Define your generation here. Generation What

جدوى الجذور.. رفض الموروث الثقافي كمحاولة مغايرة للفهم

ما يحدث  في سوريا ليس له شبيه بين كل الذي جرى في البلدان العربية التي خرجت المظاهرات في شوارعها للمطالبة بتغيير سياسي على أمل أن يكون لأبنائنا حياة أفضل من تلك التي عشناها.

أقول إنه ليس هناك شبيه؛ لأنه ليست هناك دولة من تلك التي خرج فيها الناس، وأصبحت بعد خمس سنوات خرابًا فوق بعضه البعض بهذه الصورة.

خراب متنازع عليه بين أطراف عدة تتنافس في القبح والدموية. تتمزق أوصال سوريا كأرض، وتواجه أشباح الموت والنزوح كل يوم كشعب؛ مُنتَهكة من قِبل عصابات مسلحة متطرفة دينيًا تدعمها دول الخليج، وتركيا، والغرب وعلى رأسه طبعًا الولايات المتحدة، ونظام حاكم يقتل ويشرِّد ما يقرب من ثلث شعبه (*) ومن ورائه روسيا وميليشيا حزب الله وإيران.

إنه واقع لا تنحصر مأساته في تلك التفاصيل بل تبدو نتائجه مروِّعة. فحالة الاستنفار التي يشهدها الاتحاد الأوروبي في تعامله مع تدفق اللاجئين كافية لتعطينا تصورًا مبدئيًا عن حجم النزوح السوري خارج وطنه وبعيدًا عن الدول المجاورة له بعدما امتلأت خيام اللاجئين في لبنان والأردن وشمال العراق وتركيا بالنازحين، وبعد أن قرأنا في الصحف عن الذين يموتون في تلك المخيمات من البرد مع كل شتاء منذ بداية الأزمة. كما أنه لم يعد في إمكان تلك الدول استقبال المزيد من اللاجئين تحت ضغوطات واقع اقتصادي متردٍ تعانيه جميعها.

هذا التدفق السوري على الاتحاد الأوروبي لم يكن طريقًا سهلًا؛ فالصور والأخبار التي نشاهدها كل يوم حاملة إلينا معلومات عن غرق القوارب التي تحمل السوريين لشواطئ أوروبا، يمكنها أن توضح لنا أن الأمر مأساة حقيقية. بل ربما تكون أسوأ أزمة تمر بها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.

في هذه اللحظة، عندما يكون النزوح من المكان حلًا حتميًا للهروب من الموت، لا أستطيع أن أتجاهل التساؤل عن معنى وجدوى الانتماء لهذا المكان الذي نهرب منه. ولا أعني هنا جغرافية المكان وحسب، بل المكان كثقافة بمعناها الأوسع بما تتضمنه من لغة، وعادات وتقاليد، ودين، إلى آخر كل تلك العناصر التي هي ابنة بيئتها ومجتمعها بالأساس؛ والتي يمكن أن تبدو للوهلة الأولى بدهيات لا تحتاج إلى إعادة التفكير في ماهيتها من جديد.

ولكن مرة أخرى، أجد أنني لا أستطيع الهرب من التساؤل حول جدوى الانتماء للمكان. فما نعانيه اليوم، وبالأخص ما يعانيه السوريون هو ابن مكاننا، حكوماتنا هي من خلقته وليس اختراقًا ثقافيًا غربيًا كما يحلو للبعض أن يرمي عن كاهله كل إشكالية تواجهنا بترديد هذه الجملة المثيرة للشفقة والتي تحمل من السذاجة أكثر من أي شيء آخر. فأمام وطن محاصر ما بين مرتزقة حرب من بلدانٍ شتى، يقتلون بأبشع الطرق باسم الدين من جهة، ونظام حاكم يُلقي بالبراميل المتفجرة على شعبه باسم الوطن من جهة أخرى، لا بد أن يؤرقنا التساؤل عن جدوى الانتماء ثقافيًا لهذه المنطقة من العالم.

ماذا يمكن أن يعني البيت إن كان مهددًا طوال الوقت بأن يصبح أكوامًا مهدمة من أثر قذيفة مدفعية أو قنابل من طائرة حربية؟ ماذا يمكن أن يعني الحي الذي نعرف تفاصيله إن لاحقه الدمار والموت، إن رأينا جيراننا وأهلنا يسقطون قتلى في شوارع مدننا في خضم معركة وجدنا أنفسنا محاصرين بين طرفيها من دون أن يكون لنا يد في كل ما يحدث؟ ومن التساؤل حول معنى وجود البيت المنتزع من معناه الشعور بالأمان، يمكننا التساؤل بنظرة أكثر اتساعًا حول معنى الانتماء لوطن لم يعد لنا. بل أصبح ساحة لمعركة لسنا أطرافًا فيها بأي حال من الأحوال.

ماذا يمكن أن يعني الانتماء لدين وُلِد من رحمه كل هذا القتل. يبدو الأمر سخيفًا إن حاولنا تبرئة الدين من كل ما يحدث. فنصوصه وتراثه التراكمي وحوادثه التاريخية مليئة بمشاهد ووقائع لا تختلف في بشاعتها وعنصريتها وظلمها عما يقوم به اليوم النظام السوري أو الجماعات المسلحة المتطرفة التي تمارس القتل والإرهاب في سوريا وغيرها من البلدان العربية.

ماذا يمكن أن يعني الانتماء للغة كانت ولا تزال لغة لا يعنيها في المقام الأول سوى الجماليات الشكلية والزخرفة والإيقاع التي أفضت بها وبنا إلا اللا شيء تقريبًا، عدا شعارات خاوية من أي معنى. لغة مرتبطة بنص ديني مضى على تدوينه أكثر من 1400 عام. ماذا يمكن أن يعني الانتماء للغة تحجرت تقريبًا عند تاريخ يبعد عنا كل هذه القرون؟ لغة كانت آخر أشكال إنتاج المعرفة اللادينية بواسطتها قد انتهى مع اضمحلال الوجود العربي بإسبانيا.

أمام هذا المسخ ذو الثلاثة أبعاد: الوطن، والدين، واللغة؛ كيف لا نفكر في الانسلاخ من هذا القبح الذي أصبح أقرب لطوق يخنق استمرارية العيش أكثر من كونه أي شيء آخر.

هنا، وفي مواجهة هذا المسخ، يبدو الرحيل بعيدًا عن هذه الجذور المريضة، الهروب من الموت، البحث عن مكان نشعر فيه بالأمان، لا يمكن سوى أن يكون محاولة حقيقية لنسيان المعاناة والبدء من جديد. محاولة للبحث عن مكان آخر، يوفر لنا الحق في العيش؛ محاولة لتعلم لغة أخرى تجعل من الممكن العيش بأقل قدر ممكن من الشعور بالاغتراب. لغة ومكان لا يفرضا علينا دينًا، أو شكلًا من أشكال الحياة الرثة. لا تجعلنا مراقبين من قِبل المجتمع قَبل الدولة. مكان يسود فيه القانون وليس العُرف. مكان لا يلفظنا، لا يريد لنا أن نتقولب في الهيئة التي يريدها، لا يطلب منا سوى أن نتسامح مع المختلفين عنا.

ليس من السهل علينا أن نقوم بهذا الانسلاخ، فالعيش في مجتمع مثل الذي نعيش فيه، مجتمع قائم بالأساس على أن يكون الجميع مراقب من الجميع؛ يضع الدين كواجهة لكل فعل يقوم به المرء، بالإضافة إلى تردي مستوى التعليم، ناهيك عن الثقافة بمعناها الضيق في ما يخص التعرف على الآداب والفنون، يجعل من السهل تخيل ما يمكن أن نتكبَّده من معاناة جديدة من أجل محاولة العيش في مجتمعات تختلف عنا في الكثير من طرق العيش فيما يخص النظرة إلى الأديان، والحرية الجنسية، وغيرها من الأمور التي لا تزال محل خلاف بين الشرق والغرب.

في رواية “الرجل الخراب” للسوداني عبدالعزيز بركة ساكن، نتعرف على شخصية “حسن” وهو من أب سوداني وأم مصرية، ونتابع رحلة هروبه غير الشرعية لأوروبا. يتزوج حسن من امرأة نمساوية وينجب منها ابنة ويغير اسمه بآخر أجنبي. لم يعد حسن يتحدث في الدين بأي صورة محاولًا البحث عن الاندماج في مجتمع وفر له حياة كريمة.

تُظهِر لنا الرواية الكثير من العقبات التي يواجهها حسن في محاولة الاندماج مع ثقافة المكان حتى بعد مرور فترة من الوقت على استقراره فيه. يجعلنا بركة ساكن نشاهد التناقضات التي تظهر على حسن وهو يتعامل مع بدهيات الثقافة الأوروبية، والتي مثّلت بالنسبة للبطل ما يمكن اعتباره إشكاليات ثقافية دقيقة.

ولكن اليوم، تبدو إمكانية العيش خارج بلداننا صالحة للتحقق تحت وطأة الحرب، تحت وطأة الضرورة. اليوم، يبدو الانخراط في مجتمع آخر ليس بعيدًا إلى هذا الحد الذي كنا نعتقده. ظهر هذا واضحًا في موقف الكثير من المواطنين الأوروبين الذين خرجوا في مسيرات لاستقبال قطارات اللاجئين التي وصلت إلى النمسا وألمانيا. ظهر هذا أيضًا في خطاب اليسار الأوروبي الذي أكّد حتمية أن تجد أوروبا حلًا يجعلها قادرة على احتواء عملية تدفق اللاجئين وتوفير العيش الكريم لهم. هذا كله بالتوازي مع كتابات الكثير من المثقفين والأدباء الأوروبيين عن ضرورة الاحتكام لإنسانيتنا في التعامل مع هذه الأزمة قبل أي معيار آخر.

ربما يدفعنا كل ما يحدث للتفكير من جديد في الحاجة إلى إعادة صياغة علاقتنا ببلداننا وأوطاننا. ربما يجعلنا نطالب بالعقد الاجتماعي الذي كتب عنه جان جاك روسو منذ عام 1762، وما تلاه من تراكمات فكرية شديدة الأهمية. ربما نحتاج لأن نفعل ذلك ونحن مستندين إلى قناعات أكثر صرامة وأقل عاطفية وترديدًا للشعارات. فأوطاننا ستظل وهمًا طالما كان العيش فيها هو درب من دروب إهانة كرامة الإنسان وانتهاك خصوصيته وتقييد حريته.

فربما الانسلاخ، البرود العاطفي تجاه أوطاننا، يصبح خطوة أولية تجاه إعادة النظر في تاريخنا الاجتماعي والسياسي وموروثنا الديني من موقع الناقد الذي يحاول مقاربة الحياد وليس المنتمي أو الرافض. ربما يمكننا حينها أن نعترف بما في تاريخنا من ظلم وتمييز سلبي، ربما يمكننا حينها أن نرفض اعتباره تاريخًا مقدسًا خاليًا من الأخطاء. ربما عندما ندرك أخطاءه، نفكر في الكيفية التي تجعلنا نحاول التوقف عن تكرار هذه الأخطاء من جديد.

أقول “ربما” لأنني لا أملك سوى الترجيح، لا أملك سوى محاولة الرؤية وسط الضباب الكثيف.

(*) فيديو إنفوجراف يوضح خريطة تواجد اللاجئين السوريين

اعلان
 
 
محمود حسني