Define your generation here. Generation What

خطوط حمراء صديقة للحرية

أكبر معضلة تواجه صانعى السياسات عند اختيار سياسة ما هى ما يعرف بـ “النتائج غير المتوقعة”.

المتابع لأحوال الصحافة المصرية، بما فيها وسائل الإعلام المرئية، وخصوصا الأداء الإعلامى الذى تلى كارثة غرق الإسكندرية، لا بد وأن يرى تشابها كبيرا بين أداء الإعلام فى مصر 2015 ومصر قبل عقد من الزمن، أى فى 2005. وفق ما كشفت عنه بعض التسريبات، وما أكده كثير من الصحفيين ونجوم الإعلام الذين منعوا من الظهور على الشاشات منذ إزاحة مرسى عن السلطة، أعيد رسم خطوط حمراء للنقد الإعلامى للشأن العام فى مصر. تلك الحدود الجديدة إما نشأت عن تدخل صريح من “الأجهزة السيادية” فى أداء وسائل الإعلام للسيطرة على حالة السيولة العامة التى تلت ثورة يناير- سواء فى المجال السياسى أو الإعلامى- وإما كانت نتيجة رقابة ذاتية سعى من خلالها الصحفيون إلى ممالأة النظام بناء على قناعة حقيقية أو للحفاظ على مصالحهم ومصالح ملاك وسائل الإعلام المختلفة. النتيجة واحدة فى كلتا الحالتين: خطوط حمراء جديدة أعادت تعريف المسموح والممنوع، وحصنت مؤسسة الرئاسة وبعض المؤسسات السيادية فى الدولة من النقد على نسق الخطوط التى كانت مرسومة فى 2005. وبحرص فى بعض الأحيان، وبلاهة منقطعة النظير فى أحايين أخرى، اختيرت أكباش الفداء باستمرار ليعلق الفشل الحكومى الذريع على أعناقها، بدءًا بالإخوان ومرورًا بالمؤامرات الكونية والمجلس الأعلى للعالم وانتهاء بمحلب والمحافظ السكندرى ممشوق القوام.

منذ حوالى عشرة سنوات، بدأت الصحافة فى مصر تتمتع بمساحة مقننة من الحرية سمحت بها الدولة فى إطار ما كان متداولا حول ضرورة حلحلة سيطرة الدولة القوية على المجال العام. وفى هذا الوقت أيضا كانت قد تصاعدت الضغوط الأمريكية على الحكومة المصرية وباقى حكومات المنطقة، والتى أعقبت غزو العراق، من أجل تبنى إصلاحات ديمقراطية. كانت النتيجة المباشرة لذلك أن نظمت أول انتخابات رئاسية تعددية فى تاريخ مصر عام 2005 فاز بها بالطبع خالدُ الذِكر الرئيس المخلوع حسنى مبارك. كما أن نجم جمال مبارك كان قد بدأ فى السطوع بقوة فى سماء السياسة المصرية، وكان قدر من الانفتاح السياسي على المعارضة ضروريا لتقديم مبارك الابن محليا ودوليا.

السماح بهامش أكبر من حرية الصحافة جاء أيضا بعد شد وجذب بين الدولة والمعارضة، وبعد مناورات قامت بها الصحف المستقلة والمعارضة، وفى مقدمتها صحيفة الدستور التى بدأت فى الظهور فى عام 1995. كانت الجريدة- وكذلك بعض الصحف أخرى- تطبع فى قبرص وتوزع فى مصر لتفادى بعض النصوص المقيدة لإصدار الصحف فى مصر. بمرور الوقت، لعبت تلك الصحف دورا هاما فى انتقاد الوزراء والحكومة بناء على اتفاق ضمنى مع الدولة يقضى باعتبار رئيس الدولة دوما وأبدا خطاً أحمر لا يمكن تعديه فى أى حال من الأحوال. كانت الصحف تكشف عن فضائح فساد تطال كبار مسئولى الدولة، وقد تكون فى بعض الأحيان أداة لتصفية الحسابات بين بعض رجالات النظام. لكن ظلت دائما “حكمة الرئيس” أمرا محل إجماع لا يجوز التشكيك فيه مطلقا. بل إن الرئيس كان هو الملاذ الأخير لحماية الصحفيين فى حالة تعدى الدولة عليهم من خلال القوانين المقيدة لحرية الصحافة التى كان يصدرها برلمان الرئيس نفسه! رئيس تحرير جريدة الدستور فى هذا الوقت، إبراهيم عيسى، كان من أبرز مناوئى النظام. فى عام 2007 حكم عليه بالسجن لنشره “أخبارا كاذبة” عن صحة الرئيس، وتأيد الحكم عام 2008. ولكن بالطبع كانت “طيبة قلب” الرئيس، وحنانه “الأبوى”، وحرصه على “حرية الصحافة” هو المانع الوحيد الذى حال دون تنفيذ العقوبة المحكوم بها، حيث أصدر الرئيس قرارا رئاسيا بالعفو عن العقوبة بعد أن لقن النظام إبراهيم عيسى درسا قاسيا.

المدهش أنه يبدو أن النظام الحالى لم يع درس الماضى، ولم ير فيه إلا قصة نجاح جديرة بالاحتذاء فى السيطرة على وسائل الإعلام. ولكن كان للقصة جانب آخر، لأن الإعلام الذى تمتع يوما بقدر من الحرية تحت حكم مبارك، والذى لم يكف صباح مساء عن مدح الرئيس والإشادة الدائمة بـ”حكمته”، كان فى الواقع فى عملية تفاوض دائم مع النظام حول تعظيم مساحة الحرية التى يتمتع بها. استمرار الوضع السابق فترة كافية أدى إلى نتيجتين هامتين: الأولى أن استمرار نقد الصف الثانى من المسئولين أدى إلى أن يتجرأ الإعلام على نقد الصف الأول يوما ما، خصوصا فى حالة ترنح النظام تحت وطأة المشاكل التى عجز عن حلها. وهذا بالطبع هو النقيض لما طمح إليه النظام يوما ما من إتاحة هامش محدود للحرية مقابل تحديد مناطق محرمة لايجوز التعدى عليها دائما وأبداً. النتيجة الثانية أن تمتع الإعلام بحرية نسبية فى نقل المشاكل اليومية وما أكثرها فى مصر، متمتعا فى ذلك بالحماية ما دام ملتزما بخطوط النظام الحمراء، والنواح على تلك المشاكل بشكل مستمر من أجل تعظيم مكاسب الصحفيين فى سوق إعلامي تنافسي، وحتى ولو لم ينتقد رأس النظام على الإطلاق، قد أدى إلى تزايد السخط الشعبي ضد النظام بأكمله. وعندما وصل هذا الغضب إلى مرحلة حرجة كانت السيطرة عليه شبه مستحيلة.

والباقى تعرفونه جيدا.

اعلان
 
 
محمد شرين حمدي