Define your generation here. Generation What
في انتخابات اتحادات الطلاب بالجامعات.. السياسة تحتضر
 
 

“عشرة مدرعات تجوب ساحة جامعة الأزهر يوميًا وأصوات سرائنها لا تتوقف”، هكذا وصف محمد عاطف -القائم بأعمال اتحاد طلبة جامعة الأزهر- لـ “مدى مصر” المشهد داخل الجامعة حاليًا، والتي شهدت قبل عامين الاشتباكات الأكثر دموية بين طلاب الجامعات وقوات الشرطة، بعد عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي.

حينما توجه عاطف لإدارة رعاية الشباب بالجامعة للسؤال عن جدول انعقاد انتخابات اتحاد الطلبة، قيل له إن إدارة الجامعة ليس لديها أي معلومات عن الموضوع.

يقول عاطف: “أعتقد أن إجراء انتخابات في مثل هذه الأجواء هو من ضروب الرفاهية”.

كان نشاط اتحاد طلبة جامعة الأزهر واتحادات طلبة كلياتها المختلفة قد تم تجميده أثناء الصراع السياسي الدامي الذي اندلع بين الدولة وجماعة الإخوان المسلمين في عام 2013، إذ انتمت معظم القيادات الطلابية في الجامعة وقتذاك للجماعة المحظورة. وتم تحويل عدد كبير منهم لمجالس تأديبية انتهت إلى فصل الكثيرين فصًلا نهائيًا أو مؤقتًا، بينما حُرم الكثيرون من الإقامة في المدن الجامعية. كان عاطف نفسه أحد هؤلاء، وأحيل لمجلس تأديبي قرر فصله لمدة أسبوعين وحرمانه من الإقامة بالمدينة الجامعية.

ولا يختلف الحال كثيرًا في باقي الجامعات الحكومية المصرية، حيث عبرت خريطة التحالفات بين المجموعات الطلابية المختلفة عن عزوف واضح عن الانخراط في السياسة والبُعد عن أي تحالفات مرتبطة بمجموعات أو حركات سياسية بعينها. وأشارت تلك الخريطة إلى تكون ثلاث كتل طلابية تنتوي خوض الانتخابات الحالية، التي ستبدأ يوم 16 نوفمبر الجاري في مختلف الجامعات -عدا جامعة الأزهر التي لن تقام بها انتخابات- أولها ائتلاف “صوت طلاب مصر”، الذي أشار الكثيرون إلى انتمائه للدولة وتعبيره عن اتجاه عام لإنهاء وجود أي أفكار سياسية داخل الحرم الجامعي. فيما تكونت الكتلة الثانية من الطلبة المنتمين لأحزاب وحركات ثورية مناهضة للسلطة وتوجهات قمع الحريات الأكاديمية، والتي كوّنت على استحياء بعض التحالفات في جامعات القاهرة، والإسكندرية، وعين شمس وحلوان. وتمثل الكتلة الثالثة الطلاب المستقلين من أسر طلابية خدمية تعلن عدم انتمائها لأيٍ من الحركات السياسية المؤيدة أوالمعارضة للنظام. وبعيدًا عن الكتل الثلاثة، أعلن طلاب جماعة الإخوان المسلمين -ممثلين في حركة “طلاب ضد الانقلاب”- مقاطعتهم للانتخابات الحالية، وذلك عبر حملة “حقنا” التي وصفوا فيها الانتخابات الطلابية بـ”المسرحية الساذجة”.

يقول الطالب عمر جابر -ممثل حركة “صوت الميدان” بجامعة الاسكندرية- إن الحركة تحاول التنسيق مع طلاب الحركات الثورية الأخرى لتكوين قوائم تعمل على حل مشكلات الطلبة المفصولين والمعتقلين على خلفية أحداث العنف التي شهدتها الجامعة.

كانت جامعة الإسكندرية قد شهدت خلال العام قبل الماضي أحداث عنف خلفت الآلاف من الطلبة المفصولين والمعتقلين، بالإضافة لمقتل قرابة الـ 17 طالبًا.

وطبقًا لجابر، يضم التحالف طلاب أحزاب: الدستور، ومصر القوية، والمصري الديمقراطي الاجتماعي، والتيار الشعبي، وحركات: الاشتراكيون الثوريون، و6 أبريل، ومقاومة. ويصف جابر المشهد من وجهة نظرهم بقوله: “نحاول أن ندفع بشعاراتنا الثورية ولكن على استحياء، فلم يعد الطلبة يتحملون الخطابات السياسية الراديكالية، على عكس انتخابات 2013. لقد تراجعنا خطوات كثيرة للوراء”.

كانت انتخابات اتحاد الطلبة في بداية عام 2013 هي العصر الذهبي للتنافس السياسي داخل الجامعات المصرية، حيث أتيحت الفرصة للمرة الأولى لوجود تنافس سياسي قوي بين القوى الطلابية المختلفة، انتهى إلى فوز طلاب الحركات الثورية بقرابة نصف مقاعد اتحاد طلاب مصر، وخسارة طلاب الإخوان المسلمين للعديد من مقاعد الاتحاد التي سيطروا عليها بشكل قوي منذ اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير.

أما في الانتخابات الحالية، يعد الطلبة المستقلون هم الرهان الرابح. حيث اتجه الكثير من الطلاب غير المسيسين المؤسسين للأسر والأنشطة الطلابية الخدمية والاجتماعية للترشح على قوائم انتخابية متعددة رافعين شعار “لا للسياسة ونعم لخدمة الطلاب فقط”.

يقول أحمد عادل -مؤسس أسرة “شباب بيحب بلده” بجامعة عين شمس- إنه مُصِّر على خوض الانتخابات الطلابية بعيدًا عن أي أجندات سياسية. ويضيف: “اعتمدنا منذ بداية عملنا الطلابي على تمويل أنفسنا بأنفسنا، بدون الاعتماد على المال السياسي وما يحمله من أجندات سياسية تتجاوز مصالح الطلاب. أي مشكلة يواجهها الطلبة يمكن حلها بشكل ودي مع إدارة الجامعة بدون بلبلة وبدون مواجهات”.

يرى عادل أن هذه الطريقة في التعامل مع مشكلات الطلبة ستشمل أيضًا قضايا الطلاب المفصولين والمعتقلين، مؤكدًا: “لا نحتاج أن نكون مسيسين للمطالبة بحقوق الطلبة الذين يعانون من مشكلات بسبب توجهاتهم السياسية. فهم ما زالوا طلبة ولديهم حقوق”، وهنا يتسائل “عما فعلته الاتحادات الطلابية المسيسة لهؤلاء الطلاب. الحركات السياسية داخل الجامعات لا تعرض أي برامج انتخابية حقيقية، فقط يمثلون مصالحهم السياسية”.

لكن جابر يعود ليختلف مع اتهامات عادل، فهو يرى أن جزءًا كبيرًا من عجز طلاب الحركات السياسية عن التفاعل مع مطالب المجتمع الطلابي يعود بالأساس للملاحقات الأمنية، ويضيف شارحًا: “لا نستطيع حتى إنشاء أسر طلابية معلنة، إذ يتم رفضها من قبل إدارة الجامعة، وأي عمل راديكالي قد يعرضنا للاعتقال أو الفصل. حاولنا عمل حملات ترفع مطالب طلابية بحتة وغير مسيسة مثل: مجانية التعليم وتخفيض المصروفات ومواجهة غلاء أسعار الكتب، ولكن تم مواجهتنا بالمنع”.

ما يقوله جابر تظهر ملامحه في تعديلات اللائحة المالية والإدارية التي أصدرتها وزارة التعليم العالي في 18 أكتوبر الماضي، ونُشرت في الجريدة الرسمية، والتي نظمت شروط الترشح لانتخابات الاتحادات الطلابية بالجامعات. ويشترط التعديل الجديد أن يكون الطالب مسددًا للرسوم الدراسية، وألا يكون “قد وقع عليه جزاءات تأديبية”، واﻷهم هو ألا يكون “منتميًا إلى أي تنظيم أو جماعة إرهابية يجرمها القانون”.  

وأشار عدد من التقارير الصحفية إلى أن القرار يحمل إشارة واضحة لمنع طلاب الإخوان المسلمين وطلاب حركة 6 أبريل من دخول الانتخابات، حيث حظرت محكمة الأمور المستعجلة أنشطة التنظيمين في عام 2013. إلا أن الدكتور صبحي حسنين -نائب رئيس اللجنة العليا للخدمات والأنشطة الطلابية بوزارة التعليم العالي- نفى لـ “مدى مصر” أي نية لمنع الطلاب من الترشح بهذه الطريقة. وأضاف: “سيتم منع الطلبة الذين صدر ضدهم أحكام قضائية أو تعرضوا لجزاءات بموجب قرارات المجالس التأديبية بالجامعات. لا يمكن حرمان الطلبة من حقهم في الترشح على أساس انتماءات سياسية معينة”.

إلا أن محمد ناجي- مسؤول ملف الحريات والحقوق الطلابية بمؤسسة حرية الفكر والتعبير- يؤكد أن هذه القرارات يتم تنفيذها بشكل غير رسمي. يقول ناجي أنه تم استخدام سلطة المجالس التأديبية بشكل موسع ضد الكثير من الطلاب بشكل تعسفي على مدار العامين الماضيين، وأن حرمان هؤلاء من الترشح يعني معاقبتهم مرتين.

وتشهد التحالفات الطلابية التي يُشار إلى انتمائها للدولة الكثير من الجدل، حيث يرفض كثير من الطلاب الممثلين لها ربط أنفسهم بالدولة.

كانت تقارير صحفية قد أشارت إلى تحالف طلاب حزب مستقبل وطن -الذي اشتهر مؤسسه محمد بدران، وهو رئيس اتحاد طلاب مصر السابق، بعلاقته الوثيقة بالرئيس عبد الفتاح السيسي- وأيضًا إلى تحالفات طلابية أخرى مثل “صوت طلاب مصر” و”تحيا مصر” باعتبارها منتمية للدولة أو مدعومة منها بشكل ما. إلا أن محمد بسيوني من تحالف “تحيا مصر” أكد لـ “مدى مصر” أن التحالف أعلن انسحابه من الانتخابات على خلفية الاتهامات الموجهة له بانتمائه للدولة. وأضاف: “سنترشح العام القادم على 100% من مقاعد الاتحادات؛ لنثبت للجميع أننا لا نطمح للسلطة ولا نسعى أن نكون مرتبطين بها بأي شكل”.

أما سعد نديم -القيادي بتحالف “صوت طلاب مصر”- فأصر على عدم وجود أي تحالف مع طلاب حزب مستقبل وطن أو “تحيا مصر”، مؤكدًا أن التحالف مكون من طلاب الأسر الكبرى بالجامعات، والعاملين بشكل مستقل عن الحركات السياسية المؤيدة والمعارضة على السواء. وأضاف شارحًا: “نحن نرفض بشكل واضح دخول الأحزاب للجامعات، كفانا الدخول في صراعات سياسية لا طائل لها. بالطبع لن نتجاهل حقوق الطلاب المرتبطين بقضايا سياسية، ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن نكون مسيسين”.

وبينما يتركز الصراع الانتخابي، الضعيف أصلًا، في الجامعات الكبرى في العاصمة، القاهرة، تعيش الجامعات الإقليمية حالة من الانعزال والبعد عن أي صراع انتخابي حقيقي.

يقول مؤمن عصام -ممثل طلاب حزب العيش والحرية بجامعة أسيوط- إن الانتخابات في الجامعة تقتصر على ترشح الطلاب المستقلين بشكل فردي تمامًا بعيدًا أن أي تحالفات انتخابية، حيث أصبحت السياسة “ميتة تماما” على حد قوله.

ويتفق محمد ناجي مع طرح عصام، مؤكدًا أن التقارير الواردة من مختلف الجامعات تشير لضعف الإقبال على الترشح للانتخابات، حيث لم تصل أعداد المرشحين في بعض الكليات للنصاب المطلوب للمقاعد التي سيتم الانتخاب عليها، مما قد يؤدي “لفتح الباب واسعًا أمام إدارات الجامعات للدفع بطلبة مرتبطين بالدولة والأجهزة الأمنية بكل سهولة للسيطرة على مقاعد الاتحادات الطلابية”.

ويضيف: “السياسة ماتت تمامًا داخل الجامعات المصرية، ومات معها التنافس الطلابي لدرجة دفعت بالطلاب المسيسين لإخفاء انتماءاتهم السياسية حتى يستطيعوا الترشح”

اعلان
 
 
مي شمس الدين