Define your generation here. Generation What
مصير المختفين قسريًا.. “خلية البلاعات” ليسوا الأسوأ
 
 

أعلنت وزارة الداخلية يوم السبت الماضي أنها تمكنت من القبض على خلية تابعة لجماعة الإخوان المسلمين في الإسكندرية، متورطة في أعمال عدائية من ضمنها “سد المصارف ومواسير الصرف الصحي بإلقاء خلطة أسمنتية بداخلها لعدم تصريف المياة، وحرق وإتلاف محولات الكهرباء وصناديق القمامة لإحداث أزمات بالمحافظة، وايجاد حالة من السخط الجماهيري ضد النظم القائم”، تبعا لبيان الوزارة.

وعرضت الوزارة على صفحتها الرسمية مقطعًا مصورًا تضمن “اعترفات” متهمين في القضية، قال أحدهم إنه عضو في جماعة الإخوان، وإنه و”شركاء” له أقدموا على سد المجاري عبر فتح البلاعات وإلقاء خليط من الأسمنت والزلط فيها، فيما اعترف آخر بزرع عبوة ناسفة أمام مقر لجنة انتخابية في محاولة لصرف الناخبين عن التصويت في المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية.

وبعيدًا عما أثاره الإعلان عن القبض على ما عُرفت لاحقا بـ”خلية البلاعات” من سخرية من محاولة إلصاق أزمة غرق الإسكندرية في مياة الأمطار بجماعة الإخوان المسلمين، إلا أن الإعلان عن أسماء المتهمين وتصوير بعضهم سرعان ما كشف عن مصير 17 من المختفين قسريًا، أو “على الأقل تسعة ممن تتولى المفوضية البحث عن مصيرهم” بحسب ما قال عبد الرحمن جاد- الباحث في المفوضية المصرية للحقوق والحريات.

محمود سلامة محمد- وهو محاسب سكندري- هو واحد من أولئك التسعة على سبيل المثال، والذي قالت زوجته لـ”مدى مصر” إن زوجها اختفى فجأة، بعد أن ذهب، في 18 أكتوبر الماضي، في زيارة- لم يعد منها- لتهنئة صديق بزواجه.

وأضافت: “عرفت بعدها إنهم (قوات الشرطة) ألقوا القبض عليه وعلى باقي ضيوف العريس، وعلى العريس نفسه ووالده”.

واستكملت عن فترة اختفائه: “ظل مصيره غامضًا لمدة تسعة أيام تقدمت خلالهم ببلاغ، لم اتهم فيه احدا، للنائب العام حول اختفاء زوجي. لكن شيئًا لم يحدث إلى أن اكتشفت لاحقًا أنه يقبع في مديرية أمن الإسكندية”.

بعد أن عرفت مكان زوجها، بدأت مرحلة جديدة بالنسبة لها: “حين سألت عنه في المديرية قيل لي إنه هناك في الدور الرابع.. الجميع يعلم أن الدور الرابع هو مقر للتعذيب ونزع الاعترافات.. انتظرت وقتها طويلًا ولم يُسمح لي بلقائه، ثم انتظرت أسبوعًا كاملًا إلى أن حل الموعد التالي للزيارة والتقيته لمدة دقائق، طلب مني خلالها أن أحاول من جانبي الاتصال بمحامين لفهم طبيعة التهمة، لأنه كان قد عُرض على النيابة التي جددت حبسه 15 يومًا دون أن يعلم التهمة الموجهة له أصلًا”.

وبحسب روايتها، جددت النيابة أمس حبس محمود 15 يومًا أخرى، ولكن بعدما أعلنت التهمة الموجهة له.

واختتمت الزوجة: “زوجي يعارض الرئيس السيسي لكنه لم يشارك في أي فاعليات ولا تظاهرات، واقع الأمر أنهم (قوات الأمن) استمروا في القبض عشوائيًا على الكثيرين لمدة خمسة أيام قبل القبض عليه، ما يعني أنهم قبضوا عليه هو الآخر على النحو نفسه، الذي تضمن القبض على طالب في المرحلة الثانوية أثناء وجوده في الشارع”.

تبعًا لعبد الرحمن جاد، تعد حالات الاختفاء القسري التي تنتهي بظهور المختفين في صورة متهمين هي الأكثر انتشارًا.

يضيف جاد: “غالبًا ما يكون الهدف من إخفاء الناس هو استخدامهم لاحقًا كمتهمين في قضايا عجزت وزارة الداخلية عن القبض على فاعليها الحقيقيين”.

بحسب جاد، يعد إسلام خليل واحدًا من أولئك الذين اختفوا لشهور قبل أن يظهروا مجددًا كمتهمين.

واختفى خليل بعدما ألقي القبض عليه من منزله في طنطا مع شقيقه نور ووالده في مايو من العام 2014، حسبما يقول نور نفسه، والذي كان الأوفر حظًا بين الثلاثة.

ويروي نور ما حدث معه هو وشقيقه: “سبق واعتقلتني قوات الأمن في ميدان مصطفى محمود في 25 يناير من العام نفسه بتهمة التظاهر بدون ترخيص، لكني نلت بعدها حكما بالبراءة، ومع ذلك داهمت قوات الأمن منزلي عدة مرات؛ في محاولة لاعتقالي، لكن تلك المداهمات كانت تصادف أوقاتًا كنت فيها غائبًا عن المنزل، إلى أن وجدوني في المنزل في إحدى تلك المرات، لكنهم لم يكتفوا بي”.

يستكمل نور قائلًا إن قوات الامن عصبت عينيه وأبقته على هذا النحو طوال فترة التحقيق معه، والتي استمرت لأربعة أيام، “حتى إنني لم أعلم أصلًا أين كانوا يحتجزونني، إلى أن قرروا الإفراج عني بعدما تلقيت تهديدات بالقتل” حسبما يضيف، موضحًا أن والده ظهر بعدها بثمانية أيام بعد الإفراج عنه هو الآخر، في حين بقى مصير شقيقه مجهولًا لمدة 122 يومًا.

يواجه إسلام حاليًا اتهامات بالانتماء لتنظيم إرهابي، ويقول شقيقه إنه فوجئ بآثار التعذيب ظاهرة على جسده حين التقاه للمرة الأولى بعد شهور من الاختفاء القسري، وهو ما أثبتته النيابة العامة بالفعل في محضر التحقيق.

“ومع ذلك رفضت النيابة عرض إسلام على الطب الشرعي، وتماطل حتى في علاجه”، تبعًا لنور الذي يبدي دهشته مما نال شقيقه من “تنكيل”، بالرغم من أن علاقته كانت دومًا منعدمة بالعمل السياسي، بعكس نور نفسه الذي اعتاد المشاركة في فاعليات احتجاجية متكررة.

ورغم ذلك، يبدو إسلام أسعد حالًا من آخرين اختفوا دون أثر، مثل عبد الحميد محمد، طالب كلية الشريعة والقانون في جامعة طنطا، والذي اختفى يوم فضت قوات الأمن اعتصام رابعة العدوية في أغسطس 2013.

تقول والدة عبد الحميد لـ”مدى مصر” إن زملاء له في الاعتصام أخبروها لاحقًا أنهم شاهدوه لآخر مرة في الساعة السابعة من مساء ذلك اليوم، في منطقة كانت قوات الأمن قد حاصرتها بالكامل.

بحثت أسرة عبد الحميد عنه في مشرحة زينهم وفي عدد من المستشفيات التي كان يتم تجميع جثث ضحايا فض الاعتصام فيها، لكنه لم يكن ضمن الجثث، فقدمت الأسرة بلاغًا للنائب العام، جرت إحالته لنيابة شرق القاهرة، لكن دون جدوى.

“إلى أن وصلتنا معلومات عن وجود عبد الحميد ضمن المعتقلين في سجن العزولي الحربي في الاسماعيلية، والتابع لقيادة الجيش الثاني” تقول الأم التي أضافت أنها ووالده تأكدا من وجود ابنهما هناك بالفعل، عبر تأكيدات من محامين عسكريين في السجن نفسه وسمحوا لهم بتمرير ملابس له.

تستكمل الأم: “بعدها بأيام حاولنا زيارته، فقيل لنا إنه جرى ترحيله إلى مكان غير معلوم، واختفى كل أثر لابني من وقتها”، وتضيف أن والده توفي بعد ذلك على إثر إصابته بمرض السكري جراء تدهور حالته النفسية، وأنها بقت وحيدة في انتظار ظهور ابنها.

من جانبه، يرى عبد الرحمن جاد أن الاختفاء القسري لم يتحول لظاهرة سوى في عهد وزير الداخلية الحالي مجدي عبد الغفار، وعلى يد قطاع الأمن الوطني في الأساس. وسبق لعبد الغفار تولي رئاسة قطاع الأمن الوطني بداية من ديسمبر 2011، وحتى بلوغه سن المعاش في أغسطس 2012.

أحد البيانات الصادرة عن حملة “أوقفوا الاختفاء القسري” قال إنه “خلال شهري أغسطس وسبتمبر تمكنت الحملة من رصد 215 حالة اختفاء قسري في مدن مختلفة من الجمهورية، ظهر منهم 63 حالة في أقسام الشرطة ومعسكرات الأمن المركزي وفي النيابات ظهروا على ذمة قضايا تظاهر والانضمام لجماعة إرهابية” وبحسب وحدة الرصد بالحملة، تعرف الأهالي على ذويهم عن طريق مقاطع مصورة تابعة لوزارة الداخلية وبيانات رسمية تفيد باعتراف هؤلاء المختفين بارتكابهم أعمال إرهابية. وحتى الآن ما زالت 152 حالة قيد الاختفاء، حيث لم يتمكن ذويهم من معرفة مصيرهم.

وحاول “مدى مصر” الاتصال باللواء أبو بكر عبد الكريم- مساعد وزير الداخلية للعلاقات العامة- للرد على هذه المزاعم والوقائع، لكنه لم يرد على هاتفه.

ورغم أن الدستور المصري ينص في المادة 54 من الباب الثالث على أن “الحرية الشخصية حق طبيعي، وهى مصونة لا تُمس، وفيما عدا حالة التلبس، لا يجوز القبض على أحد، أو تفتيشه، أو حبسه، أو تقييد حريته بأي قيد إلا بأمر قضائي مسبب يستلزمه التحقيق. ويجب أن أن يبلغ فورا كل من تقيد حريته بأسباب ذلك، ويحاط بحقوقه كتابة ويمكن من الاتصال بذويه وبمحاميه فورًا، وأن يقدم إلى سلطة التحقيق خلال أربع وعشرين ساعة من وقت تقييد حريته”. إلا أن مصر لم توقع على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، وهو ما يراه جاد محاولة للافلات مما يترتب على التوقيع من التزامات، في ما يتعلق بإدراج نصوص قانونية مفصلة في التشريعات المحلية تحظر بوضوح الاختفاء القسري.

اعلان
 
 
بيسان كساب