Define your generation here. Generation What

حول الاختفاء القسري.. وما ينبغى على أسر المختفين عمله

1

الاختفاء القسري جريمة، وليس هناك سلطة في العالم، مهما اشتد ظلمها وقمعها، تعترف بوجوده؛ لأنه جريمة ضد الإنسانية، ويعد ضمن الجرائم الأشد انحطاطًا في تاريخ البشرية. وهذه الجريمة، ولأنها ليست عادية، فلا ينبغي أن تكون سبل مواجهتها عادية.

2

عادة يتم الاختفاء القسري لسببين:

  • إما انتقامًا من المختفي بسبب نشاطه، وعقابًا له- خارج القانون- على هذا النشاط، حيث يتم قتله أو تعذيبه وسجنه في أحد السجون السرية لفترات طويلة دون قيده في سجلات رسمية، وخارج أي رقابة، وأحيانًا دون علم القيادة السياسية حتى، والتي تكون بدورها قد أمنت رجال الأمن أو الاستخبارات من العقاب، ما يسمح لهم بالتصرف وفق رؤيتهم لما يرونه من مصلحة النظام السياسي.
  • أن يتم احتجاز المختفي لمدى زمني قصير نسبيا “ما بين أيام أو أسابيع” دون الاعتراف بوجوده، ولفترة تكفي لتعذيبه عقابَا على نشاط ما تراه أجهزة الأمن ضارًا، دون قتله. أو لفترة تكفي لانتزاع اعتراف من الضحية على ارتكابه لجرم معين أو الادلاء بمعلومات عن أشخاص آخرين أو حدث أو قضية ما، أو كرهينة لحين يسلم شخص مقرب له نفسه لأجهزة الامن. وهذا هو النمط الأقرب للنموذج المصري حتى الآن.

3

انتشر هذا النمط من الاختفاء القسري خلال فترة الصراع الدامي بين الجماعات الإسلامية الجهادية- الجهاد، والجماعة الإسلامية، والتوقف والتبين، ومجموعات أصغر حجما- وبين النظام المصري خلال التسعينيات .

ثم عاد للظهور بشكل فج مصحوبًا بظاهرتي الإفلات من العقاب وإنكار حدوثه، رغم ثبوته. ليس فقط خلال هذه الفترة من حكم السيسي، بل خلال ثورة 25 يناير: راجع اختطاف واختفاء وائل غنيم قسريًا يوم 27 يناير 2011، حتى ظهوره بصحبة أمين الحزب الوطني المنحل حسام بدراوي، وأفلات رئيس جهاز مباحث أمن الدولة حسن عبدالرحمن من العقاب، رغم مسئوليته عن الجريمة، ثم حالة إسراء الطويل وغيرها مؤخرًا.

4

الإجراءات القانونية بالنسبة لهذه الجريمة من تقديم بلاغ، أو شكوى للنيابة العامة، لا تضير، وإن كانت أقل الإجراءات تاثيرًا.

فلم يتم التدليل على أن النيابة العامة تحركت بالشكل الذي يوجبه عليها دورها في المجتمع، أو طبقا للقسم الذي أقسمه كل من عمل بالنيابة العامة. ولكن رغم ذلك، فالشكوى التي تُقدم لها، حتى ولو لم تتحرك به، تصبح دليلًا على تقاعس أو عجز أو تواطؤ جهاز العدالة في القيام بدوره في التصدي لهذه الظاهرة الإجرامية.

5

هناك فريق عامل معني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي تابع للأمم المتحدة ومقره في جنيف- وهذا بريده الإليكتروني (wgeid@ohchr.org )- يعمل على هذه القضايا، ورغم تقاعس الحكومة المصرية عن التصديق على “إعلان حماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري” الذي صدر في عام 1992، ودخل حيز التنفيذ في عام 2010، إلا ان تقديم شكوى لهذا الفريق، تصبح أحد وسائل التوثيق بجانب رقم بلاغ أو شكوى النيابة العامة.

تبلغنا الخبرات الدولية في مجال التصدى لجريمة الاختفاء القسري أن الوسيلة الأهم والأجدى هي تحرك أسر الضحايا لكسر التعتيم والتضليل الذي تمارسه أجهزة الحكومات المتورطة في هذه الجريمة، مثل الحكومة المصرية.
في تشيلي والارجنتين وغيرها من دول أمريكا اللاتينية، بل وفي دول شبيهة وأقرب من مصر، مثل الجزائر، كانت أسر الضحايا، تتجمع أسبوعيًا لمدة ساعة في مكان يختارونه، يتجمعون صامتين، حاملين صور ذويهم مدون عليها أسمائهم وتاريخ اختفائهم.

على أن يتميز هذا التجمع بالإصرار، والتكرار والمداومة ، وخلق حالة الاعتياد لدي الرأي العام أن يوم الخميس من كل أسبوع- على سبيل المثال- هو يوم تجمع أسر- ويفضل أن تكون نساء (زوجات، أمهات، أخوات، نجلات)- الضحايا في وقت محدد ومكان ثابت.

ففي أمريكا اللاتينية، وفي بدايات تحرك أسر ضحايا حالات الاختفاء القسري، كان التحرش الأمني يحدث، لكن الحماية والتعاطف الشعبي وتسليط الضوء من وسائل الإعلام على هذه الظاهرة، كان يخلق لها مساحة واسعة من التعاطف والدعم، الذي لا يضن به سوى شخصيات سادية، ممعنة في الإجرام.

هذه التجمعات ليست تظاهرة، بل هي مظالم حادة يرفعها أسر الضحايا بحثًا عن الإنصاف، مطالبين بمعرفة مصير الضحايا وأماكن احتجازهم.

6

لا يتم الاختفاء القسري بالضرورة على يد الأجهزة الأمنية وبمعرفتها وعن طريقها، لكنه قد يتم بمعرفتها وعن طريق جماعات مقربة منها.

والدولة أو السلطة ليست مسئولة فقط عن عدم ممارسة الاختفاء القسري، لكنها أيضًا مسئولة عن حماية المواطنين من التعرض له.

اعلان