Define your generation here. Generation What
روايات الطائرة الروسية.. من السخرية إلى الذعر
 
 

بدأ أمس فصل جديد في قضية الطائرة الروسية المنكوبة، بعد أيام عدة من الغموض، خاصة في قضية تتشابك أطرافها وتتعارض فيها مصالح كثيرة، سياسية وأمنية وحتى استثمارية.

في الساعات الماضية تصدرت عدة قرارات الفضاءات الإخبارية، ذهبت كلها في اتجاه واحد دون أي لبس: الطائرة سقطت بفعل عملية إرهابية، بما يحمله ذلك الاتجاه من اتهام بوجود ثغرة في التأمين في مطار شرم الشيخ.

وأعلن المتحدث الصحفي باسم الرئيس الروسي، ديمتري بيسكوف، العديد من القرارات بوتيرة متسارعة، كان آخرها قرار الكريملين بوقف جميع الرحلات السياحية إلى مصر بما في ذلك القاهرة، بناءً على توصيات جهاز الأمن الفيدرالي. كما أعلن رئيس رابطة مشغلي الرحلات السياحية الروسية، دميتري جورين، أن عدد السياح الروس المتواجدين في مصر الآن يتجاوز 47 ألف شخص، وأن الاستعدادات لإجلائهم جاهزة. وقرر جورين أيضًا أن كل المواطنين الروس العائدين من مصر سيعودون حاملين حقائب اليد فقط. فيما التقى نائب وزير الخارجية الروسي، أوليغ سيرومولوتوف،  السفير البريطاني في موسكو، تيم بارو، بناءاً على طلب من الأخير، لمناقشة مسألة التحقيق في الكارثة.

التحول في الرواية

من الصعب تحليل الأخبار المتعلقة بالموقف بين مصر وروسيا دون رصد مسار تحول الأحداث، بدءاً من التسليم بأن خطأ فنيًا ربما كان وراء سقوط الطائرة، وهو ما صحبه سخرية من تبني “داعش” لعملية إرهابية استهدفت إسقاط الطائرة، وصولًا إلى حالة الذعر الحالية.

فبعد ساعات من وصول المحققين الأجانب إلى مصر، تحديدًا الروس، ونظرائهم الآخرين القادمين من شركة “إيرباص” الفرنسية، بدأت الأخبار تتضح. حطام الطائرة منتشر في دائرة كبيرة والبحث تناول عشرات الكيلومترات، والحطام يحتوي قطعاً صغيرة محترقة. كما أن معظم الضحايا تحولوا إلى أشلاء، قال عنها رئيس هيئة الإسعاف في شمال سيناء محمود عامر، في اتصال مع “مدى مصر” إن معظمها محترقة تماما، وإن عدد الجثامين المكتملة ليس كبيًرا. وأعلنت وزارة الطوارئ الروسية أن الطيار لم يصدر أي استغاثات، وأخيرً ظهرت الأخبار التي نقلت أن الصندوق الأسود يجزم أن السقوط كان نتيجة لانفجار.

هنا أظهرت الصورة سيناريو مخالفاً تماماً لحلم العطل الفني: لم تسقط الطائرة مكتملة وانقسمت على الأرض، بل كان الانقسام في الجو وصحبه انفجار كبير نشر الأشلاء في منطقة واسعة. وكان الانفجار على الأغلب لسبب داخل الطائرة، وبسبب ارتفاعها الكبير- لأكثر من 30 ألف قدم- كانت مهمة استهدافها بصاروخ أصعب من أن تُخفى بهذه السرعة.

الضجة الغربية و”داعش”

وسط سيرورة الانكشاف هذه بدا الاهتمام الكبير من المسؤولين الغربيين والأميركيين بالحادث غريبًا لوهلة. إذ تناول الموضوع سياسيون ذوو مستوى رفيع: قال ديفيد كاميرون- رئيس الوزراء البريطاني- إن قرار بلاده وقف الطيران إلى سيناء كان “بناءاً على المعلومات التي لديهم حول الحادث”. أما الرئيس الأمريكي باراك أوباما فتحدث خصوصا عن القضية وقال إن “إسقاط الطائرة بعبوة ناسفة ليس أمر مستبعدًا”.

رويدًا بدأت هذه التصريحات تكتسب صفة العملية، وأعلن المتحدث باسم فلاديمير بوتين، أن الرئيس الروسي وكاميرون تحادثا اتفقا على “التعاون الوثيق” في التحقيقات في القضية. كما تم الإعلان أن وفداً أمنياً بريطانياً وصل مصر لتقييم الوضع الأمني في شرم الشيخ.

لم يكن الاهتمام الغربي بالقضية منذ البداية، ومبادرتهم في تبني فكرة العملية الإرهابية، عصياً على التفسير بالنسبة لخبراء ومراقبين عدة: أولًا، هو استباق لأي نيّة لإخفاء التعرض للعملية الارهابية، وهو أمر ليس مستبعدًا في بلد يراه الجميع لا يحفل بحق تداول المعلومات. ثانيًا، تبني “داعش” للعملية يستدعي بالنسبة للكثيرين الكشف عن حقيقة الكارثة.

على الرغم من ذلك، فإن طرفين مهمين في القضية لم يكونا ليقبلا بافتراض أن مشكلة تقنية تقف وراء الأمر: شركة “إيرباص” الفرنسية التي وُضعت سمعة واحدة من أكثر طائراتها انتشاراً على المحك، والشركة الروسية المالكة للطائرة التي تتعرض لانتقادات قديمة تتعلق بالسلامة والأمان.

وهنا، قال مسئول كبير من مطار شرم الشيخ لـ”مدى مصر” إنه في بداية الأمر وقبل ظهور الحديث عن عملية ارهابية، لم يكن سقوط الطائرة مستغربًا تمامًا، إذ أنها مملوكة لشركة “متروجيت”. الشركة بحسب مصدرنا، وكما نُشر، لا تتعاقد مع شركة صيانة، وإنما تحمل فني الصيانة على ظهرها للفحص الفني بين الرحلات. وهي تتخذ كافة الإجراءات الممكنة لتوفير أي نفقات، ويقل حد السلامة بالنسبة لها، قياساً بشركات روسية أخرى مثل “نورد ويند” العاملة في شرم الشيخ والغردقة بكثافة.

وفي هذا السياق، فإن من مصلحة أطراف عدة الابتعاد عن احتمال العطل الفني، ومنهم فرنسا، وألمانيا وأيرلندا اللتين جمعت الطائرة وسجلت فيهما.

لكن الطرف الذي قد يتضح أنه الأهم في المسألة غاب عن معظم المتابعين: “داعش”. بالنسبة لمصادر متابعة لأنشطة التنظيم في دول عدة، كانت السخرية من التهديد خطأ فادحاً، وكان يتوجب أخذه على محمل الجد.

تقول صحفية عربية عملت في مناطق تحت سيطرة داعش لـ”مدى مصر” إنه “لا يمكن التعاطي بهذه المراهقة مع بيان لداعش. هذا تنظيم قوي يحارب دولاً ويحصد انتصارات وينتشر بقوة”، وتضيف: “بالنسبة لي، كان بيان داعش الثاني دافعًا قويًا لسرعة الإعلان عن احتمالية العملية الإرهابية. فالبيان كان يقول باختصار: أصدروا تقريركم وقولوا إنه عطل فني، ونحن سنظهر أدلتنا على تبني العملية كرد عليكم”. وطلبت الصحفية التي تعمل لحساب وكالة أنباء غربية عدم ذكر اسمها لاعتبارات الأمان الشخصي.

ماذا عن مصر وروسيا؟

منذ ساعات، أصدر المكتب الصحفي للكريملين بيانًا قال فيه إنه “انطلاقًا من الفهم المشترك لضرورة ضمان أعلى معايير سلامة المواطنين الروس في مصر، اتفق الرئيسان المصري عبد الفتاح السيسي والروسي فلاديمير بوتين، على ضرورة التعاون بين الوكالات ذات الصلة في البلدين، بما في ذلك من خلال تنسيق العمل بين سلطات الأمن والطيران في روسيا ومصر”.

كان الاهتمام بالمسألة في البلدين مصاحباً لتأكيدات متكررة من الجانبين أن الحادثة لن تؤثر على العلاقات الثنائية، حتى أن بعض وسائل الإعلام الروسية الرسمية قالت إن الحادثة تسعى لإفساد العلاقات الواعدة بينهما. ووصلت رسالة رسمية واضحة بهذا المعنى في لقاء السفير المصري محمد البدري مع نائب وزير الخارجية مبعوث بوتين للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ميخائيل بوجدانوف، وهو من أقوى السياسيين تأثيرًا في المجريات الداخلية والخارجية في روسيا.

كان وزير الطيران المدني حسام كامل قد قال يوم الخميس الماضي إنه ليست لدى المحققين أي أدلة تثبت أن انفجاراً تسبب في سقوط الطائرة، وهو ما تطابق بشكل ما مع تصريحات الناطق باسم الرئيس الروسي في اليوم نفسه بأنه “لا يحق لأحد باستثناء فريق التحقيق تقديم أية فرضيات أو التخمين بشأن أسباب الحادث”، وهي التصريحات التي استكملها قائلًا: “لم نسمع حتى الآن أي تصريحات من جانب فريق التحقيق. أما بالنسبة للتخمينات الأخرى بهذا الشأن، فنعتبرها معلومات غير مؤكدة”، مضيفًا أنه إذا كانت هناك جهات ما تملك بيانات ذات قيمة، فإن موسكو تأمل في تسليم هذه البيانات للتحقيق، وبشأن قرار بريطانيا تعليق الطيران من وإلى شرم الشيخ، قال إن اتخاذ مثل هذا القرار يعد حقا سياديا لكل دولة.

لكن هذا الموقف تغير مع القرار الذي صدر لاحقًا بوقف جميع الرحلات السياحية الروسية إلى مصر، بما يحمله ذلك القرار من إشارة إلى ترجيح فرضية تفجير الطائرة.

في هذا السياق، قال ديبلوماسي مطلع على العلاقات بين البلدين لـ”مدى مصر” من موسكو: “بالطبع الموضوع حساس وصادم، في النهاية نحن أمام أكبر كارثة في تاريخ الطيران المدني الروسي والسوفييتي”. وأضاف المصدر، الذي تحفظ على ذكر اسمه: “هنا نحن نتحدث عن مسألة تخص قمّة النظام السياسي الروسي. الأمر قد يُسوق على أنه ثمن مشاركة روسيا في الحرب السورية، وهذا أمر لا يريده الروس، ويرون أن تلافي ذلك قد يتحقق باجراءات صارمة مثل تعليق الرحلات الجوية وإجلاء الرعايا والسياح. لكننا لسنا أمام تهديد حقيقي للعلاقات بين البلدين. هناك خسائر وهذا طبيعي، السياحة المصرية ستتأثر بالطبع، وشركات سياحة روسية قد تتعرض للإفلاس، لكن على المستوى الاستراتيجي، فالقاهرة وموسكو حلفاء، تُبنى العلاقة بينهما على أساسات قوية ومصيرية لكليهما”.

 

اعلان