدى الغلاء الذي نواجهه، يفترض المركزي المصري أن دخلنا -نحن المصريين جميعًا- موزع علي 12 بندًا للإنفاق. ويفترض أننا -نحن المصريين جميعًا- ننفق 40% من دخلنا على بند الغذاء و6% على الصحة و18% على بند الإيجار والمياه والكهرباء والغاز وهكذا. ويقول إن هذه ليست نسبًا افتراضية، بل إن الجهاز المركزي للإحصاء قام -ويقوم بشكل دوري- بأبحاث ميدانية ودائمًا ما  يستخلص منها أنه يمكن تلخيص السلوك الإنفاقي لكل المصريين في مؤشر واحد (تخيل أن المركزي للإحصاء يتصور أنه يستطيع توحيد السلوك الإنفاقي لجميع المصريين تجاه 781 سلعة موزعة على 12 بندًا، يتصور أنه بحسبة رياضية ساذجة -سنتعرض لمدى سذاجتها أو تضليلها فيما بعد- يمكنه أن يعرف كيف ينفق المصريون جميعًا).. بهذا التعميم يكون لدى المركزي المصري 12 بندًا للإنفاق، ولكل بند وزن نسبي محدد أو نسبة محددة من الدخل ننفقها –جميعًا- عليه. الآن يمتلك المركزي المصري ما يسمي بـ “مؤشر أسعار المستهلكين”، وهو التعويذة الرئيسية التي يستدعي بها العفريت الذي يخبره بدقة ما نسبة الغلاء الذي نواجهه؟

تخيل مدى سعادة السلطة المصرية -وأي سلطة- بهذه الهدية الثمينة التي تقدمها لها الرياضيات. تقول الرياضيات للسلطة إذا كانت أسعار السلع في الواقع خارج سيطرتك؛ فنسب الإنفاق على هذه السلع تحت سيطرة حساباتك، وبما أن لا أحد غيرك يحاول ارتكاب حماقة إصدار نسب عامة تعبر عن السلوك الإنفاقي للجميع، وبما أن التضخم هو حاصل ضرب زيادة الأسعار في نسب الإنفاق؛ فببساطة السلع التي ستصعد كثيرًا أعطها وزنًا نسبيًا أقل أيًا كان وزنها الفعلي بالنسبة للأشخاص.. وهكذا ستحصل على معدل تضخم أقل. أن تعلن السلطة المصرية -وأي سلطة- معدل تضخم منخفض هو أمر محبب إليها، ولكن هذه الرغبة ليست هي المحرك الأساسي للمركزي المصري عند القيام بحسابات التضخم؛ فالأهم من إعلان نسبة تضخم منخفضة هو إعلان نسبة تضخم عامة. تصوير التضخم باعتباره عبئًا موحدًا على الجميع. ما الذي يمكن أن نراه إذا تبنى المركزي بدهية أن سلوكنا الإنفاقي ونسب الإنفاق تتغير بتغير مستويات الدخل. الفقراء مثلا لا يكفي 100% من دخلهم لتجاوز بند واحد وهو الطعام، وإن تبنيت معيارًا موسعًا للفقر لن يكفي كل دخلهم لتجاوز الثلاثة بنود الأولى -غذاء، مأوى، ملبس-، التي يرى المركزي أن كلنا ننفق عليها أقل من 62% من دخلنا والباقي نوزعه على بقية بنوده الـ12. ماذا لو قرر المركزي بدلًا من أن يتبنى مؤشر أسعار مستهلكين موحد لجميع المصريين على اختلاف مستويات دخلهم، أن يتبني وليكن 5 مؤشرات أسعار مستهلكين تختلف باختلاف شرائح الدخل؟ ماذا لو كان المركزي يصدر نسبة تضخم للدخول تحت 2000 جنيه، ونسبة لشريحة الدخول فوق 20 ألف جنيه، وثلاث نسب لما بينهما من شرائح دخل.. ماذا كنا سنرى في هذه الحالة؟

يحب الاقتصاديون -صانعو الخطاب الاقتصادي السائد والنظرية السائدة التي تسمي “علم الاقتصاد”- رؤية العالم من خلال شيء اسمه المتوسطات الحسابية. يشبه المتوسط البسيط الذي تستخدمه أنت إذا كنت لا تمتلك دخلًا ثابتًا، وكان دخلك يختلف من شهر لشهر بين 3000 و5000 جنيه، ستقول إن متوسط دخلك الشهري هو 4000 جنيه. المتوسطات هي الوسيلة الأساسية للاقتصادي أو الإحصائي عندما يحب أن يعمم أو عندما يضطر لمواجهة الاختلاف وعدم التماثل الموجود في العالم. يمكن حذف أي اختلاف عن طريق إيجاد متوسط. اقتراحي السابق مثلا لعمل 5 مؤشرات أسعار مستهلكين تنتج 5 نسب تضخم. ألا يوجد لهذه الـ 5 شرائح من الدخل متوسط حسابي؟ احصل على شريحة الدخل التي تتوسط هذه الشرائح الخمس واعرف سلوكها الإنفاقي واحسب التضخم عندها ليكون عندك نسبة تضخم عام (الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء المصري يمتلك10 أنماط للإنفاق تختلف باختلاف 10 شرائح من الدخل، لكنه يحولها لمتوسط إنفاقي واحد ينتج نسبة تضخم واحدة). هذه هي الوظيفة الأساسية لأجهزة الإحصاء والبنوك المركزية: إيجاد متوسط يمكن التعميم من خلاله. ولتوضيح درجة العماء التي يمكن أن تصيبنا إذا نظرنا للعالم من خلال المتوسطات سأستعير مثالًا من نسيم طالب.

انزل الشارع واجمع ألف شخص بهدف حساب متوسط أطوالهم. ولكن اجمعهم بشكل عشوائي ولا تركز في تقارب الأطوال. بعد جمع ألف شخص، والتي ستتراوح أطوالهم غالبًا بين 165 و190 سم، احسب متوسط طول الألف شخص (مجموع أطوالهم/1000)، ولنفترض أنك حصلت على 174 سم كمتوسط لعينتك، اذهب مرة أخرى وعُد بأطول شخص تعرفه في حياتك، وليكن طوله 250 سم. أضفه لعينتك واحسب متوسط الأطوال من جديد، سيظل متوسط الأطوال 174 سم أيضًا؛ لأن الشخص الأطول لا يمثل طوله 0.002 من مجموع أطوال العينة؛ فحتى بعد إضافة فاره القامة إلى العينة سيظل متوسط 174 معبرًا عن جميع أطوال الأشخاص في عينتك   فجميعهم -باستثناء الأطول- تدور أطوالهم قريبًا من هذا المتوسط. اصرف الشخص الطويل لحال سبيله واترك الألف شخص كما هم في عينتك، وبدلًا من أن تحسب متوسط أطوالهم احسب هذه المرة متوسط دخولهم، ولنفترض أنها تتراوح بين 2000 و10000 جنيه  شهريًا، ولنفترض أنك حصلت على متوسط دخول 6 آلاف جنيه شهريًا. اذهب هذه المرة ليس لتأتي بأطول شخص تعرفه، ولكن أحضر بنجيب ساويرس، أضف نجيب الذي يبلغ دخله الشهري ولنقل 50 مليون جنيه. احسب متوسط الدخل في عينتك بعد إضافة ساويرس، سيترفع المتوسط من 6 آلاف إلى 56 ألفًا. وهذا المتوسط الجديد غير معبر عن أي دخل لأي شخص من الألف شخص، فهو أعلى بكثير من أعلى دخل فيهم وأقل بكثير من دخل ساويرس. المثال السابق عادة ما يستخدم كتبسيط لفكرة المتوسطات -بأنواعها- لا تصلح لكل البيئات. البيئات التي تحتوي على تفاوتات غير عنيفة مثل التفاوتات البيولوجية بين البشر: الطول، الوزن، مدة العمر.. والتي يسميها طالب (مديوكر ستان) يمكن لفكرة المتوسطات وقانون الأعداد الكبيرة أن تعمل بها، ولكن في (إكستريم استان)  البيئات التي تحتوي اختلافات عنيفة مثل التفاوتات في الدخل أو الثروة أو التفاوتات في عدد مشاهدات مقاطع الفيديو على “يوتيوب”، يكون الاعتماد على المتوسطات في هذه البيئة هو  الحماقة البالغة فأبعد نقطة عن معظم الأشخاص في عينتك ذات التفاوتات العنيفة، هي النقطة التي سيضعك فيها المتوسط الحسابي.

بعد إعمال المتوسطات في دخولنا أصبح أي شخص يعيش في مصر أيًا كان دخله، وأيًا كان حجم أسرته بالنسبة للمركزي ينفق 40% فقط على الغذاء. وينفق على الملابس والأحذية 5.4% أكثر مما ينفقه على التعليم 4.6%، ويساوي ما ينفقه على النقل والمواصلات 5.6%. المصريون جميعًا ينفقون على شيء اسمه التفاعل والثقافة 2.4% من دخلهم، أكثر مما ينفقونه على التدخين 2.1%، وينفقون على الخدمات الفندقية والمطاعم 4.4%، ما يساوي إنفاقهم على التعليم، وإنفاقهم على الخدمات الفندقية والمطاعم أكثر مما ينفقون على شراء الأثاث والأجهزة المنزلية، وجميع بنود صيانة منازلهم 3.7%. دعنا نقوم بتعديل بسيط في مؤشر المركزي المصري لأسعار المستهلكين تعديلًا يقربه قليلًا من السلوك الإنفاقي لبعض المصريين محددي الهوية، وليس المصريين الموحدين في أعين المركزي. سنطبق هذا التعديل على آخر تقرير شهري أصدره المركزي للتضخم كان عن شهر سبتمبر 2015. سنترك كل الأسعار (المشكوك فيها بقوة)، التي استخدمها المركزي لحساب التضخم كما هي، وسنعدل فقط في نسب الإنفاق تحديدًا في نسبتين مستفزتين، وهما الإنفاق على الطعام 39.92%، والإنفاق على التعليم 4.63% سنغير هاتين النسبتين لتكونا مشابهتين أكثر لإنفاق أسر صغيرة دخلها الشهري يدور حول 3000 جنيه. سنعدلهما لـ 55% إنفاق على الطعام، و15% إنفاق على التعليم. بعد التعديل البسيط على بندين فقط -ومثلما تفعل كل الأسر عند هذه الشرائح المنخفضة من الدخل، سنحذف بنود إنفاق مثل التفاعل والثقافة والخدمات الفندقية والأحذية، ولتعويض الزيادة في الإنفاق على التعليم والطعام- ستصل نسبة التضخم بتعديل بندين فقط إلى 11.5% بدلًا من الـ 9.2% التي أعلنها المركزي.

تخيل أن يقرر المركزي الابتعاد قليلًا عن متوسطاته العمياء، وقرر يتبنى 5 مؤشرات للأسعار تميز بين إنفاق أصحاب الدخول من 1200 إلى 3000 جنيه على الغذاء والمسكن والتعليم. وكيف تتغير هذه النسب في شريحة الدخول من 3500 إلى 5500، وهكذا صعودًا مع كل شريحة دخل. ليكون عنده 5 مؤشرات أسعار مستهلكين تقوم بحساب 5 نسب للتضخم. طريقة حساب مثل هذه -والتي تعني أن المركزي سيعطي أوزانًا نسبية كبيرة/ حقيقية للبنود التي ينفق أصحاب الدخول المنخفضة عليها أكثر مثل الطعام الذي دائمًا ما يحتوي نسبة غلاء أكثر من باقي البنود الأخري- غالبًا ستنتج إحصاءات مثل “بلغ معدل التضخم السنوي لشريحة دخل من 7000 إلى 11000 لهذا الشهر 8%، بينما كان معدل تضخم شريحة دخل من 1200 إلى 3000 للشهر نفسه 19%. بالإضافة إلى هذا الوجه غير المعتاد رؤيته من اللامساواة في توزيع الأزمة أو فشل السلطة الاقتصادي. هذا المعنى الذي دائمًا ما يردد مجازيًا، والذي يمكن أن يجسد رقميًا لو تبنى المركزي طريقة لحساب التضخم مثل هذه، بالإضافة إلى أن هذه الطريقة في الحساب يمكن أن تكشف ضلالة أن التضخم عبء عام، وتكشف ضلالة عمومية الأزمة الاقتصادية التي نعانيها جميعًا، ويجب أن نصطف جميعًا كمصريين لتجاوزها. هذه الضلالة التي تدفعك لاستئناس الغلاء باعتبارك واحدًا من الكثير. فطريقة حساب تعطي الناس هوياتهم وتعطي الأقل دخلًا نسبهم الأعلي في الإنفاق على الطعام والكهرباء والتعليم والمواصلات، يمكن أن تفضح بشكل فج وتجسد رقميًا أثر قرارات مثل: رفع الدعم عن الطاقة، وقرارات مثل القرار المنتظر بتقييد  الواردات وما سيلقيه من عبء على الأشخاص الأكثر إنفاقًا على الغذاء، وقرار مثل تعويم سعر العملة، وطريقة حساب تعطينا هوياتنا الاقتصادية ولا تطمسها يمكنها أن تقضي على مجازية خطاب السلطة حول الأزمة الاقتصادية التي نواجهها جميعًا صفًّا واحدًا، ويمكنها أن تعطي بعض الجمل المجازية في خطاب مناهضي السلطة، مثل الفقراء الذين يدفعون الثمن، أدلة واضحة ومجسدة رقميًا. ولكن بالإضافة إلى هذه الصور المزعجة بالنسبة للسلطة التي يمكن أن تظهر إذا تخلت عن طريقتها المضحكة لحساب التضخم. هناك صور درامية أخرى تحجبها طريقة الحساب الحالية. 

دعنا نعود لمؤشر المركزي المصري الذي ينتج لنا نسب التضخم الحالية، لن نعدل فيه شيء سنضعه فقط في منتصف أربعة مؤشرات أخرى، تعبر عن إنفاق شرائح الدخول أسفله وأعلاه، وسنحاول تسكين أفراد المجتمع في هذه الأنماط الخمسة، بدلًا من حشرهم جميعًا في نمط واحد غير معبر. وسنسمح للغلاء بأن يؤثر في نسب إنفاقنا -كما يحدث في الواقع. تعالي نتابع المؤشر الثالث باعتباره المتوسط بين المؤشرات الخمسة، والذي كان أصحابه ينفقون على الطعام 40% من دخلهم، وباقي النسب الموجودة في مؤشر المركزي الحالي. في مصر من أكثر السلع التي تحافظ على ارتفاع مستمر في أسعارها هو الغذاء، فمصر تعاني -بأسعار المركزي- من غلاء في بند غذاء أعلى دائمًا من بنود الإنفاق الأخرى. الأشخاص الذين كانوا ينفقون 40% من دخلهم على الغذاء عندما ترتفع أسعاره كالعادة -في ظل ثبات دخولهم- ماذا سيفعلون؟ إما سيقللون استهلاكهم من الغذاء أو سيزودون نسبة إنفاقهم عليه. ولو كانت الـ40% التي ينفقونها على الغذاء هي لتلبية احتياجاتهم الأساسية التي لا يمكن تقليصها، لن يكون أمامهم غير زيادة نسبة إنفاقهم على الغذاء وشطب بعض بنود الإنفاق الأخرى.

الآن يسهل ملاحظة الأشخاص الذين كانوا يسكنون المؤشر الثالث ذات الـ40% إنفاق على الغذاء وبعض الحرية في الإنفاق على بنود متنوعة، مضطرين لزيادة نسبة إنفاقهم من 40% إلى نسب 50 أو 60%، أو يسهل ملاحظتهم ينزحون في ظل تضخم الغذاء إلى مؤشرات الأشخاص الأقل دخلًا ذات نسب إنفاق أعلى من 40% على الغذاء وحرية أقل في الإنفاق على البنود الأخرى. يسهل ملاحظة نزوح الكثير من المؤشر الثالث إلى المؤشر قبل الأخير، وأشخاص المؤشر قبل الأخير إلى المؤشر الأخير ذات نسب الإنفاق الأعلى على الغذاء، وذات بنود الإنفاق الكثيرة الملغية يسهل ملاحظة صعوبة البقاء في مؤشر المتوسط بعيدًا عن المؤشرات الأكثر تعاسة، فمن هم في المتوسط ينحدرون إلى أسفل بفعل التضخم، ومن هم فوق المتوسط  يملكون قدرة فريدة على التمسك بمؤشراتهم، أو قدرة على الاحتفاظ بنسب إنفاقهم نفسها على السلع حتى في ظل الغلاء؛ لأن جزءًا كبيرًا من استهلاكهم ليس أساسيًا ويمكن تقليصه، وهكذا كلما قلت النزعات الترفيهية في استهلاكك، أو كلما كنت في المتوسط وما تحته كلما زادت قوة ضغط الغلاء عليك لأسفل، وكلما كنت بعيدًا لأعلى عن المتوسط كلما استطعت أن تستمر بعيدًا عنه. لو سمح المركزي للصورة أن تتحرك سيظهر المؤشر العام -الذي يتبناه المركزي لحساب التضخم- خاويًا من الأشخاص ويزداد خواءً.. بمرور الوقت سيظهر مؤشره لا يعبر عن أحد.

لو كان عند المركزي المصري -وأغلب مصدري بيانات التضخم- الجرأة لإعطائنا هوياتنا وعدم طمسها بمتوسطاتهم، لو تركوا الأرقام تتحرك كما يتحرك الواقع، كنا سنسمع منهم ليس فقط نسبًا أعلى للتضخم، ولم يكن الأمر سيتوقف عند مشاهدتنا بثًّا حيًّا ومفصلًا للفقر، وهو يتشكل بفعل سياسات الإصلاح الاقتصادي ومكافحة الفقر. بل كنا سنرى التضخم تهديدًا جديًّا يدفع الكل باستثناء الطبقات الأعلى نحو مناطق أكثر تعاسة. كنا سننتبه للتضخم وكان سيفقد كثيرًا من ألفته كرقم من ضمن أرقام كثيرة خرقاء يخبرنا بها الاقتصاديون. كان سيسهل ربط كلمة انهيار اقتصادي التي تستدعي في دماغ معظمنا صورًا درامية، مثل: “شح شديد في السلع الأساسيةـ  جياع ـ طوابير على منافذ الإعانات والدعم ـ مشردين”. كان سيسهل ربط كلمة انهيار اقتصادي بكلمة تضخم. كان سيسهل اكتشاف أن صور الانهيار الاقتصادي في دماغنا هي تجسيد درامي لنسب التضخم العالية. كنا سنرى زيادة نسب التضخم على الأشخاص الأقل دخلًا مقارنة بالأعلى دخلًا وجهًا آخر لعدم المساواة؛ ففي حين يثيرنا عدم مساواة توزيع الدخل لأن السلطة لا تستطيع إخفاءه لا نرى بوضوح عدم المساواة في توزيع أعباء الأزمات وفشل السلطة. في هذه السنة احتج معلمون لتوحيد الكادر التعليمي، وقبلها احتج موظفو قطاع ضريبي لمساواة أجورهم بقطاع آخر، واحتج عمال النسيج للمطالبة بصرف علاوة قدرها 10% من أجورهم، ويلوح قطاع عريض من الموظفين باحتمال احتجاجهم على قانون العمل الذي يحتمل أن يخفض رواتبهم بنسب غير معروفة بدقة لهم. في حين لم نر احتجاجًا واحدًا على نسب تضخم تعتبر خصمًا سنويًا ومؤكدًا لرواتبهم وأجورهم، تضخم يبتلع سنويًا ضعف الزيادات الأجرية التي يطالبون بها كل 5 أو 10 سنوات. كانت هذه الصورة ستختلف كثيرًا وكنا سننفعل بالتضخم الانفعال اللائق لو توقف المركزي عن تعميمه، لو توقف عن إخفاء اللامساواة والتهديد وراء هذا الوباء المستأنس. أو لو بدأنا في تصميم إحصاءاتنا البديلة التي تخفف ولو قليلًا من عمائنا.

عن كيف يمكن أن يغذي استئناسنا للغلاء معدلات الغلاء الذي سنواجهها قريبًا.. عن تصوراتنا عن درجة تحملنا للغلاء.. وتصورات السلطة لهذه الدرجة عن تسونامي الغلاء المقبل… سيدور موضوع المقال الثاني من هذه السلسلة.

اعلان