Define your generation here. Generation What

حسام بهجت.. الحرّيف

تلقيت خبر استدعاء حسام بهجت للمثول أمام المخابرات الحربية بعد دقائق من استيقاظي صباح يوم خريفي مشمس على الجانب الآخر من العالم، أثناء وجودي بولاية بوسطن الأمريكية. منذ أن انتقلت إلى الساحل الشرقي للولايات المتحدة وأنا أعيد اكتشاف جدوى الحياة. أحاول أن أرى أبعد مما تنقله مواقع الصحف وتايملاين وسائل التواصل الاجتماعي من أخبار الوطن. أحاول أيضا- حفظًا لسلامتي النفسية والجسدية- إعادة صياغة علاقتي بالوطن.

“إحنا لازم نفتح درج نحط فيه كل الأخبار اللي بتيجي من مصر دي.. ونقفله وننساه عشان نعرف نعيش”.

في الأسبوع الماضي، ما بين الكثير من المحاضرات الدراسية، والنقاشات المفتوحة، والأمسيات الفنية، والموسيقى الخفية التي تنبعث من جنبات الطرق في جامعات الساحل الشرقي للولايات المتحدة، التقيت بمجموعة من الأصدقاء المصريين، وكالعادة “نفتح الدرج” ونجتر خيبات الوطن لبعض الوقت، ثم نعيد أخبار الوطن للدرج المقفول. أتذكر جيدًا أن الأسبوع الماضي تحديدًا أتيت على ذكر حسام بهجت مرتين. حكيت للأصدقاء أنه في الربيع الماضي كان حسام مقيمًا في مدينتي المفضلة نيويورك. حينها كان حسام “تعيسًا” في مكان يصعب فيه مجرد التفكير في أن التعاسة خيار. وكانت سعادته مرتبطة بالعودة إلى مصر.

“لما الكل كان بيسيب البلد حسام كان بيرجع”.

أخبرت الأصدقاء أنني ما رأيت حسام منتجًا في العمل بالقدر الذي أراه منذ أن عاد إلى مصر في الصيف الماضي. “حسام بيكتب كل يوم؟! دي معجزة!” في عاموده اليومي بـ”مدى مصر” يوميات قارىء صحف، يقرأ لنا حسام كل يوم أخبار مصر التي أنصح أنا بوضعها في درج مقفول، ويُعلق عليها تعليقات محلل ذكي محترف.

لم يكن حسام قادرًا على تطبيق نظرية “الدرج المقفول” التي خرجت بها ناصحة كل من أعرفه لينجو بسلامته الشخصية، إذا كان ذلك حصرًا هو ما يستطيع كُل منا النجاة به في الوقت الحالي.

ذلك ببساطة لأن حسام بالطبع غيري.

حصلت أنا وحسام على شهادة بكالوريوس الاقتصاد والعلوم السياسية في العام نفسه. وبينما اخترت أنا حينها بابًا لدخول عالم مهني مفتاحه الاستقرار، اختار هو عالم مهني مفتاحه النضال. أسس حسام بهجت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وكان عدد العاملين بها ستة أشخاص، ومواردها خمسة آلاف جنيه أقرضها له أحمد سيف الإسلام. ومنذ ذلك الحين ارتبطت أسباب سعادة حسام وإحباطه ومكاسبه وخساراته بمعارك يخوضها من أجل أن تكون مصر وطنًا يسع الجميع.

في كل معاركه، سواء في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أو في عمله الصحفي المتميز عقب ذلك في “مدى مصر”، لم يكن حسام “ناشطًا سياسيًا”- بصرف النظر عما ينطوي عليه ذلك الوصف من مدلول إيجابي أو سلبي- بل هو الحقوقي المحترف والصحفي الحرّيف. لم يختلف ما يفعله حسام بهجت تحت حكم مبارك عن حكم المجلس العسكري عن حكم الإخوان المسلمين عن حكم ما بعد 30 يونيو- باستثناء أن حسام لم يتعرض للاحتجاز من قبل.

على مدار أكثر من عقد من الزمن، تحولت “المبادرة المصرية” إلى أكبر منظمة حقوقية في مصر، متبنية ذلك النموذج من الاحتراف المهني المبنى على مجموعة من القيم والمبادئ الصلبة- هناك لا تتحول القيم والمبادئ إلى شعارات أو هتافات، بل تتحول إلى عمل جاد يقوم به خبراء محترفون. اعتمدت المنظمة منذ بدء عملها، وعقب توسع نشاطها فيما بعد ثورة يناير، على أسلوب عمل يخلط بين البحث والتوثيق والتقاضي وحملات الدعوة- والذي يتضمن العمل مع مؤسسات الدولة من سلطة تشريعية وتنفيذية للوصول الى حلول إصلاحية وإحداث تغيير بشكل تعاوني مع السلطة الحاكمة. مثلا، شارك حسام عقب ثورة يناير في اجتماعات مع مسئولين بوزارة الداخلية المصرية لطرح مبادرات حول إصلاح العمل الشرطي، وعمل مع وزارات مختلفة لطرح أفكار مبادرات ومشروعات قوانين تخدم “الصالح العام”- ذلك الصالح العام الذي يتهمونه اليوم بأنه يسعى للإضرار به.

وباعتباره ذلك الحقوقي المهني المحترف، تم اختياره للتعيين في المجلس القومي لحقوق الإنسان في يوليو 2013، وهو المجلس الذي أصدر قرار تشكيله رئيس مجلس الوزراء في حينها حازم الببلاوي، وهو المجلس الذي ينص قانونه التأسيسي على أن يكون أعضاؤه “من الشخصيات العامة المشهود لها بالخبرة والاهتمام بمسائل حقوق الإنسان، أو من ذوى العطاء المتميز فى هذا المجال”. ولكن حسام بهجت، بعد تفكير ومشاورات مع زملائه وأصدقائه، اختار الاعتذار عن تكليف رئيس الوزراء، والاستمرار في نضاله الذي اختاره مع “المبادرة المصرية” ثم “مدى مصر”.

“لما نموت هيقولوا حاولنا”، يقول حسام عن يوم عمل حافل في مقر “المبادرة المصرية” عام 2013، والتي كانت في حينها تضم أكثر من سبعين عضوًا.

***

يحب حسام الشيشة والدومينو، ويحب- مثلي- قراءة الجرائد في صورتها الورقية. يحب أيضا مختلف أنواع المأكولات. حين بدأت موجة من الإضراب عن الطعام بين أصدقائنا المشتركين من السجناء العام الماضي، كتب حسام على صفحة الفيسبوك الخاصة به: “لو دخلت السجن ما تعملوش حسابي في موضوع الإضراب عن الطعام ده”. اليوم لا تستطيع أسرة حسام إرسال طعام له؛ لأنهم ببساطة لا يعرفون مكان احتجازه.

كان بإمكان حسام أن يحتفظ بجرائده الورقية وطعامه ويُبدّي سلامته الشخصية على “الصالح العام”، ويبقى خارج الوطن، ويطبق نظرية “الدرج المقفول” التي أنادي بها. لكن لأنه حسام، أخرج أوراق القضية (رقم 3/2015) من الدرج المقفول وكتب عنها تحقيقًا مطولًا يحمل بصمة أسلوبه الصحفي الشيق المميز وشديد الحرفية.

لأنه “الحرّيف” كان حسام يعرف ما يمكن أن يتعرض له جراء نشر مثل هذا التحقيق في أزهى عصور الحرية التي تمر بها مصر حاليًا.

ولأنه “الحريف” ذهب حسام طواعية إلى مقر المخابرات الحربية وهو يعرف جيدًا أن فرص خروجه أقل كثيرًا من فرص بقائه في ضيافة من استدعوه من أجل قليل من الدردشة.

ويعرف حسام أيضًا أنه إذا ما مر بتجربة قاسية، فإنها لن تكون بقسوة ما عاشه من قبل حين كان ضمن أول من توجهوا للمستشفى القبطي عقب مذبحة ماسبيرو.. يعرف أنه إذا ما انهزم لا ينكسر.

وربما يعرف حسام- أينما هو الآن وحتى مثوله مرة أخرى أمام النيابة العسكرية بعد انقضاء الأيام الأربعة السوداء- أن تحقيقاته الصحفية تجوب منذ الأمس وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام العربية والأجنبية، وأن من لم يقرأها من قبل سيقرأها الآن. وربما يعرف أيضا أن راية “لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين” التي اختفت طويلًا منذ قضية وقفة مجلس الشورى (نوفمبر 2013)، عادت لترتفع مرة أخرى إلى جانب اسمه الذي تحول- للأسف- إلى هاشتاج. بل أنه للمرة الأولى منذ مظاهرة الاتحادية، التي دفع الأصدقاء من أعمارهم 15 شهرًا بسببها، سيعود “شباب الثورة الأوّلون” مرة أخرى إلى سلم نقابة الصحفيين، لأن الحريف.. حسام.. تمنه غالي.

فهل يفهم من يحتجزونه أن لا طاقة لهم بهذا الثمن؟

اعلان
 
 
حنان البدوي